أبو تمام
كنية للشاعر العربى الكبير ( حبيب بن أوس الطائى ) وهي كنية عرف بها واشتهر حتى غلبت على اسمه فلا يكاد يعرف الا بها ، وهى من الشيؤع والذيوع بحيث انها اذا ذكرت لم يعد لاسمه الحقيقى أى لزوم بعدها ، وهى من الكني التى تتسم بسمة خاصة وتتميز بطابع مستقل ، لندرة استعمالها وفنة عن كنى بها .
ان أبا تمام هذا شاعر مشرقى عاش في الاقطار العربية ، يرفل في حلل الشهرة ومطارف النبوغ ولسنا بصدده .
ولكن هناك سميا له كان بلبلا من بلابل الفردوس المفقود : ( الأندلس ) وهو شاعر أندلسي ، قرأت عنه في (( نفح الطيب )) للمقرى ، فاحببت أن اتحف القراء بشاعر غمطه الدهر وأخمله النسيان ، ليكون لنا (( أبوا تمام )) اثنين بدلا من (( ابى تمام واحد )) .
نشأة هذا الشاعر نشأة متواضعة بل تكاد تكون مجهولة ، لا تعرف النسب العريق ولا النعمة الباذخة ، ولا البيئة العلمية التالدة ، فهو كما يقول عنه صاحب (( نفح الطيب )) : تربى في قلعة رباح غربى طليطلة واسمه (( غالب بن رباح الحجام ))أي انه نسب الى قلعة رباح فهو مجهول الاب ، وزاد على ذلك انه امتهن مهنة الججامة في سبيل الوصول
الى رزقه ، ولكنه أولع بالادب وتعلق به ( عني صار آية ) على حد تعبير صاحب تفح الضبب .
أما انه صار آية فهذا ما سيثبته شعره ، وان كان سلفنا من مؤرخى الادب ونقاده يتساهمون كل التساهل فى اضفاء النعوت وخلع الألقاب بغير حيطة ولا ميزان ، الا اننى ومع هذا الاعتقاد أرى أن صاحب نفح الطيب لم يبانغ كثيرا في وصف هذا الشاعر ولم يبعد .
وبعد ، فان شاعرنا هذا دخل الجامع ، في طليطلة ، وهو ما هو فخامة وبهاءا وروعة، ورأى فيما رأى (( ثريات )) الاضواء وهى تتوهح والنسسيم الرقيق يداعبها بلمساته الناعمة فيبعث فيها رعشة خفيفة . .
فاستمع ما يقول هذا الشاعر المبدع :
تحكى (( الثريا )) الثريا في تألقها
وقد عراها نسيم فهى تتقد
كأنها لذوى الإيمان أفئدة
من التخشع جوف الليل ترتعد
أثرى هذه الصورة البديعة ، وهذا التشبيه الرائع ، وهذا الخيال المجنح ، كيف تجلى في هذا العبير المشرق والبيان الجزل ؟ أية صورة أبدع وأبرع من تشبيه الثريا المتألقة بالضياء المرتعشة بالنسيم ؟ أقول أية صورة أبدع من تشبيه هذا المنظر ، بقلوب المؤمنين المتلألثة بالايمان ، المرتعشة بالخشوع ؟
وهذه صورة أخرى لنفس المنظر وان تكن أقل منه سحرا وادنى روعة ، الا انها على كل ذلك لها قيمتها الفنية ووزنها الجمالى :
انظر الى سرج في الليل مشرقة
من الزجاج تراها وهي تلتهب
كأنها السن الحيات قد برزت
عند الهجير فما تنفك تضطرب
والادباء يعرفون الأبيات المشهورة لأبي نواس :
ودار ندامي عطلوها وأدلجوا
بها أثر منهم ندي ويابس
وفيها يقول :
تدار علينا الكأس في عسجدية
حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتها
مهي تدريها بالقسي الفوارس
هذه الابيات التى وقف عندها أئمة الاذب وأعلام النقد الفنى ، وعلى رأسهم الجاحظ ، وقفوا عندها فى تقدير واكبار لهذه الشاعرية الفياضة ، وهي لها ما يماثلها عند هذا الشاعر الفحل فى وصف مثل هذه الكأس التى وصفها أبو نواس .
