استفتاء السنة, هل الحروب تطوى الحضارات أم تنشرها ؟

Share

٩

رأي الاستاذ السيد ابراهيم هاشم فلالي

عنوان هذا المقال سؤال موجه من صاحب المنهل الاغر الاستاذ عبد القدوس الانصاري الى الادباء في بلادنا للاجابة عليه بابداء الراي فيه ، وقد تلطف الأستاذ الفاضل فجعلني من ضمن من وجه اليهم سؤاله .

وللاجابة عليه أقول : اما وأنا اريد ابداء رأي استند فيه على التفكير السليم والمنطق القويم للوصول الى الحقيقة بما يرضاه العقل ، ولست بسبيلي ارسال الكلام بما تستدهيه النفس لأرضاء العاطفة

فان لدى رأيا ربما يختلف وآراء الكثرة من الناس ، ذلك لأني لا ارى فى الحياة حضارات مختلفة - كما يفهمه الكثيرون وكما تدل عليه لفظة ) حضارات هذه التى جاءت فى الاستفتاء - وانما الذي افهمه ان الحضارة فى الحياة واحدة الا ان اجزاءها متنوعة ، والانسان حينما حاول التحضر حاوله قبل ان تنضج فكرة الحضارة فى الاذهان فذهبت كل أمة تعمل فى جانب من جوانب الحضارة دون أن تفكر بان للحضارة جوانب آخر لا يتم تحضر الانسان الا بها ، فكان التحضير بين الناس اشبه ما يكون بمشروع ضخم لم يكتب لامة من الامم ان تتوفر على دراسته من جميع نواحيه ، او تدعو الناس الى الاشتراك معها فى وادسة هذا المشروع الخطير ليتسنى لهم ابرازه الى عالم الوجود كاملا غير منقوص وربما سبق لأمة ان دعت لذلك ولكن الناس لم يستجيبوا لدعوتها ، واكتفت

كل امة بالعمل على التحضر بمبلغ ما وصل اليه علمها وارتضاه ذوقها وقدرت عليه جهودها ، فجاء جسم الحضارة اشلاءا مبعثرة على وجه الارض وعكفت كل امة على الجزء الذي اصابها منه تطوف حوله وتباهى به وغفلت عن بقية الاجزءا المتممة له ولم تعن باضافتها اليه .

لذلك ما رؤيت الحضارة عند امة من الامم السالفة والحديثة كاملة البنيان وثيقة الإركان انطوت على كل معاني الحضارة وما من امة قديمة او محدثة قطعت الى التحضر الا وقصرت جهودها عن ادراك الغاية فيه - للأسباب التى قدمنا ولكن تلك الجهود لم تذهب عبثا فما بذلته الامم السالفة فى سبيل الحضارة كان كلبنة فى أساس صرح الحضارة ، وما بذله ويبذله الشرقيون الذين ينزعون الى الروحية اكثر من نزوعهم الى المادية فى تحضرهم اقام جانبا من اهم جوانب الحضارة ، أما جانب المادية الذي يميل اليه الغربيون فى تحضرهم فقد أوشك ان يبلغ غايته بفضل جهودهم .

ولكن لعدم نضوج الفكرة - فكرة التحضر في الاذهان كان دائما صرح الحضارة لا يرى الا ناقصا مستورا ، مما جعل الشرقي يتوجه الى دراسة ما لدى الغربي من ماديه لأنه وجد الحياة لا تستقيم له الا إذا اخذ بنصيبه منها ، وتتطلعت نفس الغربي الى اكتشاف ما لدى الشرقي من روحية لأنه وجد الحياة لا يستقيم له أمرها ما لم يقتبس منها بقبس يضيئ له ظلمة المادية التى احتوته بير كنافها وربما تسنى للناس بذلك دراسة مشروع الحضارة الكامنة في للانسان بعد ان عرفوا ان كلامهم وحاجة لى ما لدى الاخرين من الامور التى لا تتم الحضارة الا بها ، وليس ببعيد ان يأتى ذلك اليوم الذي تتضافر فيه جهود الخليقة لضم أجزاء الحضارة - المبعثرة - وربطها ببعض ، وابراز ذلك المشروع الخطير كاملا على وجه الأرض ، فان القوى الفكرية - على ما يبدو - تحرص على ذلك وما فتئت تعمل له ، وآية ذلك انقياد الهواء والكهرباء والاثير والبخار للبشر حتى صار

الناس لا يحفلون بالابعاد الشاسعة ولا المسافات البعيدة واوشكوا ان يكونوا - على ظهر البسيطة كالأسرة الواحدة يتحدث احدهم فى الشرق فيسمعه من في الغرب ويتشوق الانسان لرؤية اخيه الانسان فلا يلبث ان يراه - فى امد قريب ولو كان بينهما بعد ما بين المشرقين ، وهذا مظهر من مظاهر التقارب ولون من ألوان المفاهمة بين البشر .

