١- البرق والبريد والهاتف : رأينا عند الحديث عن النهضة الاصلاحية الشاملة التى خطط لها الامير الكبير أول رئيس للوزراء في عهد ناصر الدين شاه انه قد وضع نظاما خاصا للبرق والبريد والهاتف ثم أخذت هذه المرافق تتحسن شيئا فشيئا حتى اذا كانت سنة ١١٣٠ ه وجدنا عدد مكاتب البريد والبرق والهاتف ترتفع الى مائة واثنين وسبعين مركزا موزعة في كل انحاء ايران .
وعندما تولى الميرزا على خان الملقب بأمين الملك وزارة المواصلات سنة ١٢٩١ ه استقدم هيئة نمساوية برئاسة ريدرير لادارة شؤون المواصلات في ايران ، وقد ظلت تلك الهيئة تعمل في حقل المواصلات الى سنة ١٢٩٤ ه حيث عادت الى النمسا ، فعين موظف روسى يدعى استال مديرا عاما لمكاتب البريد ، وقام استال بتعيين الدكتور اندرياس مفتشا عاما لمكاتب البريد في ايران، وقد قبلت ايران سنة ١٢٩٥ ه - ١٨٧٨ م عضوا فى الاتحاد العالمى للبريد.
ولم يطل أمد استال الروسى في عمله كمدير عام للبريد في ايران فقد تولى
الإيرانيون المهمة بعد قليل ، وكانت المواصلات الهاتفية تتم بين ايران واوربا عن طريق روسيا ، كما كانت تتم الارتباطات البريدية بين ايران والهند والشرق الاقصى عن ميناء بوشهر على الخليج الفارسى . وبعد اغتيال ناصر الدين شاه سنة ١٣١٠ ه استخدمت ايران بعثة بلجيكية لادارة شؤون البريد ، وكان رئيس البعثة البلجيكية يدعى نوز وقد ظل نوز في منصبه كمدير للبريد الى قيام الحياة الدستورية في ايران حيث رفع الى منصب مدير عام للبريد .
وقد نصبت أول محطة لاسلكية فى ايران سنة ١٢٦٧ ه كمحاولة للاتصال بين قصر كلستان وحديقة لانه زار وكلاهما في طهران، ثم ربطت العاصمة كلها بمحطات لاسلكية خلال سنتين ، كما ارتبطت العاصمة بكل من رشت وتبريز واصفهان وشيراز ومشهد ارتباطا لاسلكيا ، وكانت اكبر الشركات العاملة في مد تلك الخطوط هى شركات بريطانية وروسية . لذلك فقد ظلت شبكة الخطوط اللاسلكية في الشمال تحت تصرف روسيا ، كما كان امتياز مد الخطوط اللاسلكية في الغرب وموانئ الخليج الفارسى في يد شركات بريطانية ، بالاضافة الى
الخطوط الداخلية التى كانت تربط اجزاء ايران ببعض ، كانت هناك خطوط خارجية للارتباط مع اوربا والهند وكان أصحاب الامتياز في تلك الخطوط أيضا هم أصحاب الشركات البريطانية في الغرب والجنوب والشركات الروسية في الشمال .
٢ - السكك الحديدية : عندما كان ناصر الدين شاه في أوربا ، ورأى التقدم الذى أحرزته الامم الاوربية في مجال المواصلات ، وخاصة السكك الحديدية التى كانت وسيلة للانتقال من بلد أوروبى الى آخر ، فكر في انشاء سكك حديدية في بلاده لربط أجزاء ايران الشاسعة المترامية الاطراف ببعضها .
وفي لندن اطلع ناصرالدين شاه اصحاب الشركات البريطانيين على رغبته تلك ، ومنح بعض الشركات البريطانية امتياز مد خطوط حديدية في ايران . كما منح أحد الرعايا الفرنسيين حق مد بعض السكك في ايران ، ثم دخلت بعض البيوتات التجارية الايرانية في المشروع فيما بعد مثل الحاج محمد حسن أمين الضرب، وبعض المؤسسات الاجنبية كبنك التسليف الروسى في ايران .
وقد واجهت رغبة ناصرالدين شاه في ادخال السكك الحديدية الى ايران بعض المشاكل والاعتراضات من الهيئات المحافظة التى كانت تتهيب كل جديد ، ولكن رغم ذلك فقد تم انشاء اول خط حديدى يربط بين طهران بمدينة الرى القريبة منها ، وكان العوام يطلقون على ذلك الخط ( الخط الدخانى ) .