يقول مؤلف نفح الطيب : (( ولقد أبدع غاية الابداع ، وأتى بما يدهش الألباب ( يعني أبا تمام موضوع هذا المقال ) في قوله :
وكأس ترى كسرى بها في قرارة
غريقا ولكن في خليج من الخمر
وما صورته فارس عبثا به
ولكنهم جاؤوا بأخفى من السحر
أشاروا بما كانوا له في حياته
فنرمى اليه بالسجود وما ندرى
أرأيت موضع السحر في هذه الابيات ، ودقة المعنى الذي يترقرق في البيت الثالث منها ؛ يريد الشاعر أن يقول : ان فارسا
انما صورت كسرى فى كؤوسها لتديم بذلك عادة السجود له كما كان في حياته حسب تقاليدهم الضالة مع ملوكهم . . ولا شك فى أن شارب الكأس أى كأس حين يدنيها الى فمه لا بد من أن يحنى رأسه ولو قليلا عند التقاء شفتيه بطرف الكأس فقد كملت الصورة بكل ما فيها من ظلال وألوان وايحاءات . . وهذا منتهى اللماحية في ذكاء هذا الشاعر وتوقد قريحته . .
ويستمر مؤلف ( نفح الطيب ) في عرض نماذج من شعره وكلها تدل على براعة الشاعر ولطف حسه . انظر كيف يقول في التعبير عن أذى النفوس الصغيرة ، للنفوس الكبيرة ، وولعها بالكيد لها والوقوع في أعراضها :
صغار الناس اكثرهم فسادا
وليس لها لصالحة نهوض
ألم تر في سباع الطير سرا
تسالمنا ويأكلنا البعوض ؟ !
ويقول فيمن يطرح ويهمل وهو أحق بالنباهة والرفعة ، معنى في غاية الجمال :
فما للملك ليس يرى مكاني
وقد كحلت لواحظه بنورى
كذا المسواك مطرحا مهانا
وقد أبقى جلاء في الثغور
ويقول في الصاحب المناكف ، والصديق الزغل :
لي صاحب لا كان من صاحب
فانه في كبدى جرحه
يحكى اذا أبصر لي زلة
ذبابة تضرب في قرحه
وان هذا الساعر المصور يبدع ويروع حتى في المعانى التى تلهم فيها القرائح وتنبو عنها الخواطر . . له فرس هزيل أعرج في غاية الضعف والهزال . قد انهكه الوجي ولقيه جماعة من أدباء عصره ، وفيهم أبو حاتم الحجارى أحد أعلام الادب الأندلسي ، فيقبل اليه شاعرنا أبو تمام الحجام ويقول :
وتحتى ريح تسبق الريح ان جرت
وما خلت أن الريح ذات قوائم
لها في المدى سبق الى كل غاية
كان لها سبقا يفوق عزائمى
وهمة نفسي نزهتها عن الدجى
فيا عجبا حتى العلا في البهائم
وما عم أبو حاتم أن التفت الى الجماعة مندهشا وهو يتنادر على صاحبه : ناشدتكم الله ايجوز لحجام على فرس مثل هذه الرمكة الهزيلة العرجاء أن يقول مثل هذا ؟ فيضحك الجميع ، ويقبل أبو تمام من غيظ يشتمه ويسبه :
وبعد فأحسبني لو مضيت مع اعجابي بهذا الشاعر لنقلت أكثر قطعه الرائعة البارعة ، ولكنني أكتفى بهذا القدر . وأختم هذه العجالة بهذين البيتين من شعره الفذ :
وبارد الشعر لم يؤلم به ولقد
أضرمنه جميل الناس واعتزلا
كأنه الصل لا تؤذيه ريقته
حتى إذا مجها في غيره قتلا
رحم الله أبا تمام الأندلسي وطيب ثراه .
(جازان )

