الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

إيران فى عهد الدولة القاجارية

Share

( الفصل السابع ) العلاقات الايرانية العثمانية

ان علاقة لايرانيين الروحية بالعتبات المقدسة ، النجف وكربلاء والكاظمية من مدن العراق حيث يرقد الائمة الثلاثة على وابنه الحسين والامام موسى الكاظم الامام السابع لدى الشيعة الامامية وموقف الحكام العثمانيين السنيين من الحجاج الايرانيين الشيعة ، كان احد أبرز الأسباب التى كانت تؤدى الى الاصطدام بين الدولة العثمانية التى كانت تتزعم وجهة النظر السنية وبين الدولة الايرانية التى كانت تعتبر نفسها مسؤولة عن المذهب الشيعى منذ أصبح التشيع مذهب الدولة الرسمى فى الدولة الصفوية في ايران . كما كان هناك سبب آخر للخلافات الايرانية العثمانية فى الحدود المشتركة بينهما . فالعشائر التى كانت تعيش على حدود الدولتين وتخضع لأوامر زعمائها الذين كانوا يوجهونها الوجهة التى تريدها القوى المتصارعة فى المنطقة كانت

أيضا من الاسباب الرئيسية التى كانت تؤدى إلى نشوب الخلافات بين العثمانيين والايرانيين .

ولكن مسألة الحدود الايرانية المشتركة تكان تكون السبب الاول المباشر لبروز الفتن والحروب بين الدولتين ، فمنذ الحروب المذهبية التى نشأت من اعتبار الصفويين التشيع مذهبا رسميا لايران ، وبالتالي مقاومة نفوذ العثمانيين السنى ، الى عهد نادر شاه الافشارى ظلت مشاكل الحدود معلقة دون حل ، لما كانت الدولتان تواجهان مشاكل مستعصية فى نواحى العراق وخاصة في منطقة السليمانية حيث موطن عشائر الاكراد المعروفة بالبابان . فقد كان حكام كل من مدينتى السليمانية وشهرزور يعينون فى مناصبهم من قبل الباشا التركى فى بغداد بعد أخذ موافقة السلطات الايرانية وذلك بناء على اتفاقية عقدت بين ايران والدولة العثمانية تنص على ذلك التوافق ، وكثيرا ما كان يؤدى تعيين أولئك الحكام الى وقوع خلافات حادة في وجهات النظر بين باشا بغداد والسلطات الايرانية في غرب ايران . وقد أدى انغماس العثمانيين فى ذلك الوقت في الشهوات واللهو الذي كانت تزخر به قصورهم الى ان اصبحوا لعوبة في يد قواد الانكشارية ( بنى جرى ) وكبار الباشاوات الذين بدأوا يحكمون الولايات العثمانية ويتصرفون فى مصيرها كاقطاع خاص بهم دون الرجوع الى الباب العالى ، لذلك لم تستطع الحكومة العثمانية أن تكون ذات أثر فعال وحاسم فى حل الخلافات بين جارتها الكبرى ايران وباشاواتها فى بغداد . ويغلب على الظن

ان الباب العالي كان يشجع ويؤجج نار تلك الخلافات حتى يصرف حكام ايران عن اطماعهم فى الشمال الغربى حيث الحدود المشتركة بين ايران والامبراطورية العثمانية

