استعراض، او بين القديم والجديد، فى بلادنا

Share

لا يزال الصراع بين القديم والجديد مستمرا فى جميع أقطار الشرق العربى منذ أمد بعيد ، ولم تبرح مواقف النصر والهزيمة تتداول بين الفريقين المتصديين لهذا النزاع المحتوم ، وما انفك عقلاء الفريقين يتأثرون هذه المكافحة ويتدبرون نتائجها ويتوخون أن يكون وراءها انتخاب وازدهار للنهضة العتيدة وتبشير بالاصلح ونبذ للسئ من قول وعمل وخلق

ان المتتبع لهذه المشادة العنيفة ليستخلص منها العبرة بما آلت اليه الحال فى جميع الاوساط المتأثرة بهذه النزعة الحديثة ، يتراآي له خلالها أشباحا مخيفة تتربص الدوائر بتراث الاسلام كما لا يعدم أن يجد فى صفوفها دفاعا موفقا يتولاه رجال بررة أتقياء ينافحون عن هذا التراث ويتأسون بالمثل الاعلى ويخافون الله واليوم الآخر

ومهما كان الامر فان شيوع الحضارة الغربية وامتدادها الى الآفاق الشرقية والاسلامية قد حمل الكثرة الساحقة على الانبهار بزخارفها الفاتنه ، واقتفاء آثارها واصطناع أشكالها وأوضاعها مهما كانت ملائمة أو مخالفة للتقاليد والعادات والاخلاق المصطلح عليها منذ أجيال وقرون ! !

وهنالك يتناوب الهجوم والتراجع بين أبطال الفريقين وانصارهما معا فى حماسة وكبرياء . ويتناول البحث بينهما مختلف الشئون والمواضيع الدينية والاجتماعية والادبية ، ويأخذ كل منهما سبيله الى الغاية التى يذود عنها والهدف الذى يصبو اليه . وتتسع مسافة الخلف أحيانا الى درجة تبعث على الحرج والاضطراب وتنذر بشر مستطير يتهدد كيان العقائد والاخلاق والعوائد والتقاليد وكل مادرج الناس عليه من آماد طويلة .

وكما انه ليس فى وسعنا الاستقصاء فانه ليس من غرضنا المقارنة بين ما هو ضار ونافع وخطأ وصواب وصالح وفاسد فيما يدور حوله النزاع بين الجديد والقديم لفرط ما اشتبه من مخايل الرشد والهوى واختلط من أدلة الخير والشر وتناقض من بينات الخصوم .

ويستطيع المسلم المتمكن من دينه وايمانه والمستبصر بهداه والمتوفر على دراسة شريعته المقدسة أن يحمى نفسه بتوفيق الله تعالى من كل النزغات ؛ ومن الوباء الوافد ، وأن يتلمس فى اعماق هذه المجادلات الصاخبة وجوه الهدى والضلال ويختار ماشاء الله له من سعادة وتوفيق

ومتى كان هذا الاتجاه هو المهيمن على تفكيرنا وكانت اساءة الظن بكل ما يأتي به العصر الحديث من مشاكل متعارضه فيما يتصل بالدين والادب والخلق والعادة أساسا للمناقشة فيها حتى يتبين ما هو الحق والضلال على ضوء ما يهدى اليه (( القرآن )) الكريم وتدعو اليه (( الشريعة المطهرة فانه لا ضير علينا من كل صيحة وتتجاذب بها الاصداء في كل مكان ! ! ولا داعى للخشية من تصديع ما أبقت عليه الاحداث من اطلال ورسوم .

أما فى بلاد العرب المحافظة وفى الاراضى المقدسة التى لم تبلغ شأوها البعيد وشرفها التليد فى الماضى والحاضر الا بالتمسك باهداب الدين والخضوع لسلطانه المبين فاننا لنحمد الله تعالى على ما من به من ولاية راشدة وحكم صالح وشرع نافد

وعدل وارف وأمن شامل وأعظم واجب علينا الحرص على هذه النعمة الكبرى بالشكر المتواصل وذلك لا يكون الا بتكريس الجهود لاحياء ما اندرس بين ظهرانينا من معالم المجد والعلم والفضل ، والسعي الحثيث لاعادتها سيرتها

