إيران فى عهد الدولة القاجارية

Share

(( الفترة الثانية من حكم القاجاريين )) محمد شاه وناصر الدين شاه : ١٢٥٠-١٣١٣ ه

فى هذه الفترة من حكم القاجاريين بدأت تظهر النتائج السيئة للمعاهدات التى حملتها الامة الايرانية وتؤتى ثمرها المر ، وخاصة معاهدنى كلستان وتركمان جاى المعقودتين بين روسيا وايران . كما بدأت آثار الحروب الطويلة التى استغرقت طوال عهد فتح على شاه القاجارى والتى خاضتها ايران مع الدول الاجنبية تظهر بوضوح وتلقى بظلالها القائمة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فى ايران . وفى هذه الفترة أيضا التى امتدت من سنة ١٢٥٠-١٣١٣ ه بدأت الدول الاوروبية التى شرعت في الدخول فى المعترك السياسى العالمى تنتزع من ايران امتيازات كتلك التى انتزعتها من قبل روسيا وبريطانيا ، ووصل النفوذ والتسلط الاوروبى فى ايران الى اقصى مداه ، مما ادى الى اصابة الحياة فى جميع مجالاتها فى الصميم ، كما بدأت العادات والتقاليد والمثل الاوروبية الصالحة والطالحة تهيمن

على الناس فى ايران كما هى العادة فى تقليد المغلوب للغالب كما يقول عبدالرحمن ابن خلدون في نظرياته الاجتماعية . ولكن يبدو أن تلك الاوضاع التى سادت ايران رغم ما فيها من سوء فقد اتاحت للامة الايرانية في أواخر العهد القاجارى ان تتمتع بحرية سياسية واسعة وخاصة بعد تأسيس البرلمان الايرانى .

حكم محمد شاه الثاني الملقب بالغازى ( ١٢٥٠-١٢٦٤ ه )

توفى فتح على شاه القاجارى فى التاسع عشر من جمادى الثانية سنة ١٢٥٠ ه فى مدينة اصفهان ونقل جثمانه الى مدينة قــــــــــم :

حيث دفن فى مقبرة كان قد او اوصى ببنائها قبل وفاته بعام واحد . وما كاد خبر وفاته يشيع حتى قام الادعياء والطالبون بالتاج القاجارى فى جميع انحاء ايران يطالبون بالعرش كما هى الحال دائما فى تلك الحقبة التاريخية ، فما يكاد يموت ملك من الاسرة القاجارية حتى تطل الفتن برأسها من كل جانب الى أن يقبض الله لايران من يحكمها ويقضى على الفتن فيها . وهذا ما واجهه فتح على شاه نفسه يوم مات سلفه محمد آغا خان القاجارى ، وها هو محمد شاه الثاني ابن عباس ميرزا ( ١ ) يواجه اليوم نفس المشاكل . ففى مدينة طهران ظهر الامير عليشاه الملقب بظل السلطان عاشر ابناء فتح على شاه القاجارى واعلن العصيان . كما ظهر حسين على ميرزا فرمان فرما فى جنوب ايران وأعانه اخوه حسن على ميرزا الملقب بشجاع السلطنة على انتزاع فارس من سلطة الحكومة المركزية . وظل باقى الامراء القاجاريين ينتظرون ما تجىء به الايام قبل أن يعلنوا ولاءهم لولى العهد الشرعى محمد شاه أو مقاومتهم لسلطانه . وهكذا ظلت ايران بعد موت فتح على شاه تعيش فى هرج ومرج وخاصة فى الولايات الوسطى والجنوبية ، الى ان استطاع محمد شاه الغازى بمعاونة الميرزا ابو القاسم القائم مقام أن يعيد الامور الى نصابها .

على شاه يحكم ايران تسعين يوما :

عندما توفى فتح على شاه فى أصفهان كان ابنه على شاه الملقب بظل السلطان حاكما للعاصمة طهران ، وعندما بلغه نص والده فى اصفهان طمع فى أن تؤول اليه مقاليد الامور بعده فكتب الى الامراء والحكام فى

مختلف الولايات معلنا جلوسه على العرش القاجارى طالبا منهم اخذ البيعة له . واطلق على نفسه على شاه . وعادل شاه وظل فى الحكم تسعين يوما اعتقد خلالها ان الجميع قد رضيه ملكا عليهم .