لقد كان النفاق والانتهازية لبث المشاكل امام احدهما الآخر ، هو ابرز مظاهر العلاقات العثمانية الايرانية عبر الادوار التاريخية التى تجاورت فيها الأمتان جغرافيا ، وافترقت مذهبا ونحلة . فقد دأبت الامبراطورية العثمانية في سياستها مع ايران على تحريض جندها المقيمين على الحدود الايرانية على النهب والسلب والغارة فى أوقات السلم ، ولكن ما تكاد الظروف تجبر العثمانيين على الدخول فى حرب ما ، أو عندما تلحق بها القوات الايرانية هزيمة على الحدود حتى تسارع الى اتباع سياسة التقرب الى ايران وتعقد معها معاهدات صداقة وحسن جوار تؤمن بها ظهرها الى أن تفرغ من مشاكلها الأخرى ، كما حدث فى الحروب الروسية العثمانية فى البلقان والحروب العثمانية المصرية في الشام بقيادة محمد على باشا الارنؤوطى . فما كادت هذه الحروب تجبر العثمانيين على استدعاء جندها من الحدود التركية الايرانية حتى سارع الباب العالى الى ارسال السفراء والهدايا الى البلاط القاجارى خاطبا ود ايران ، وسرعان ماقابل رجال السياسة الايرانيين هؤلاء السفراء العثمانيين بالبشاشة والترحيب ناسين كل ما سببته وتسببه لهم الدولة العثمانية من مآزق ، أما حكام بغداد من الباشاوات فانهم لم يتوقفوا لحظة عن ممارسة مسلك العنف والاهانة والتحقير والازدراء مع الحجاج الايرانيين الذين كانوا يأتون الى

العتبات المقدسة فى العراق على مدار السنة (( ١ ))

لقد كانت سياسة الامبراطورية العثمانية التوسعية والخلافات المذهبية بينها وبين ايران تلك الخلافات التى كان علماء الدين فى الدولتين يعملون بكل أسف على تعميقها بما يقومون به من الدعاية والتبليغ واثارة العامة من السنة والشيعة ضد بعضهما . واستغلال الدول الاستعمارية التى نزلت بكل ثقلها الى الميدان لذلك الخلاف المذهبى لضرب كل من مسلمى ايران والدولة العثمانية ببعض لتكون هي الرابحة أخيرا ، كل هذه الامور مجتمعة تمثل لب وسر الصراع والحروب والفتن بين ايران والعثمانيين عند دراسة العلاقات الايرانية العثمانية .

النزاع بين ايران وباشاوات بغداد على حكم السليمانية

قام ابراهيم باشا التركى حاكم شهر زور ببناء قلعة حربية حصينة فى غرب مدينة السليمانية ثم جلب بعض عشائر الاكراد والمعروفين بالبابان وطلب منهم الاستيطان حول تلك القلعة ليتخذ منهم جندا للدفاع عن السليمانية وقت الحاجة . وقد آلت قلعة السليمانية وكل القرى المجاورة للسليمانية الى ايران بموجب المعاهدة المعقودة بين الدولة العثمانية ونادر شاه الافشارى سنة ١١٥٩ ه وقد آلت السلطة

في مدينة شهر زور بعد وفاة الوالى ابراهيم باشا الى أخيه عبد الرحمن ، ولكن على باشا والى بغداد عارض في ان يكون عبد الرحمن حاكما للمدينة ، واستطاع على باشا سنة ١٢٢٠ ان يرغم عبد الرحمن على الخروج من مدينة شهر زور . فتوجه عبد الرحمن الى سنندج مركز كردستان وطلب من واليها الايرانى ( امان الله خان أردلان ) مساعدته فى استرداد شهر زور من والى بغداد . فكتب والى كردستان الى فتح على شاه القاجاري يطلعه على الأمر ، فطلب العامل الايرانى من أمان الله خان والى كردستان أن يعين عبد الرحمن فى استرداد شهر زور من والى بغداد . وقبل أن تصل اوامر الشاه الى والى كردستان جاء احمد جلبى الى مدينة سلطانية مبعوثا من قبل باشا بغداد ليعترض على تدخل ايران فى قضية شهر زور ، فبعث فتح على شاه القاجارى ، حامل أختام بلاطه الى بغداد يرافقه أحمد جلبى مبعوث باشا بغداد ، وطلب فتح على شاه القاجارى من حامل الأختام التفاوض مع باشا بغداد ودراسة مدى امكان اعادة عبد الرحمن باشا الى شهر زور . ولكن باشا بغداد لم يعر رسول على شاه القاجارى أى اهتمام ، بل سارع الى تعيين خالد باشا حاكما لشهر زور من قبله . فوجه فتح على شاه القاجارى عبد الرحمن باشا والى شهر زور المخلوع الذى كان قد تشرف بمقابلته فى طهران الى كردستان وطلب الى الوالي الايرانى فى كردستان ( امان الله خان اردلان ) أن يعيد عبد الرحمن باشا الى شهر زور بقوة السلاح ، فتوجه أمان الله خان وعبد الرحمن الى شهر زور وأجبرا حاكمها التركى خالد باشا على مغادرتها . وهكذا بدأت الحرب بين ايران وباشاوات بغداد وأخذ كل جانب