فى نواحي العمل المنتج والاشادة بتاريخها الحافل بالذكريات الخالدة ، وبرجالاتنا العصاميين الذين كان لهم فى ميادين المجد والفخر جدلات تثير الدهشة والاعجاب      هذا فيما يختص بالوجهة التى نود أن يتمم شطرها ، وان تتسع خطوات الناشئة والشباب والشيوخ الى ادراكها مهما استجابت الظروف وامكنت الفرص والنجاح مكفول بحول الله متى توطدت العزائم وحسنت النيات وكان النبراس الذي نتلاقى حياله في جميع الاغراض والمحاولات (( وحى الله المنزل )) وسنة نبيه المرسل ))

وفيما يعنينا من هذا الكفاح العام بين - القديم ؛ والجديد - يستطيع المتأمل أن يتمثل الفرق جليا بين ماكنا عليه وما صرنا اليه . فى طرائق الحياة واساليبها ومظاهرها وجدها وهزلها وتقدمها وتقهقرها - وبادنى مقارنة يدرك الباحث كنه التطور بين العهدين المتقاربين .

لقد استبدلنا كثيرا من العوائد المستهجنة باخرى مطابقة لمصالحنا وملائمة لاجوائنا بعد ان طال الرزوح يحت اعبائها الثقيلة مما كانت تبذر فيه الاموال بغير حساب أو تتعالى منه الشكوى دون تفريح والى ذلك اهملنا كثيرا من الآداب الخلقية والاجتماعية التى تجب المحافظة عليها فى جميع الظروف والاحوال

إن البوادى - التى كانت - تحت ضغت العوامل المختلفة عابثة بالأمن غارقة فى الدماء مهددة للسبل اقرب وسائلها الى الحياة السلب والنهب قد اكرهت على السكينة واطمأنت الى الرزق الحلال تبتغيه في مظانه المشروعة

اما الحواضر والمدن والقرى فقد استطاعت ان تتغلب على ما رسخ فيها من عيوب الازمنة الجائرة ، وان تتحلل من قيود التقاليد البالية . وان تستعيض

عن ذلك باخلاق الرجولة والكدح والعمل ، فاختص فريق بخدمة وفود الحج وتأمين وسائل مواصلاته وتنقلاته . وآخرون بطوافه ومناسكه ، وطائفة تغرب فى فجاج الارض من مشرقها الى مغربها داعية الى الفريضة متصلة بالعالم فى جميع اصقاعه وهى بمثابة الرائد الامين

كل اولئك اصبحوا غير ما كانوا بالامس يشعرون بالواجب ويقدرون المسئولية ويكابدون مشقة السفر والأربحال فيحسنون بذلك الى انفسهم وبلادهم ويستفيدون المنافع من وجوهها المفلحة مقابل اتعاب مضنية ودأب عظيم

واشتغل قسم فى متاجره وتنمية ثروة بلاده . وفريق بالتدريس والتعليم وسواهم بمناصب القضاء ووظائف الدولة . وغيرهم بالمصانع المحلية وعدد كبير فى الجند والشرطة وهكذا نجد البون شاسعا بين ما نشأت عليه الاجيال قبلنا من حياة الرفاهية والدعة والخمول والركون الى الراحة وانتظار (( الصدقات )) (( والغلال )) (( والابدال )) وما الى ذلك من وجوه الاحسان المضمحلة . وبين ما طرأ على ذلك انقلاب يصعب تصوره على الذين عاشوا فى البيئة الاولى زاهدين فى العمل ينعمون بالرغد كله دون تعب أو كلال ! !

ولا يكاد المتلمس يعثر اليوم على شخص واحد يتعلق بحبال العنكبوت أو تجتذبه الاحلام ! ! والرؤى ! ! ! ولئن شق ذلك كثيرا فى ادوار الانتقال بين عهدين فان هذه المشقة - لتتلاشى وينعدم الشعور بها بمرور الايام وتذوق لذة الحياة الجديدة الكادحة ، ويتناسى الجميع مرارة الخيبة فى اكتساح الامانى العتيقة التى كانت تسد منافذ النشاط والعمل وتحمل على السخرية والاستهزاء

ودليل آخر ، شاقنى عصارى احد أيام الاسبوع منظر ارهاط متتابعة من العمال والمهندسين والكتاب يتدفقون في صفوف منظمة - يغادرون مراكز العمل فى (( الورشة الاميرية )) للسيارات بضاحية جرول : رأيتهم كذلك بعد ان أؤذنوا بالانصراف فكان عددهم وفيرا وجمعهم غفيرا وسلوكهم حسنا ونشاطهم كبيرا

وعلائم الغبطة والانشراح مرتسمة على وجوههم وكلهم يتصبون عرقا ويسترنمون طربا أن ادوا الواجب وعادوا الى منازلهم قريرى العين مبتهجى الفؤاد مفتولى السواعد ميسري الرزق .