وأخذ ظل السلطان يبعثر الاموال يمنة ويسرة ويجمع حوله المشايعين والانصار وانضم اليه اخوه على تقى ميرزا الملبب بركن الدولة والذى كان قائدا عاما لجيوش ابيه فتح على شاه فى اصفهان ، فقد أيد ركن الدولة اخاه ظل السلطان وضمن له ولاء القوات الايرانية المسلحة التى كانت تحت قيادته كما أعطاه الشارات الملكية التى كانت فى حوزة والدهما فتح على شاه ومن بينها قطعة من الالماس تزن حوالى اربعين غراما وتسمى ( بحر النور ) وكتب ركن الدولة الى الولايات الايرانية يطلب تأييد أخيه ظل السلطان .

بعد ايام من جلوس ظل السلطان على العرش اختار احد رجال حاشيته المقربين ويدعى محمد جعفر خان الكاشى لتولى شؤون الوزارة ، وبعث اخاه ظل السلطان الى محمد ميرزا ولى العهد الشرعى للبلاد يدعوه لقبول حكم ظل السلطان ويعده بأن يكون له العرش بعده ، ومناه باقراره قائدا عاما للقوات الايرانية فى اذربيجان ، ذلك المنصب الذى ورثه محمد ميرزا من أبيه عباس ميرزا .

أراد محمد ميرزا ، أن يؤدب ظل السلطان على وقاحته وتجاهله له كولى شرعى للعهد من قبل جده فتح على شاه فطلب من وزيره الداهية الميرزا ابو القاسم قائم مقام الفراهانى ، ذلك الوزير المدبر الذي يعود اليه الفضل فى وصول محمد ميرزا الى

الحكم ، طلب محمد ميرزا من وزيره الفراهانى أن يدبر طريقة يرغم بها ظل السلطان على التنازل عن الحكم . وكان من حسن حظ محمد ميرزا ان الدولتين الكبيرتين المهيمنتين على مجرى السياسة فى ايران : روسيا وبريطانيا كانتا تميلان اليه . فما كاد يعلن وليا للعهد سنة ١٢٤٩ ه بعد وفاة ابيه عباس ميرزا حتى سارع السفير الروسى فى طهران بالسفر الى تبريز لتهنئته على ولاية العهد كذلك سارع السفير البريطانى فى ايران يرافقه عدد من كبار الضباط البريطانيين الذين كانوا يدربون القوات الايرانية التى انتقلت قيادتها العامة الى محمد ميرزا بعد وفاة أبيه عباس ميرزا سارع السفير بالسفر الى تبريز لتقديم تهنئة حكومته لمحمد ميرزا بولاية العهد .

أراد ميرزا ابو القاسم القائم مقام قبل التوجه لمنازلة ظل السلطان ان يقضى أولا على العناصر التى يمكن ان تسبب لسيده محمد ميرزا بعض المشاكل فى المستقبل لذلك قبض على اثنين من اخوة سيده هما جهانكير ميرزا ، و خسرو ميرزا وسجنهما فى تبريز ، وبذلك تخلص من منافسين خطيرين لسيده ثم ارسل مجموعة من القوات المسلحة بقيادة ضابط بريطانى يدعى ( راولينسون ) الى طهران وترك بعض القوات في تبريز لحماية محمد ميرزا .

التقت القوات التى ارسلها القائم مقام الى طهران مع قوات ظل السلطان التى كانت فى طريقها لتسخير اذربيجان وكان على رأس قوات ظل السلطان امام وردى ميرزا ايلخانى أحد أخوة ظل السلطان ، التقى الجيشان بالقرب من مكان يسمى ( سياه

دهن ) على بعد اربعين كيلا قرب مدينة قزوين وكانت قوات ظل السلطان تتألف من خمسة عشر الف جندى ، ونشبت بين الجيشين معركة طاحنة ، ولكن ما لبث اكثر جند السلطان ان انحازوا الى معسكر القائم مقام ، وبذلك ضعف أمل السلطان فى تسخير اذربيجان ، فشرع يعتذر الى محمد ميرزا ويطلب منه الصفح لما بدر منه من حماقات .