وكان ذلك الخط ثمرة أولى لمجهودات ناصرالدين شاه لادخال السكك الحديدية في ايران .
كان من بين الاصلاحات المالية التى قام
بها الامير الكبير - تأسيس دار في طهران لضرب النقود ، لذلك فقد كان من الامور العادية جدا أن يجد الاجنبى في ايران أنواعا مختلفة من العملة يتداولها الناس . وقد لا يسمح بتداول بعضها في اكثر من مدينة واحدة .
وفي سنة ١٢٨٣ ه قام السفير الإيرانى في باريس الامير نظام الجروسى بشراء مكنة لضرب النقود ، وشحتها الى ايران ، حيث ظلت محتجزة في جمرك ميناء انزلى ( بهلوى الحالى ) الى سنة ١٢٩٤ ه وعندما أسست دار جديدة لضرب النقود في طهران في تلك السنة أفرج عن مكنة الجروسى وسلمت للسلطات المسؤولة في الدار الجديدة .
وكان المسؤول عن دار الضرب في طهران سنة ١٣٠٠ ه هو الحاج حسن أصفهانى الملقب بأمين الضرب ، وكان أمين الضرب يقوم بشراء الفضة الخام من التجار ثم تتولى الدار سبكها وكانت العملة المتداولة يومذاك هى الفئات التالية :
خمسين دينار ، ومائة دينار، وخمسمائة دينار ، وألف دينار .
وعندما أنشئ البنك الملكى في ايران على يد بعض الرعايا البريطانيين أصبح ذلك البنك هو المشرف على دار الضرب ، وهكذا أصبحت السياسة النقدية في يد بريطانيا الى قيام العهد الدستورى في ايران .
ذكرنا ان الامير الكبير أنشأ في عهد تصدره لرئاسة الوزارة جريدة رسمية اسبوعية تسمى ( الوقائع الاتفاقية ) وبعد مقتله صار اسم الجريدة ( جريدة الدولة الايرانية العلية ) ثم صار اسمها اخيرا
( جريدة ايران ) ، وكانت الجريدة مرتبطة ارتباطا رسميا بالدولة ، وقد صارت تلك الجريدة تزود بالصور الى جانب الاخبار في أواخر عهد ناصر الدين شاه .
أمر ناصر الدين شاه في زيارته الاولى لأوربا بشراء مطبعة باللغتين الفارسية واللاتينية ، وعندما وصلت المطبعة الى ايران لم تستطع الدولة الاستفادة منها لعدم وجود مشرف ولا صفاف فنى للحروف فظلت المطبعة مهملة الى سنة ١٢٩٢ ه عندما طلب البارون الفرنسى لويس دى نورمان رخصة اصدار جرية باللغة الفرنسية في طهران . فسمح له باصدار جريدة الوطن كما سمح له باستعمال المطبعة الحكومية المهجورة .
والى جانب طهران كانت توجد مطابع فى كل من بوشهر وأصفهان وتبريز تقوم بطبع ونشر بعض الكتب والجرائد كجريدتى الجريدة القومية وجريدة العلم والمريخ . كما كانت توجد في شيراز مطبعة تتولى نشر جريدة كان يصدرها طبيب ظل السلطان ، وهى مزيج من اللغتين العربية والفارسية ، ثم أصبحت تصدر باللغة الفارسية فقط سنة ١٢٨٩ ه
وكان لحرص ناصر الدين شاه على تدوين حوادث عهده الطويل أثر بارز فى ظهور مؤرخين كبار فى عهده مثل رضا قلى خان هدايت ومحمد حسن خان صنيع الدولة ، ولسان الملك سبهر ، وان كانت كتبهم مليئة بالكذب والنفاق والتملق لناصر الدين شاه وبطانته الا أنها تعطينا صورة واضحة للعهد الناصرى بكل ما فيه من خير وشر .
كانت دار الفنون التى أسسها الامير الكبير ، أكبر معهد علمى في عهد ناصر الدين شاه ، وكان من المعالم الهامة التى كان ناصر
الدين شاه يحرص على أن يزورها الضيوف الرسميون وشبه الرسميين لايران ، كما كان هو نفسه شديد الاعجاب بالدار وكثيرا ما كان يفاجئها بزيارات غير متوقعة فاذا صادف أن سأل أحد الاساتذة والطلاب سؤالا فأعجبه الرد فكثيرا ما كان يأمر لهم بجوائز وصلات طيبة ، ويذكر مؤرخو عهد ناصر الدين شاه أن طلبة قسم المساحة فى الدار قاموا مرة برسم خريطة لمدينة طهران ، وعندما رآها ناصر الدين شاه سر بها كل السرور وأمر لطلبة القسم بثلاثة آلاف تومان .
