احاديث ادبية

Share

في الشعر الجديد

ما زالت فكرة الشعر الجديد موضع بحث  وتعليق من كثير من رجال الفكر والادب . وما زال الشعر الجديد نفسه هدفا لصيحات الاستنكار وحملات النقد العنيفة من كثير من الادباء ايضا ولعل السبب في ذلك كله هو هذا المظهر او الثوب الذى اتى فيه الظهر الذى لم تألفه الانظار ولم تأنس اليه الاسماع فيما قرأته فى الشعر العربي القديم فالكل يعهد الشعر العربي فى ثوبه المنشأ الطويل واللهجة الرنانة الموسيقية وانسجام اواخر القصيدة فيه فى قافية واحدة ، ونحو ذلك من مميزات الشعر العربي القديم

اما الشعر الجديد في عباراته المتفرقة  والفاظه المتناثرة وتوبه المتكرش الاطراف  الذي يتباعد فيه الشطر عن الآخر احيانا  اخرى فى غير انتظام ولا قياس فشئ لم  يعهده الادب العربي في تاريخه الطويل ولم تقع عليه العين الا في هذه الايام ، ومما زاد الطين بلة كما يقال وزاد في صيحات الاعتراض والاستنكار ان معشر الادباء المجددين او بالأحرى الشعراء المجددين يحاولون فرض آرائهم فرضا على القراء ويجهدون في حملهم على الاقتناع بأن ما يقرأون لهم من ذلك شعر جديد على الرغم مما يبدو فيه من اختلاف كبير عن الشعر  الموزون المقفى من غير ان يبدوا لذلك اسبابا او حتى يختلقوا لانفسهم اعذارا في تسميته بذلك الاسم ، وانما كان اقصى ما يستطيع  احدهم عمله هو نشر قصيدة له من ذلك  الطراز باحدى المجلات العربية الشهيرة غير مبال بما يدور بين القراء من همس وما

يثار في الاندية والمجالس الادبية من سخط  واستنكار ونقد واستخفاف . . لماذا لانه  شيخ من شيوخ الادب وعلم من اعلام الفكر اما اولئك المستنكرون فليسوا في نظرهم  سوى تلامذة متمردين واتباع لا حق لهم غير الانصياع والانقياد والطاعة لسادتهم وكبرائهم .

ولا بد لى ان اشير هنا إلى ان حضرات المجددين هم فعلا من الادباء المرموقين ورجال الفكر الممتازين ، قد دعاهم منطق الحياة المتطورة التى يعيشها عالمنا فى العصر الحاضر . . عصر القنابل الذرية والاقمار الاصطناعية و . . و . . الى الخروج على الروتين المعروف فى الشعر العربى القديم وابتكار نوع جديد اطلقوا عليه اسم الشعر الجديد ، وفكرة التجديد فى الادب او ابتكار نوع او انواع جديدة فيه فكرة جليلة وطموح مشكور انما كان من الواجب على هؤلاء ان يأتوا بالادب الجديد الذي تهضمه اذواق القراء و يستطيعيبون جرسه ، اما ان يأتوا هكذا فجأة وبدون سابق انذار بشئ لا تستطيبه الاذواق ولا  تهضمه فشىء يدعو الى الاستنكار حقا ذلك  مع ان تسمية تلك العبارات المتفرقة والالفاظ  المتناثرة بالشعر هى فى حد ذاتها موضع نقد  واستنكار . فلماذا اختاروا له اسم الشعر  مثلا وهو اقرب الى السر الفني في عباراته وتنسيقه منه الى الشعر ؟ اما انصار الشعر  الجديد فينبرون للدفاع عن الشعر الجديد  وتعليل اطلاق ذلك الاسم عليه بقولهم وانك لتجد في الشعر الجديد صفات ومميزات لا  تجدها في النثر الفنى فكل عبارة فيه تطوى فى نفسها معاني واسعة وخيالا خصبا  وهذا

ما ترمز اليه النقاط المتعددة بعد كل لفظ  او عبارة وانك لترى لكل شطر جرسا خاصا  به لا تشهده فى النثر الفني البسيط التركيب  المحدود الفكرة ، وتوافر كل تلك الصفات  فيه جعلته اشبه بالشعر منه بالنثر ، وليس من عجب ان يعتبر شعرا جديدا وهو يختلف  عن الشعر القديم المعروف وان اتفقا  من حيث توافر مميزات الشعر ، واهدافه ومعانيه ، واننا لنجد كثيرا من المتعصبين للشعر الموزون المقفى من ينكر في بعض القصائد المنظومة صلتها بالشعر لافتقارها الى الخيال والرقة وحسن الوقع ، والشعر الجديد في تحرره من الوزن والقافية لم يتحرر من المغزي واللباب الذي تتسم به حقيقة الشعر "

وندع القارئ من دفاع اولئك وتعليلهم  لنتفحص معا ما بأيدينا من قصيدة لاحد كبار المجددين ، وهو السيد عبد الوهاب البياتي نشرتها له مجلة الآداب البيروتية  يقول فيها تحت عنوان - اصداء :

وسمعت اصواتا ترددها الجبال . .

من بعيد . .

والكون يسبح في بحار من جمود . . !

اصداء يغمرها الجلال

تنساب في اذن الخلود . . .

تسرى مع الانداء والريح المثير . . .

تعلو وتهبط تارة . .

وتغيب في الافق البعيد  ٠٠٠

وتعود في لغط جديد . .

اشلاء اصوات تناثر في الاثير

تعنيف حسناء الى شب غرير

ونحيب ارملة على زوج مريض

فيها تباريح المحب الى الحبيب

وصراخ مفؤود . . الى طفل عنيد

وجهدت اسمع في الصدى

صوتا يردد مصعدا . .

يدعو الى فعل مجيد .  .

الكل يلهو سادرا . .

يسعى ويسخط هادرا  ٠٠ :

والليل يضحك ساخرا . .

فى غوره الرحب البعيد . .

وشرعت مزماري اردد في السكون

لحنا تهامس فيه اصداء الشجون . .

وطفقت افرغ فيه موجات الحنين . .

ارنو إلى الإفق البعيد . .

والكون يسبح في بحار من جمود . .

اصداء يغمرها الجلال . . .

تنساب في اذن الخلود . .

ذلك نوع ولا شك من الشعر الجديد  المتحرر من القافية والوزن وان جاءت بعض عباراته متفقة مع سابقتها في القافية ، وهو اسلوب مقبول فى الشعر الجديد إذا قيس ببعض ما نشهد من ذلك الشعر من عبارات مهزوزة وفكرة سخيفة قد لا تمت بما  تتضمن القصيدة من معاني في قليل او كثير ، ولا شك ان من وجدناه يتعصب للشعر الجديد يعنى ما ذكرنا من نمط جديد في الشعر ، فهو يجمع بين الكثير من مميزات الشعر الموزون وخصائصه كما لا يخلو من الرنين والوزن الذي يتمثل في اكثر ابياته ، وعليه فاننا اذا سلمنا جدلا بان ذلك اللون من الشعر الجديد فاننا لا نرضى ان يستغل  الادعياء من الشعراء المجددين الفكرة فيأتوا للقراء بما لا تستسيغه اذواقهم من عبارات نابية والفاظ ناشزة لا ترمي الى هدف ولا تدل على فكرة ، ان ما شهدناه من انواع مبتذلة من الشعر الجديد يجعلنا نعاف هذا اللون من الشعر كلية ، ونتمسك بما الفنا من الوان الشعر القديم في غير طموح الى شعر جديد ، وكان على الصحف والمجلات الادبية ان تقوم بشىء ، من ناحيتها  لوقف تيار هلوسة ، واندفاع ادعياء التجديد ولكنها - للاسف الشديد - فتحت الباب  على مصراعيه لنشر كل ما يردها من جيد  

القول ورديئه مكتفية بان تكون هذه  القصيدة لشاعر معروف او اديب كبير ولو  كانت القصيدة غاية فى الركاكة والابتذال  وهذا خطأ جد كبير ونحن نهدف لايجاد   ادب رفيع ونهضة ادبية قوية يكون لها صداها الحسن وسمعتها الطبية بين الآثار  الادبية العالمية وفي مجالات الفكر والانتاج القوى فالادب العربى لسوء الحظ لم يبلغ بعد الدرجة المرموقة التى تجعل له ما للآداب العالمية من التقدير والاعتبار فحذار . .

حذار ان نكون ممن يحفرون قبورهم بايديهم ويعملون على تأخر الادب بدل ان  يعملوا على تقدمه وتوطيده

وقد اكتفيت بسرد نموذج للشعر الجديد الجيد تشجيعا على انتاج امثال هذا الشعر الحصيف بعدم التحرر كلية من الوزن والقافية وشموله على الموسيقى والرنين الذي هو من السمات الاساسية المحببة فى  الشعر .

اشترك في نشرتنا البريدية