فى أوائل شهر رمضان سنة ١٢٥٠ دخل محمد ميرزا ووزيره القائم مقام الى مدينة طهران . وفي معيتهم رجال البلاط ورجال السلك السياسى وعلى رأسهم سفيرا روسيا وبريطانيا . وفى الرابع عشر من رمضان توج محمد شاه الغازى ملكا على ايران ، وبذلك انتهت حكومة ظل السلطان التى استمرت تسعين يوما .

القضاء على بقية الادعياء :

كان من أكثر الامراء القاجاريين عنادا ومشاكسة لمحمد شاه بعد جلوسه على العرش حسين على ميرزا حاكم فارس وأخوه حسن على ميرزا الملقب بشجاع السلطنة حاكم كرمان ، فقد أصر الاخوان على مناوأة العهد الجديد بكل ما أوتيا من قوة .

كانت سياسة القائم مقام الذى كلف بالقضاء على مناوئى السلطان محمد شاه تقوم على الحيلولة دون نشوب حرب اهلية بين أفراد الاسرة القاجارية ، لذلك كان يسعى دائما الى ايقاع المناوئين فى شراك حيلة ثم يقبض عليهم في هدوء دونما اثارة أية ضجة .

ولكن يبدو أن حاكم فارس واخاه حاكم كرمان لم تنطل عليهما حيل القائم مقام لذلك اضطر محمد شاه الى ان يبعث اليهما الاميران فيروز ميرزا ومنوجهر خان الملقب بمعتمد الدولة والضابط البريطانى ليندس على رأس قوة عسكرية قوامها خمسة آلاف مقاتل وكمية وافرة من الذخيرة . عند ذلك فقط رضخ الاخوان لاوامر طهران ، وألقيا سلاح المقاومة حيث اقتيدا الى طهران فأمر محمد شاه بأن تشمل عبنا شجاع السلطنة ويسجن .

لقد كانت سياسة القائمقام فى القضاء على مثيرى الشغب ذات اثر حاسم فى استئصال أعداء سيده محمد شاه ، وقد كافأه محمد شاه بعد أن استقر له الامر بأن عينه صدرا اغتنم لايران واطلق  فى شؤون الدولة يصرفها بخبرته ودهائه ومقدرته الفائقة حينا وبالاستبداد فى أغلب الاحيان .

من هو القائم مقام ؟ :

كان الميرزا ابو القاسم القائم مقام الفراهانى أحد رجال حاشية الامير عباس ميرزا بن فتح على شاه القاجارى ، وقد قدم الفراهانى خدمات جليلة لعباس ميرزا ، ولعب دورا بارزا وخطيرا فى الاحداث السياسية الايرانية فى عهد فتح على شاه القاجارى ، وكان الى جانب كونه من أقطاب السياسة الايرانية آنذاك ، أديبا وعالما واداريا من الطراز الاول وقد رأينا كيف سعى فى توطيد أركان حكم محمد شاه الغازى الذى كان يعتبره مربيا له ، وكيف قضى على منافسى سيده الخطيرين فى الولايات . كما رأينا كيف كافأه محمد شاه بان عينه رئيسا للوزراء .

كان القائم مقام بعد وصوله الى القدرة فى الدولة القاجارية يتصف بالاستبداد والانانية . ولم يكتف بأن أصبح يصرف كل مهام الدولة القاجارية كما يشاء بل كثيرا ما كان يعارض الشاه فى بعض الامور بل كثيرا ما كان يدس انفه فى حياة محمد شاه الشخصية فيما يتعلق بأمور الحرم الخاص بالعاهل الايرانى وحياته الداخلية مما يحرص الملوك عادة على أن لا يطلع عليها أى انسان .