٤ - الجيش :
عندما نتحدث عن الجيش فان اسم الامير الكبير يبرز أمامنا بخطوط من نور ، فقد كان همه بالدرجة الاولى ايجاد جيش ايرانى قوى ، يقف لأطماع الطامعين فى بلاده ، لذلك فقد قام الى جانب اصلاحاته الادارية الواسعة بمنح الجيش النصيب الاوفى من اهتمامه وكان يعلم أن لا سبيل لبلاده لتحقيق ما تنشده من أمن وطمأنينة واستقرار الا بتكوين جيش قوى مهيب ، ولا يتأتى ذلك الا اذا اعتمد على الاجانب الذين اكتسبوا فى ذلك الميدان خبرات طويلة رغم أطماعهم الحادة فى ايران ، لذلك ورغم الضغوط البريطانية والروسية عن طريق سفارتى البلدين فى طهران عليه الا أنه أصر على الاستعانة بخبرات دولة أوروبية لها يد طولى فى دنيا العسكرية وليست لها أطماع فى بلاده ، على الاقل يومذاك ، ألا وهى النمسا ، فتعاقد معها على ارسال خبراء عسكريين لتولى تدريب الجيش الايرانى ، ولم يكن الامير بعد ما رآه من ألاعيب روسيا فى الشمال وغدر بريطانيا فى الغرب والجنوب ليرضى بأن يقوم الخبراء الروس
أو البريطانيون بتدريب الجيش الايرانى ، لذلك ما كاد الامير يلقى مصرعه حتى تنفست الدولتان الصعداء واستطاعت بريطانيا أن تفرض على ايران قبول خبراء ايطاليين لتدريب القوات الايرانية .
وكان من أشهر أولئك الخبراء الايطاليين الكولونيل مترانزو مدرس التكتيك الحربى والمستشار الفنى فى الشؤون العسكرية ، وبوشه ، مدرس سلاح المشاة ، وعدد آخر وقد بدأ أولئك الخبراء يدرسون في دار الفنون الى جانب قيامهم بتدريب القوات الايرانية .
الى جانب الخبراء الاجانب ، كان بعض الايرانيين قد تعلم الفنون العسكرية الحديثة اما فى مدرسة دار الفنون ، أو عن طريق البعثات التى كانت ترسل الى أوروبا فى عهد فتح علي شاه القاجارى وخلفائه وأخذ الضباط الايرانيون يساهمون فى تدريب قوات بلادهم ، وقد أمر الامير الكبير بوضع شارة الاسد والشمس الحمراء وهو الشعار الرسمى للدولة على ملابس الجنود .
وقد أعجب ناصر الدين شاه عند زيارته لروسيا بنظام الفرسان الروس المعروفين بالكازاق وزيهم العسكرى ، كما أعجبه نظام المشاة النمساويين ، فأمر بادخال هذين النظامين الى قواته العسكرية . ولتحقيق الرغبة الملكية السامية فقد قدم الى ايران في شهر محرم سنة ١٢٩٦ ه وفد عسكرى روسى برئاسة الجنرال الروسى دومانتوفيتش لتدريب بعض فرق القوات الايرانية على نظام فرقة الكازاق الروسية ، وعندما انتهت فترة انتداب دومانتوفيتش سنة ١٢٩٩ ه غادر ايران وحل محله جنرال روسى آخر في تدريب القوات الايرانية على نظام الكازاق وهو الكولونيل جاركوفسكى .
وقد وقعت ايران اتفاقية مع روسيا تقوم الاخيرة بموجبها بتدريب القوات الايرانية وقد وقع عن الجانب الايرانى الميرزا سعيد خان وزير الخارجية الايرانية ، وعن الجانب الروسى سفيرها في طهران وذلك سنة ١٢٩٩ ه - ١٨٨١ م واشتملت الاتفاقية على أحد عشر فصلا ، وكان تدريب الضباط الروس للقوات الايرانية يتم تحت اشراف وزارة الحربية الايرانية . وقد حددت المادة السابعة من الاتفاقية مهمة الكولونيل الروسى جاركوفسكى على النحو التالى :
(( يجب على الكولونيل جاركوفسكى أن يسير فى تدريب القوات الايرانية وفق التعليمات التى تصدرها له وزارة الحربية الايرانية ، ويعتبر جاركوفسكى وأعضاء بعثته العسكرية تابعين لوزارة الحربية الايرانية ، وتتعهد الوزارة المذكورة بدفع مخصصات الكولونيل بالكونيك جاركوفسكى وأعضاء بعثته )) .