يستعد للقضاء على نفوذ الآخر في المنطقة ، واستمرت الحرب بين الطرفين فترة طويلة منيت القوات الايرانية خلالها بخسائر فادحة ، لا لأن باشاوات بغداد كانوا اقوى عدة ، واكثر عددا بل لأن ايران كانت مشغولة بمقاومة النفوذ الروسى المتزايد والأكثر خطرا فى حدودها الشمالية .

حرب مربوان سنة ١٢٢١ ه :

أرسل فتح على شاه القاجارى ابنه الثانى محمد على ميرزا الملقب بدولت شاه على رأس قوة عسكرية للمحافظة على الحدود الغربية لايران من تحرشات العثمانيين ولاخماد الفتن والثورات والقلاقل التى كان يثيرها زعماء العشائر بتحريض من باشاوات بغداد ، وجعل تحت امرة ابنه محمد على ميرزا نخبة من القادة العسكريين المشهود لهم بالخبرة والدراية الحربية من أمثال ابراهيم خان دولو القاجارى ومحمد على خان شامبياتى ، وعين فتح على شاه القاجارى ابنه محمد على ميرزا حاكما عاما للولايات الغربية الممتدة من آذربيجان الى حدود البصرة ، وفى جمادى الاولى سنة ١٢٢١ ه اتجه محمد على ميرزا إلى كرمانشاهان عبر طريق قزوين - همدان . وعندما وصل الى همدان جاءته الأخبار بتحرك على باشا حاكم بغداد الى مدينة زهاب القريبة من كرمانشاهان على رأس قوة عسكرية كبيرة قوامها ثلاثون ألف جندى ، كما علم محمد على ميرزا بأن القائد التركى سليمان باشا كهيا ابن اخت حاكم بغداد قد تحرك الى مدينة شهر زور على رأس قوة عسكرية قوامها خمسة عشر ألف جندى من الأعراب وأهل كرجستان وانه استطاع التغلب على عبد الرحمن باشا حاكم المدينة الذي أعادته ايران الى الحكم ، وان

عبد الرحمن باشا قد فر الى مدينة سنندج . أخذت قوات على باشا التركى تواصل زحفها الى ان وصلت بالقرب من مكان يدعى ( باطارق ) وعندما علم على باشا بأن قوة ايرانية بقيادة نوروزخان ميربار قد تحركت من مركز القيادة الايرانية في آذربيجان متجهة الى كردستان تقدم الحاكم التركى الى حوالى نهر ( كاما سآب ) ليمنع القوات الايرانية من الوصول الى شهر زور .

وعندما وصل القائد الايرانى نوروزخان ميربار الى معسكر الامير محمد على ميرزا فى كرمانشاهان طلب اليه محمد على ميرزا أن يتجه الى المناطق الواقعة بين مندليج واليعقوبية على رأس قوة من رجال عشائر مدانلو ، وجهان بيكلو ، وان يستولى على تلك المناطق ويجبر القوات التركية على الانسحاب الى الغرب .