أن امثال القائم مقام الفراهانى عرضة فى كل زمان للحسد ، فاذا عرفنا أن اطلاع القائم مقام على سياسة الدولة وتصريفه للامور ، ومعرفته بحالة محمد شاه النفسية ومزاجه العليل كل هذا قد هيأ في التسلط على جميع الامور من حرم السلطان صعدا الى ميدان القتال ادركنا كيف كان يحاول حساده والحاقدون عليه - وما أكثرهم - الدس له فى جو الحريم والخصيان والمماليك والمؤامرات حيث تبيض الجرائم وتفرخ .

لقد وشى به الواشون عند سيده محمد شاه بأنه يحاول بعد أن صار له الامر والنهى فى شؤون البلاد أن يزيل محمد شاه من العرش ، وأخذ الوشاة يستدلون على سوء طوية القائم مقام بمواقفه من الاوامر السلطانية فى بعض الاحيان ورفضه لها أو تجاهلها ، وكان القائم مقام كما ذكرنا من قبل كثير التدخل حتى فى شؤون حريم الشاه ، من ذلك انه اصدر أوامره ذات يوم بتغيير الحرس المكلف بحراسة جناح الحريم عندما بلغه أن ثمة خطرا يتهدد سيده من بعض أفراد الحرس ، ولكن أعداءه اتخذوها حجة للتدليل على مدى استبداد القائم مقام حتى فيما يتعلق بشرف

الشاه . وقالوا أنه يكاتب ظل السلطان سرا ليعيده الى العرش ، وانه يعمل على قلب نظام الحكم ، وكلنا يعلم أن للصبر البشرى ولو كان ذلك البشر ملكا حدودا ، لذلك فقد آتت تلك السعايات المتكررة بالقائم مقام ثمارها المرة ، وخاصة عندما قيل للشاه : انه يحاول قلب نظام الحكم واعادة ظل السلطان الى العرش ، عندئذ قرر محمد شاه القضاء على وزيره ومربيه ، وفى السابع والعشرين من شهر صفر سنة ١٢٥١ ه استدعى محمد شاه القائم مقام الى قصر نكارستان حيث اعتاد الشاه أن يمضى بعض ايام الصيف قبل الذهاب الى المصيف .

كان محمد شاه الغازى قد رتب أمر قتل القائم مقام مع جلاديه ، وعندما حضر القائم مقام الى القصر أمر الشاه جلاديه أن ينزعوا منه القلم والاوراق وهما علامة الوزارة يومذاك كما أمرهم أن لا يسمحوا له بكتابة شئ الية فالأمر لا استئناف فيه .

جا . القائم مقام الى قصر نكارستان تحف به حاشيته الكبيرة ، ولكن الخدم حالوا بين حاشيته وبين أن يصحبوه الى الداخل وساروا به الى داخل القصر واجلسوه هناك انتظارا لاوامر الشاه ، ثم . . حانت منية الوزير الجليل . فقد دخل عليه رئيس الجلادين اسماعيل خان قراجه داغ واخبره ان السلطان قد حكم عليه بالموت ، ولم يمهل الجلاد الوزير الاعظم حتى لابداء دهشته فقد قبض على عنقه ولم يتركه الا وهو جثة هامدة .

لم يكتف محمد شاه الغازى بالقضاء على القائم مقام بل أمر بقتل جميع ابنائه واقربائه ومؤيديه فى العاصمة وخارجها . ومن نجا منهم من القتل مات سجينا ، وهكذا

كرر محمد شاه الغازي المأساة التى اقترفها جده فتح على شاه حينما امر بقتل رئيس وزرائه الحاج ابراهيم الملقب باعتماد الدولة وجميع ذويه ومؤيديه .

بعد الخلاص من ابى القاسم القائم مقام الفراهانى محمد شاه الغازى امور الوزارة الى الحاج ميرزا اقاسى الذى كان مربيا للشاه فى عهد الطفولة ، ولما كان الحاج ميرزا آقاسى من صنائع بريطانيا وعملائها فقد شكل وزارة تميز اعضاؤها بولائهم للسفارة البريطانية فى طهران ، وقد شكل الحاج ميرزا آقاسى وزارته على النحو الآتى :

١ - الميرزا آقاخان نورى وزير الحربية . ٢ - الميرزا نصرالله الاردبيلى وزر اللعمل . ٣ - الميرزا حسن خان الآشتيانى وزيرا للبلاط .

