الثقافة العربية بين الوحدة والتنوع
لا يسعنا إلا أن نسجل بكل ارتياح أنه فى الوقت الذى تتجه فيه الانظار الى التخطيط الاجتماعى والاقتصادى ، تحليلا وتقييما لما أنجز ، وتصورا وتنسيقا لما يحسن إسناد الأولوية إليه وعقد العزم على تحقيقه فى السنوات القادمة ، وتنصرف الجهود الى استمداد العبرة والموعظة من نتائج سياستنا التعليمية منذ الاستقلال وضبط مقومات الانطلاقة التربوية الجديدة فى العشرية الآتية ، لا تزال الثقافة - فى هذا الظرف بالذات - تحتل من مشاغل المسؤولين وعنايتهم المرتبة المرموقة .
فقد أكد السيد رئيس الجمهورية يوم 6 ماى 1972 فى الخطاب الذى ألقاه أمام ضيفه الكريم رئيس الجمهورية المصرية الشقيقة أن أمر النهضة الثقافية " يهمنا جميعا فى الدرجة الأولى ، لأن على هذه النهضة يتوقف مصير الشعوب من الناحية السياسية والفكرية والروحية ، وعليها تبنى منزلتها بين الأمم المتقدمة وطاقتها على التحاور معها على أساس الأخذ والعطاء دون تزييف " .
وذكر سيادته بحقيقة طالما غفل عنها بعض السياسيين والقادة وهى أن ما يقاسيه العالم العربى من تخلف اقتصادى وما تتجرعه بعض شعوبه من مرارة الانهزام وتتخبط فيه من أهوال الفوضى إنما هو نتيجة لأزمة حضارية وبالتابع لفشل ثقافى يتمثل فى التقهقر العلمى والقصور التكنولوجى والعجز عن الخلق والابداع والتحاور الايجابى الرائد مع سائر الثقافات .
لذلك وجب تصور الثقافة جانبا هاما من جوانب المعركة المصيرية فى سبيل التنمية والازدهار ، لا مجرد نشاط هامشى أو كمالى يقبل عليه ويتفرغ إليه بعض المحظوظين والباحثين عن التسلية والترفيه .
والواقع أن هزيمة 1967 وتحديات الصهيونية المتوالية و " ضغط " الحضارات العصرية على العالم العربى ، فتحت العيون وأيقظت النائمين
الحالمين الى الواقع المر الصارم وحملت المسؤولين على التفكير العميق والعمل المجدى الناجع والجرأة على مواجهة المشاكل الحقيقية .
وفى الوقت الذى تواصل فيه بلادنا جهدها الجهيد من أجل النهضة الشاملة ساعية - كما قال السيد وزير الثقافة بمناسبة تدشين الحملة العالمية لصيانة قرطاج وإحياء معالمها والنداء التاريخى الذى توجه به فى هذا الصدد يوم 19 ماى الماضى السيد مدير منظمة اليونسكو الى كافة الدول وهو حدث جدير بالتنويه والامتنان - إلى " إقرار الثقافة فى قلب المعركة من أجل التنمية " ، لا يمكن أن نغفل عما يجرى فى وطننا الاكبر ، فتبلغ بنا السذاجة حد الاعتقاد بأنه يمكن أن ننهض فرادى دون حد أدنى من الشعور بالتضامن وضرورة التكتل والتنسيق والتعاون ، وحتمية البناء الجماعى للمصير المشترك .
وفى هذا السياق ومن بين المجالات التى يتعين فيها احكام التعاون وتضافر الجهود تأتى الثقافة العربية التى هى - كما قال السيد الرئيس - فى نفس الخطاب المذكور - " ملك مشاع بيننا جميعا مشرقا ومغربا ، وكل قطر عربى بسعى الى المساهمة فى تنميتها وتطويرها بحسب إمكانياته . ولكن هذه الجهود لا تزال مقطعة ، مبعثرة ، لضعف المبادلات بين الاقطار وانعدام التنسيق بين الخطط الانمائية فى مجالات الفكر والعلوم والفنون " .
ويضيف الرئيس الحبيب بورقيبة قوله ونحن فى هذا الصدد نعلق آمالا كبيرة على منظمة الثقافة التى انبثقت أخيرا عن الجامعة العربية ونرجو أن تتوصل الى إقامة اللحمة اللازمة بين الحركات الثقافية فى كافة انحاء العالم العربى ، رغم بعد الشقة والفوارق السياسية والحواحز الديوانية ، وهى ولا شك تكون قامت بعمل رائد قد يفتح السبيل الى تعاون أوسع وأشمل اذا هى توفقت الى تنظيم سوق ثقافية مشتركة بين كافة البلدان العربية من الخليج الى المحيط ، على أساس التبادل المثمر والحوار المجدى فيما بينها مع التفتح الواعى على سائر الثقافات الناهضة فى العالم . . . " .
ونحن إذ نبارك هذا الاتجاه الذى يؤكد أصالة الشعب التونسى ويدعم حظوظ الدور الذى يستطيع أن يلعبه فى إنماء الحضارة العربية والمتوسطية معا ، ويحدد خطوط الرسالة التى يمكن ان يضطلع بأعبائها المثقفون فى هذه البلاد ، فلا يتذبذبوا ولا ينبتوا ولا يهيموا مع المستورد والزائف من المذاهب والنطريات ، بل هم يتكشفون عن أبعاد منزلتهم العربية والانسانية معا ،
نعلق - مثل سيادة الرئيس - الآمال العريضة على المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التى يبدو أنها تنحو منحى رصينا واقعيا من شأنه ان يجنبها ما وقعت فيه المحاولات السالفة وجل الملتقيات الثقافية السابقة من سخيف المهاترات وعقيم المزايدات ومحموم الاهواء ومر أحلام اليقظة والخيالات ، وتبحث عن قضايا جوهرية على أساس العقل والحرية والموضوعية والرصانة .
وبالرغم عن أن تونس لم تنخرط بعد فى هذه المنظمة بصورة رسمية فقد شاركت بوفد هام فى " مؤتمر الوحدة والتنوع فى الثقافة العربية المعاصرة " الذى انتظم بالقاهرة من 6 الى 11 ماى 1972 .
وفى هذا المقام يحسن ان تتضح المفاهيم وتصفو الرؤية ويجتنب الالتباس فنبنى المستقبل على أسس سليمة ثابتة .
فالثقافة العربية ليست كهنوتا فكريا ولا عقيدة نهائية جامدة أو منظومة محددة من الافكار والمشاعر تتوارثها الأجيال جيلا عن جيل ، كما ان الاصالة لا تنحصر فى عبادة القيم الجاهزة والوفاء للماضى على علاته ، والتمسك السلبى بالتقاليد والعادات والتصورات القديمة .
الثقافة العربية إخلاص لمثل عليا مستمدة من روح شعوبنا العربية الاسلامية ، ومتجددة عبر العصور بفضل اجتهاد كل الخلاقين والمنتجين فى دنيا الفكر والعلوم والفنون بأنواعها ، منها أولوية الروح على المادة والايمان بالانسان وقدرته على خلق نفسه وتقرير مصيره ، ومنها أيضا التسامح والاعتدال والسعى الى استئصال أسباب البغضاء والشحناء بين البشر واستنبات عوامل الألفة والأخوة فى قلوبهم تمهيدا الى ما سماه أبو نصر الفارابى " بالمعمورة الفاضلة " ، ومنها كذلك التمرد على الظلم والعسف وتحدى الطغيان والتضحية من أجل الكرامة والتوق الى العدالة الاجتماعية التى تنتفى الحرمة البشرية بآنتفائها ، ومنها عزيمة العمل والتأثير فى الواقع والمبادرة والابداع .