كان هذا المشهد الجميل باعثا على الاعتزاز والاكبار ، وما كان هؤلاء وامثالهم الكثيرون جدا ممن احترفوا العمل والصناعة والاكتساب الا فلذات اكباد هذا الشعب في صميمه . وما كان هذا المنظر مألوفا قبل زمن قريب فى هذه البلاد .

فهل بعد ذلك نرتاب أن في شبابنا طموحا واستعدادا كبيرا للسير فى طريق العمل المثمر ؟ ومسايرة مطالب الحياة ومجاراة ارقى البلدان ؟ وان هذا الشعور وهذا الطموح انما يزداد رسوخا وانتاجا كلما تهيأت الوسائل لاستغلال الحيويات الزاخرة بالنشاط .

لقد كان بعيد الاحتمال ان يتزاحم النشء على الانخراط فى البعثات التى تدرس فى المعاهد العلمية فى مصر وسوريا ولبنان وسواها ، وكان ذهاب التلاميذ الى (( الكتاب )) أو (( المدرسة )) أمرا ذا بال يستدعي ضروبا من الاحتيال ويكبد أولياءهم صعوبات جمة . كان ذلك فانعكس الى ضده فعاد التلاميذ يحرصون على التفوق ويتنافسون فى النبوغ ويتبارون مع أقرانهم ولو تجشموا فى سبيل ذلك وجد الفراق وشجون الاغتراب .

واذا القينا نظرة على الانتاج الادبى فانه ليستهوينا ما نراه من ثمرات الاقلام وآثار الكتاب والشعراء فى أعوام قليلة . ومع أن هذه الباكورة لم تزل فى أدوار التكوين الادبى فان فى المؤلفات الحديثة التى تقدمت بين يديها ما يشايع الامل ويقوى اليقين فى ازدهارها ومسايرتها لامثالها فى اقطار أمعن رسوخا وأوسع خطى فى هذا السبيل .

هذه الظواهر كلها مجتمعة مع ما يلوح من بشائر المستقبل بجعلنا نجزم بان الكفاح بين القديم والجديد فى ربوعنا قد كانت الغلبة فيه بحسن التوجيه للجانب

الافضل والاصلح من الوجهة الاجتماعية والادبية والاقتصادية ، وهو الى ذلك مثير للاعجاب بالجهود المبذولة من ولاة الامور الذين يواصلون السعى فى مصالح الامة وايقاظها وانشائها نشأة أخرى .

على اننى اشاطر الرأي اولئك الذين يتوجسون خيفة من انتشار ما لا ينفع وما يضر من (( الروايات )) المبتذلة والآراء الفجة المرتجلة التى تتغلغل فى احشاء بعض المطبوعات الحديثة ، تلك البضاعة التجارية التى تتسلل وفى اطوائها السموم الناقعه . وأرجو أن تضاعف الرقابة عليها من الجهات المختصة حتى لا تترك أثرا سيئا فى عقول الناشئة والطلاب .

وأشعر كغيرى أنه ما برحت بعض العوائد والاخلاق الموروثة من عهود بعيدة والمستجدة بالتطور والتقليد الاعمى ، تتطلب مكافحة واصلاحا وتكييفا ملائما . ولن يتأتى ذلك الا بالحكم والموعظة الحسنة .

وأخيرا اؤكد الدعوة فى كل مناسبة ( وأرجو أن أجد فى (( المنهل الاغر )) وصاحبه الاستاذ الانصارى الكبير عضدا قويا على تأييدها ) الى سد الفراغ المحسوس فى دروس الوعظ والارشاد العام وفى مختلف الفنون والعلوم فى أروقة (( الحرمين الشريفين )) حتى تعود لهما السمعة العالية من الوجهة العلمية ويكون منتجع العباد ومكترع الوارد من أطراف الارض ، والى القيام ، بالواجب العظيم من هداية الخلق الى دينهم وشريعتهم المثلى ففى ذلك دحض للباطل ونصر للحق وأداء للأمانة وتبليغ للناس ، وما لم نحتفظ بهذه الميزة قبل سواها فاننا لمقصرون كل التقصير وغافلون عن اكرم ما ورثناه عن السلف الصالحين وكل امرئ بما كسب رهين .

اشترك في نشرتنا البريدية