يقول المؤرخ الايرانى رضا قلى خان هدايت الذي كان معاصرا لرئيس الوزراء الحاج ميرزا آقاسى عند الحديث عنه في كتابه التاريخى ( روضة الصفاى ناصرى ) .  قضى الحاج ميرزا آقاسى فترة من حياته فى مدارج الصوفية ، وكان على اطلاع لا بأس به فى العلوم المتداولة فى عصره . وقد أمضى زمنا يسلك مسلك الفقراء من الصوفية فى اللباس والهيئة ، كما قام ببعض الرحلات خارج ايران فحج الى مكة المكرمة ، ونظرا لان محمد شاه كان يميل الى اهل التصوف فقد اصبح من مريدى الحاج ميرزا آقاسى وحسن ظنه به خاصة بعد أن تنبأ الآقاسى لمحمد شاء بالجلوس على عرش ايران . وقد وعد محمد شاه الحاج ميرزا آقاسى بتعيينه فى احد المراكز

المهمة عندما تصدق فراسته ، ويجلس على عرش ايران ) .

ويستفاد من المصادر التاريخية الايرانية الاخرى أن الحاج ميرزا آقاسى كان واحدا من اولئك المشعوذين الذين يحاولون الوصول الى قلوب السذج عن طريق التفرس لهم بما يسرهم فقد تفرس لاكثر من واحد من أمراء البيت القاجارى بالوصول الى العرش ، وأخذ من كل واحد منهم وعدا بمنحه منصبا فى الدولة كذلك الذى أخذه من محمد شاه الغازى ، كان الاقاسى رجلا في منتهى الذكاء والخبث فالمفروض أن أحد هؤلاء الامراء القاجاريين سوف يجلس على عرش ايران حتى لو لم يتنبأ لهم الاقاسى وبذلك يصبح هو وزيرا على حساب سذاجة وبلاهة القاجاريين .

لقد كانت علاقة محمد شاه الغازى بالحاج ميرزا آقاسى علاقة المريد بالمراد فى عرف الصوفية فلم يكن محمد شاه ينظر الى الاقاسى نظرة الملك الى احد خدمه او نظرة المتبوع الى تابعه فقد كان يكتب اليه فى بعض الرسائل بعبارات تنم عن مدى ما يكنه التلميذه لشيخه . مثل : جناب الحاج سلمه الله تعالى ، أو : جعلت فداك روحى لك الفداء ، ايتها الروح الطاهرة . وقد كتب محمد شاه الى الحاج ميرزا آقاسى فى احدى الرسائل العبارة الآتية : (( الرأي ما ترون ، والحكم ما به تأمرون )) .

يقول العلامة الايرانى المرحوم عباس اقبال آشتيانى فى كتابه (( ميرزا تقى تقى خان امير كبير )) عند الحديث عن الحاج ميرزا آقاسى :

(( كان الحاج ميرزا آقاسى طوال الثلاثه عشر عاما التى ظل فيها متربعا على كرسى

رئاسة الوزراء هو الحاكم الفعلى والآمر الناهى فى ايران . فالملك محمد شاه الغازى لم يكن يرفض له طلبا فحسب بل كان لا يسمع لاقوال الواشين به عنده ، رغم الاخطاء السياسية التى كان يرتكبها بحكم جهله بأمور السياسة ، لان الحكم شئ والدروشة شئ آخر . بل اكثر من ذلك فقد كان محمد شاه يقوم بتعذيب ونفى الاشخاص الذين كانوا يشككون فى كفاءة وزيره الحاج وربما قتلهم . ولقد بلغ مدى اعتقاد محمد شاه فى معجزات شيخه الحاج ميرزا آقاسى ان كان يقول لخاصته : ان الحاج لا يريد ان يشفى الروماتيزم الذى احسه فى قدمى ، لانه يريدنى ان اتحمل وأصبر على آلام الحياة الدنيا فى سبيل الجزاء الاوفر والابقى عند الله فى الآخرة ، ولو أراد الشيخ لقدمى ان تطيب لفعل .