تلاقى الجيشان : الايرانى ، بقياد . نوروزخان ميربار والتركى ، بقيادة فتاح باشا عند مشارف مدينة زهاب واستطاع الجيش الايرانى ان ينزل بالقوات التركية هزيمة ساحقة وفر فتح باشا القائد التركى ، وانضم من نجا من جنده الى قوات على باب  حاكم بغداد الذي كان يعسكر عند نهر ( سيروان ) .

عندما استعد الامير محمد على ميرزا لمنازلة باشا بغداد طلب من ابيه فتح على شاه القاجارى أن يمده بقوات أخرى ، فأرسل اليه فتح على شاه مدددا بقيادة ثلاثة من كبار القادة العسكريين الايرانيين . وعندما علم على باشا باستعداد الامير محمد على ميرزا لمحاربته نقل قواته الى صحراء مربوان . وهناك التقى الجيشان .

كانت قيادة الجناح الأيسر الايرانى للقائد صفى يار خان كردبجة وكان الجناح الايمن لايران يتكون من عشائر الاكراد والأردلان ، وكان أمان الله بارخان اردلان والى كردستان ، وخرج الله خان الافشارى يتوليان قيادة القلب .

اما الجيش التركى فكان يقوده الى جانب على باشا حاكم بغداد وسليمان باشا كهيا ابن اخت على باشا ، وخالد باشا حاكم شهر زور السابق الذي خلعته ايران ، وسليمان باشا والى كركوك وقد اشترك أعراب البادية العراقية مع القوات العثمانية فى هذه المعركة وعندما نشبت المعركة انقض الجناح الايرانى الأيسر فأنزل هزيمة بالقوات التركية التى كان يقودها سليمان باشاكهيا ، وحاول سليمان باشا وقد انكسر جيشه أن ينضم الى الجناح العثمانى الأيسر ولكن شجاعة صفى خان كرديجه القائد الايرانى أحبطت محاولته ، فوقع أسيرا فى يد القوات الايرانية . وهكذا استطاعت القوات الايرانية أن تنتصر على الجيش التركى ، وبلغ عدد القتلى من الجانب التركى ثلاثة آلاف قتيل ولاذ الباقون بالفرار .

بعد تلك الهزيمة التى حلت بالقوات التركية فى صحراء مريوان أرسل والى بغداد على باشا ، الشيخ محمد جعفر الحساوى الى معسكر الأمير محمد على ميرزا ليشفع للأسرى الأتراك ، فأطلق محمد على ميرزا سراح أربعة آلاف أسير تركى ، ألا ان

الأمير امر بإرسال القائد التركى سليمان باشا كهيا ابن اخت والى بغداد الى طهران أسيرا . ثم سافر الشيخ محمد جعفر الحساوى الى طهران وطلب من فتح على شاه القاجارى العفو عن سليمان باشا كهيا فعفا عنه ، وعينه واليا لما بين النهرين ، وأعاد فتح على شاه القاجاري عبد الرحمن باشا حاكما لمدينة شهر زور ، وبعث ميرزا صادق خان الى البلاط العثمانى فى اسطنبول للتفاوض مع السلطات العثمانية حول المشاكل المعلقة بين ايران وتركيا بشأن الحدود .

فى سنة ١٢٢٢ ه توفى على باشا والى بغداد وخلفه ابن اخته سليمان باشا كهيا الذى كانت ايران قد عينته واليا لما بين النهرين ، وتوفى فى ذلك العام ايضا السلطان سليم خان الثالث وخلفه السلطان مصطفى خان الرابع على العرش سنة ١٢٢٢ - ١٢٢٣ ه ووافق مصطفى الرابع على تولية سليمان باشا حاكما فى بغداد .

عندما علم فتح شاه القاجارى بجلوس السلطان مصطفى خان الرابع على عرش العثمانيين بعث شيخ الاسلام فى مدينة خوى : الشيخ ابراهيم الى اسطنبول لتهنئة السلطان الجديد باعتلاء العرش ، وبدت الخلافات الايرانية العثمانية كأنما قد زالت وتوطدت العلاقات بين الجانبين الى حين .

- يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية