ادباؤنا الراحلون, محل سعيد عبد المقصود، - ١ -

Share

لا يكفى صاحب المنهل الاغر أن يستكتبنى لعدده الممتاز - رغم معرفته بمشاغلى الكثيرة ، ونواحى متاعبى المتعددة . بل هو يفرض على ان اكتب في موضوع معين بالذات .

فقد رغب إلى أن اكتب - هذه المرة - نبذة عن حياة الفقيد ((محمد سعيد عبد المقصود )) . وهذا الطلب وان كان فيه تسجيل لبعض حوادث التاريخ القريب الا انه مبعث اسى وحسرة فى النفس لفقدان ذلك النشاط المتوثب ، وتلك الحيوية المتدفقة !...

ولد رحمه الله عام ١٣٢٠ ه ، وتوفى فى ١٢ ربيع الاول عام ١٣٦٠ . وكان والده الخوجة عبد المقصود . وهو من اصل مصري هاجر إلى هذا البلد الأمين ، وتوطن بها ، واختلط بأهليها ، وصار واحدا منهم وكان حاسبا قديرا اشغل فى عهد حكومة الاشراف أمانة الخزانة العامة للدولة .

وكان الفقيد أحد أولاده وقد ورث عنه كثيرا من سماته الخلقية ؛ كان طوالا ، ناحلا ؛ صغير الرأس ، عريض الجبهة ، دقيق الانف واسع العينين والفم ، فى لونه صفرة باهتة ، وتعلم بمدرسة الفلاح ولكنه لم يكمل دراسته وخرج منها ،

واشتغل ببعض الاعمال ، ثم عين موظفا صغيرا بادارة جريدة أم القرى . وكان يديرها ويحررها الشيخ يوسف ياسين . فلمس فيه ذكاء فطريا لماحا فغذى فيه هذه الروح ، وأتاح له أكثر من فرصة فرقى إلى أكبر وظائفها ، وأصبح مديرا للمطبعة والجريدة .

ومنذ أن تولى ادارتهما عكف على اصلاحهما بكل ما أوتى من جهد ، وبحرارة الشباب المتوثب الطموح حتى وصلا الى ما وصلا اليه من نجاح ملموس نشاهده فى آلات الطباعة وما يتبعها من آلات للقص والتخريم ، والخزم والتجليد وغير ذلك . والحق انه لو أمد الله فى عمره لكان للمطبعة شأن غير هذا , ولكانت تصارع نظائرها فى العالم الخارجى .

ولقد كان - رحمه الله - ذا حس مرهف جدا يبلغ لحد العصبية المفرطة عاطفيا بكل ما فى الكلمة من معنى وقوة ، فتراه ميالا لشئ أو لصديق وقتا ما ثم إذا هو يصدف عنه كليا . وكان شعلة وطنية متأججة يجاهر بآرائه ولا يبالي بالنتاتج مهما كانت . وقد اشتغل بتشجيع الشركات الوطنية ، والمساهمة فيها ، والدعوة إلى أحيائها ونشرها ، كما كان خير عامل لنشر مبادئ النهضة الفكرية ؛ ونشر معالم الأدب الحديث فى هذه الربوع . وقد أصدر - مع زميله عبد الله بلخير - كتاب ( وحى الصحراء ) . وله مخطوط عن سيول مكة ؛ ومؤلف مخطوط لم يتم عن بعض نواحى معالمها .

وكان رحمه الله شعلة متقدة من الذكاء ، ذا عزيمة جبارة ، وذهنية لماحة ، وليس هذا مديحا مرسلا لصفاته واخلاقه ، ولكنه حقيقة واقعة يعرفها الخاص والعام من اصدقائه ومعارفه ، سعى فى بناء دار للمطبعة فى ساحة جرول بلغ من فخامتها وسعتها أن ظنها الناس ثكنة عسكرية واراد أن يخطط امامها مدينة للعمال واراد واراد ...

ولكن القدر عاجله قبل اتمام مشروع البناية ؛ وبعد ان قطع منه شوطا واسعا ، قبل البدء فى مشروع المدينة التى ارادها أو فكر فيها

لقد كانت آماله كبارا رغم نحافة جسمه فحينما ناء جسمه الضئيل بأمانى نفسه الكبيرة تلاشى هذا الجسم واضمحل كما يقول الشاعر :

واذا كانت النفوس كبارا                تعبت فى مرادها الاجسام

اما اخلاقه مع موظفيه فاحسبنى لا اتجاوز الحقيقة حينما اقول : ان موظفيه من اصدقائه ؛ من الموظف الكبير حتى العامل الصغير ، بل هم من خيرة اصدقائه . فمنهم من صادقه بعد التوظف ، ومنهم من تتصل به صداقته قبل الوظيفة ولكن معاملته معهم فى اعمال الوظيفة ؛ أو اثناء ادائها كانت تتسم بالرسمية المتمكنة . فقد كان يعاقب الموظف الكبير كما يعاقب الموظف الصغير على أى تأخر منه أو قصور ؛ وكان مفرطا فى الرقابة والتدقيق والتنسيق فى الاعمال .

ولكنه خارج الوظيفة كان اخا كريما وصديقا حميما . يعامل الصغير منهم قبل الكبير بروح مرحة ، وعاطفة كريمة واخلاق عالية .

كان كريم النفس ، كريم اليد ؛ كريم المعاملة ؛ لو ادخر ما كسبته يداه من أموال لمات وهو من اغنى الرجال ، وبالرغم عن ذلك فقد مات وهو من اغنى الرجال أن لم يكن فى المال ففى الاخلاق والاعمال .

لقد طوت يد القدر بمموته صفحة مشرقة من صفحات العمل المجدى والجهد المتواصل ، والحياة الزاخرة بقوة الشباب ، وتوقد الذهن .

وانى بعد كل هذا لا استطيع ان ازعم انه كان كاتبا فحلا أو شاعرا مجيدا اذ كان محصوله العلمى ؛ وثقافته محدودة - كما اسلفت - ولكنى استطيع أن اقول : انه بحيويته القوية ونضوج عقليته ؛ استطاع أن يكون لنفسه مكانة مرموقة قل أن يستطيع الحصول عليها من كان فى مثل ثقافته وسنه .

ولئن ذرفنا الدموع حزنا على وفاته ؛ ألما لذكراه فان عزاءنا الوحيد فى ذلك أن الموت هو نهاية كل حى ، أو هو خاتمة المطاف . وقد قال المتنبى :

يموت راعى الضأن فى سربه ميتة جالينوس فى طيبه

فرحم الله تلك النفس النبيلة ، وتلك الاخلاق الكريمة وعوضه عن هذه الحياة الدنيا الفانية جنة عرضها السموات والأرض اعدت للمتقين .

اشترك في نشرتنا البريدية