ويبدو أن الحاج ميرزا آقاسي كان يبادل محمد شاه شعور الولاء الصوفى فكان يكتب اليه مثل هذه العبارات : (( قسما برب الناس خالق الافلاك والارض والسماء ، الذي جعل الشمس نورا والقمر ضياء انى لخادم مخلص وصادق فى خدماتى لولى الله محمد شاه . ))

وكان يرى ان الروابط الروحية التى كانت تربطه بمريده محمد شاه تخول له حق التدخل والتصرف فى الدولة وليس لاحد حق انتقاده او توجيه اللوم له . فقد جاء فى احدى رسائله الى محمد شاه ما يلى :

(( مع انى لا ادعى العلم فى الشؤون العسكرية ، الا انى اعتقد ان الماهى بتلك الشؤون خير من احاطة اكثر العسكريين

بها ، ولى على الملك حقوق كثيرة تخولنى ان ابدى رايى فى هذه المسائل ومن تلك الحقوق التى لى على الملك ، حق الاستاذية وحق الخدمة وحق ظاهر وحق باطن ، وحق اخلاصى للدولة .

لقد تركت هذه الشخصية الارجوازية أسوأ الاثر فى نفوس كل الذين عرفوها فى دست الحكم فى ايران من السفراء والساسة الذين كانوا يترددون على البلاط القاجارى واجمعوا على أن شخصية الحاج ميرزا آقاسى اهزل شخصية يمكن أن يقابلها الانسان فى تاريخ الحكام .

كتب الكونت دى سرس السفير الفرنسى لدى ايران حول شخصية الاقاسى قائلا :

(( ان انحطاط ايران وعدم الكفاية فيها يمكن ان يلخص هذا العجوز المسخرة حاج ميرا آقاسى . ))

كما كتب الامير اليكسيس سولتيكوف الكاتب والرسام الروسى الذى زار ايران فى عهد محمد شاه وقام برسم كثير من رجال البلاط والامراء القاجاريين ومن بينهم الحاج ميرزا آقاسى كتب عن انطباعاته عن هذه الشخصية البهلوانية فى كتابه ( سياحتى فى ايران ) يقول :

(( بعد وصولى الى طهران بأيام قابلت الحاج ميرزا آقاسى رئيس الوزراء الايرانى وقد تمت المقابلة على النحو الآتى :

قادنى خدمه فى طرق ملتوية رطبة مظلمة وسراديب لا حصر لها ، ثم ادخلونى الى حجرة متواضعة لاجد الوزير الأعظم فى انتظارى ، لقد كان شيخا مسنا وعلى جانب كبير من الدمامة ، يرتدى ملابس فاخرة ،

وكان يبدو عبوسا أو بما هكذا خيل الي . وقبل أن أمد يدى اليه سألنى فى نبرة مستهزئة كيف حال انفك اليوم ؟ وكان يبدو لى كمن لا يكترث كثيرا للامر الذى جئت لمقابلته من اجله ( لم يذكر الرسام الروسى شيئا عن الامر الذى قابل الوزير من اجله ، وربما كان يريد رسمه ) وقبل أن أجد العبارات المناسبة لتحية الوزير الاعظم بدأ يسألنى عما اذا كنت اعرف شيئا عن أحسن الطرق لصناعة المدافع الحربية الثقيلة .

لقد كانت رغبة الحاج ميرزا آقاسى فى الحصول على مدافع ثقيلة احدى علامات النحس التى كانت تلازمه ، ومع ان مصانع الذخيرة الايرانية لم يكن فيها اكثر من ثلاثة مدافع قديمة وغير صالحة للاستعمال ، الا أن نفاق وكذب الوزراء الايرانيين وعلى رأسهم الحاج ميرزا آقاسى كان يصور لمحمد شاه ان لدى ايران من السلاح ما تستطيع به أن تغزو الدنيا . وقد بلغت الوقاحة والتملق بسفير ايران لدى بريطانيا ان كتب لمحمد شاه بعد أن زار مصانع الاسلحة البريطانية الشهيرة فى لندن ان ما تملكه ايران من الاسلحة يفوق كثيرا ما تنتجه تلك المصانع البريطانية لقد كان رئيس الوزراء الحاج ميرزا آقاسى مهتما بمصانع الاسلحة الايرانية اهتماما يوحى للمرء بان الوزير يود ان يدفن فى مصنع للذخيرة .