فالثقافة العربية هى - إذن - إيمان راسخ وروح أصيل وعمل صادق ، لا يختص بها جيل دون جيل ولا قطر دون آخر ، لأنها آتسعت فشملت اقواما كثيرين يعيشون فى بيئات مختلفة من حدود الهند والصين شرقا الى ضفاف المحيط الاطلنطى غربا ، تميزت فيها ضروب العيش واختلفت درجات المدنية ، فعبرت كل بيئة عن ملامحها وانفتحت على الثقافات السابقة عليها و تأثرت
بالتيارات العقائدية والأدبية المعاصرة لها ، فكان التنوع الخصب الذى اعتبره الاستعمار وتلامذته تضادا وتناقضا وأرادوه تصادما وتفرقة وهو فى الواقع عنصر تكامل وإثراء وقوة ، على نحو ما كان من أمر الحضارة العربية الاسلامية فى العصر العباسى بعد أن انصهرت فى بوتقتها الثقافات الفارسية والرومية والهندية . . .
ولو حللنا تاريخ الحضارة العربية الاسلامية وتعمقنا فى خصائصه وتياراته لأدركنا ان التيار الثقافى العام . إنما هو تأليف لمختلف الثقافات المحلية المتميزة التى تعايشت وتعاقبت فى المكان والزمان وتفاعلت وغذى بعضها بعضا ، فآنسجمت آخر الأمر وأصبحت إحدى دعائم الفكر العربى الاسلامى فى جوهره القار وشتى مظاهره وجوانبه المتطورة المتجددة .
وفى هذا المعنى يؤكد ت . س . اليوت : " القيمة المطلقة - فى مجال الثقافة - هى ان كل منطقة ينبغى أن تكون لها ثقافتها المميزة التى ينبغى أيضا أن تنسجم مع ثقافات المناطق المجاورة وتثريها . وان الثقافة القومية حصيلة عدد غير محدود من الثقافات المحلية التى لو حللت هى نفسها لتبين أنها مكونة من ثقافات محلية أصغر " .
فالتنوع بهذا المعنى هو إثراء للوحدة وتثبيت لجذورها وضمان لبقائها وإذن فمن الواجب أن نواصل مجهودنا - كل فى قطره وحسب ملابساته وظروفه - من أجل الخلق والابداع والابتكار ، معيارنا الصدق فى الاستلهام والتعبير ورائدنا التقارب والتماثل لا التباين والتجافى ، وغايتنا المساهمة فى بناء الحضارة الانسانية والحوار الواعى البناء مع كافة البشر ، لا اجترار الماضى أو استهلاك الفكر المدخول .
فاذا كان التنوع هو الخصوصية والطرافة - لا الاقليمية المنطوية على نفسها أو الشعوبية الضالة - فانه يكون أكبر دعامة للوحدة الثقافية العربية الاسلامية السليمة وخير مساهمة فى تقدم الفكر الانسانى المعاصر .
وإن توضيح مثل هذه المفاهيم فى هذه الظروف الانتقالية الدقيقة التى تجتازها الأمة العربية الاسلامية ، بعيدا عن ضوضاء المهرجانات المتسمة بسمة المظهرية والغوغائية ، ليعد إنجازا إيجابيا ، نرى من الواجب التنويه به ودعوة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم على المبادرة بتحقيق أمثاله ، حتى
تتضح معالم الطريق ونحقق ما سماه الدكتور عبد القادر حاتم وزير الثقافة بالجمهورية العربية المصرية فى الكلمة التى افتتح بها أشغال المؤتمر المذكور " بوحدة المشاعر وروح الاخوة الباقية مع الأيام التى اودعتها فى نفوسنا وحدتنا الثقافية " .
وبذلك نقوى أيضا على تجاوز " الأزمة الحضارية " التى يعيشها العالم العربى ونهضم " الحضارة الجديدة فى أسلم مقوماتها مع تنمية طاقاتنا الأصيلة من أصفى ينابيعها فنصنع مجتمعات عربية جديدة توفر الازدهار للجماهير وتضمن لنفسها المناعة من كل عدوان وتساهم فى خلق الحضارة الانسانية الرائدة " .