أما فيما يتعلق بتدريب الخبراء النمساويين للمشاة الايرانية فقد وافق امبراطور النمسا على طلب الحكومة الايرانية ، ووصلت البعثة العسكرية النمساوية سنة ١٢٩٦ ه الى طهران ، وهى مكونة من عدد من ضباط سلاح المشاة النمساوى وهيئة فنية فى شؤون المخابرات العسكرية ، والهندسة العسكرية واختصاصى في صناعة الذخيرة والمدفعية والموسيقى العسكرية ، وكان يرأس البعثة الجنرال شينونووسكى شبنونووتيسن وظلت البعثة العسكرية النمساوية تدرب القوات الايرانية لمدة ثلاثة أعوام .
كان لقيام البعثات العسكرية الروسية والنمساوية بتدريب القوات العسكرية الايرانية وما بذلته البعثتان فى رفع مستوى الجندى الايرانى أثر طيب ، فانا نرى القوات
الايرانية فى سنة ١٢٩٩ ه تصل الى مرتبة جيدة من التدريب ، وتسير على قواعد منظمة حسب آخر التطورات العسكرية في العالم ولكن نظرا لان كلا من روسيا والنمسا كانتا تسعيان لان يكون نظامهما العسكرى هو السائد فقد أدى ذلك التنافس بين البعثتين الى تخلخل فى تدريب الجيش الايرانى ، ولم يستطع ناصر الدين شاه أن يصل بقواته الى مستوى الجيوش النمساوية من حيث اللياقة والاستعداد ، بل أكثر من ذلك فاننا نجد في ايران في حدود سنة ١٣٠٠ ه، عددا من الضباط والعسكريين من مختلف أنحاء العالم الى جانب الضباط الروس والنمساويين فقد كان هناك ضابطان المانيان هما ويت ضابط سيح المشاة وزميله فيلمر الاختصاصى في المدفعية الثقيلة . وكانا يقومان بالتدريس في مدرسة دار الفنون الى جانب اعطاء بعض التدريبات فى الجيش الايرانى .
يقول اللورد كيرزون البريطانى فى احدى تقاريره السرية التى رفعها للمسؤولين في يريطانيا :
(( كان يوجد في ايران خلال عامي ١٣٠٩ ه و ١٣١٠ الى جانب الضباط الروس عدد من الضباط النمساويين وعددهم سبعة : ستة منهم كانوا برتبة بكباشى وواحد مساعد موسيقى ينحدر من أصل فرنسى ، واحد الايطاليين ، وبلغارى ، واثنان من بروسيا، وكان هذان الاخيران يقومان بالتدريس في مدرسة الفنون )) .
ولاعطاء القارئ مزيدا من الايضاح لا بأس بذكر شئ عن الوضع العسكرى فى
ايران سنة ١٣٠٠ ه كما جاء في كتب تاريخ العصر القاجارى :
١ - الامير كامران ميرزا الملقب بالامير الكبير ونائب السلطنة ، قائدا عاما للقوات الايرانية .
٢ - نظام الملك : وزير الحربية ورئيس أركان العمليات الحربية .
٣ - معتمد السلطان الميرزا عبدالوهاب خان وكيل وزارة الحربية وأمير سرها .
٤ - الله يارخان أمير الامراء ، وقائد عام الحرس الملكى .
٥ - عدد من السكرتاريين وأمناء السر ، وطبيب واحد ، وشخص مسؤول عن الاعاشة .
٦ - عشرة من أمراء التومان ( وهو القائد الذى تكون تحت قيادته وحدة عسكرية مكونة من عشرة آلاف جندى ) ، وثلاثون ملازم أول ، وعدد من الملازمين الثانويين ، وعدد من القواد والنواب .
٧ - عدد من المستشارين والفنيين العسكريين أوروبيين وايرانيين يقومون بالتدريس فى مدرسة دار الفنون .
٨ - عدة مصانع كبيرة لصنع الاسلحة والذخيرة والمدافع الثقيلة ( ذات العيارات المختلفة )
٩ - أفواج من فرق الصاعقة .
١٠ - كان عدد القوات المسلحة الضاربة من سلاحى الفرسان والمشاة مائة وخمسين ألف جندى والاحتياطى مائة وخمسين ألف جندى كذلك .