ينحدر الحاج ميرزا آقاسى من اصل تتارى ، وكان غير تعيينه رئيسا للوزراء يتولى الاشراف قبل شؤون محمد ميرزا المالية . ومع ان الحاج يعتبر من مشايخ الصوفية المحافظين الا ان محمد شاه لم

يتردد فى اسناد أكبر المراكز الادارية والسياسية فى الدولة اليه .

الخلاصة ان الحاج ميرزا آقاسى رئيس وزراء ايران الصوفى المسلك كان رجلا مصابا بالماناخوليا وكثيرا ما كانت تسيطر عليه الاوهام والخيالات فيأتى بأعمال هستيرية فيجرد الحملات الى القوقاز ويطرد قوات الاحتلال الروسى ، كما كان يتخيل أن بامكانه ارغام الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا على التنازل عن العرش . وهكذا كانت ايران التعيسه تدار بوساطة هذا الشيخ المأفون الصوفى الموسوس .

يقول الكونت دى سرسى فى كتابه ( ايران ) عن هذا الوزير :

(( ليس ثمة شئ أغرب ولا اعجب من الاستماع الى هذا الوزير الايراني الكفؤ وهو يخطط للسياسة الايرانية . وخصوصا عندما يكون فى حالة الانس الصوفية . لقد قال لى ذات يوم ( لقد ضقت ذرعا بتصرفات بريطانيا الحمقاء ، وسوف أسارع بارسال قوة عسكرية الى مدينة كلكتا لتأتينى بالملكة فيكتوريا أسيرة مكبلة ، وعندئذ سوف اسلمها لجنودى ليفعلوا بها ما يشاءون على رؤوس الاشهاد ) . وحدثنى فى يوم آخر عن قطعاته الحربية البحرية التى كان يبنيها فى خياله وانه سوف يقضى على التجارة البحرية البريطانية قضاء تاما )) .

ورغم تظاهر الحاج ميرزا آقاسى بالقناعة والزهد عن ماديات الحياة الدنيا ، الا انه استحوذ على أموال كثيرة خلال توليه

رئاسة الوزارة ، وعندما تقدمت به السن كثيرا وحيث لا وريث له . وكان يعلم ان أمواله ستعود الى خزانة الدولة بعد موته . فقد وهب جميع ممتلكاته الى الشاه محمد شاه . وكان يزمى من وراء عمله هذا الى ان يكون فى أمان من غضبة الملك الجديد اذا ما امتدت به الحياة بعد موت سيده محمد شاه . لقد كان النفاق والرياء والشعوذة من أخص خصائص هذا الوزير المتصوف .

يقول روبرت واطسن البريطانى فى كتابه ( تاريخ القاجاريين ) :

(( لم يكن الحاج ميرزا آقاسى يرد احدا من طالبى المنح والصلات عن بابه ، لانه لم يكن يمنحهم فلسا واحدا من جيبه ، بل كان يكتب لهم الحوالات المالية الى حكام الولايات ، وهكذا كان يتظاهر بالعطف الشديد على المحتاجين ، بينما يوقع الدولة فى مواقف مالية حرجة ، ويظهر ولاة الاقاليم بمظهر البخلاء عديمى الشفقة والرحمة . وكان من نتائج سياسته هذه انه عندما آلت الوزارة الى الميرزا تقى خان الفراهانى الملقب بالامير الكبير ، وجد الدولة غارقة فى الديون .

كان من اسوأ النتائج التى جنتها ايران من اسناد الوزارة الى هذا الشيخ الدرويش الخالى من كل كفاءة ودراية بالامور السياسية والاقتصادية والعسكرية أن ساد الهرج والمرج فى كل انحاء ايران وافلست الخزينة واصبحت ميزانية الدولة تعانى عجزا دائما .

اشترك في نشرتنا البريدية