وهنا يحسن الوقوف عن الافاضة فى التدليل - على ما ذهبت اليه - للنظر في امر الحروب هل هي تطوى الحضارات - اى اجزاءها - ام تنشرها والذي اراه ان الحروب ما كانت ولن تكون مدعاة لطي الحضارة ) ١ ( إذا اية حرب - فى التاريخ نشبت بين فريقين من سكان الارض ثم انقشعت عن طى الحضارة والعودة بالانسان الى سيرته الاولى كما كان عليه قبل ان يتحضر ؟ فاذا لم يكن في التاريخ ما يدل على ذلك فان فى التاريخ ما يدل على ان الحرب لم تكن سببا فى انتشار التحضر بين الناس فحسب بل كانت من الاسباب القوية في اذكاء عوامل الميل الى التحضر في نفوس الناس ، لأن محاربة الامم بعضها البعض واستيلاء امة على اخرى مدعاة الى تلاقح العقول واحتكاك الافكار وتنشيط الاذهان وشحذ الجهود ، وبذلك يتضخم الانتاج العلمي والادبى والتجاري والصناعي وغير ذلك مما يتطلب امعان الانسان فى التحضر

ولعله من الغريب أن يقال ان الحضارة ما كانت مغزوة قط ولكنها - دائما . غازية فما من امة بربرية غزت امة اصابت شيئا من التحضر وتغلبت عليها الا وتحفزت حضارة الامة المغلوبة للانتقام لذويها من الغالب فلا تفتأ تحاوله وتداوره وتعنف عليه تارة وتنودد اليه اخرى حتى ترغمه على ترك بربريته وتحمله على التحضر ، وغنى عن البيان ان الحضارة سرعان ما تسحق البربرية إذا كانت

والنفوذ بجانب المسيطرين عليها والشواهد على كلا الامرين كثيرة فى التاريخ وما الحرب الا مثل السلام مظهر من المظاهر المختلفة التى يبدو فيها الانسان متحضرا كان أو غير متحضر ، فإذا دل السلام على مبلغ ما وصل اليه العقل الانساني من التفكير في اجتناب المشاكل التى قد تجر الى الحرب ، فان الحرب تدل على مبلغ ما وصل اليه الفكر الانسانى من التعلق باسباب القوة والجبروت ذلك بما يبدو في ميادين الصراع من أدوات الفتك وأنواع الوقاية منها .

وكما يمد السلام العقول بفنون من الآداب والعلوم والمعارف والصناعات المطبوعة بطابع الهدوء والطمانينة كذلك الحرب تمد العقول بمثلها من الفنون ولكن عليها طابع التوثب والقلق ، وكلا النوعين تتطلبهما الحضارة ويفتقر اليهما الانسان ما دام لا يأمن من غائلة أخيه الانسان

١٠

رأي " الفتى المعهدي "

ما الحرب ؟

ظاهرة سيئة ، منيت بها الانسانية فى صميمها ، وقدر لها ان تتصف بها من حين خلقها الله وسجل عليها التاريخ ، وابتدأ بها الزمن

والحرب فى الكثير الاغلب ، انما يورثها طمع القوة فى الضعف ، وهناك مسببات اخرى لها ، كالدفاع عن عقيدة دينية ، وحب الأخذ بالثار ، والسعى وراء بسط النفوذ ، والرغبة فى الاستيلاء على بلد ذي بال فى موقعه الجغرافي او نتاجه الزراعي أو صادره المعدنى وهذه من أقوى العوامل فى اشتعال نيران الحروب بين الدول ان لم تكن أقواها .

ومن رأيي أن الحروب تضر الانسانية فى الصميم ، وتطوى الحضارات بحيث

يلزم فيما بعد نشرها من جديد ، واليك الدليل - يا قارئي العزيز حتى تتيقن صدق ما أقوله عن الحرب .

قلت انها تضر الانسانية ، وهذا قول لست القيه على عواهنه ، فهى كم حملت الامم على أن تتجه بكل قواها الادبية والمادية الى التسليح ، وأن تنفق جميع ما يجى اليها من اموال العمال المجنية بالعمل المتعب فى تغذية الجنود وتموينهم ، وان تضيع مجهودات رجالها بايقائها على مصانع التسليح والتدمير .

أما طيها للحضارات ، فحقيقى واقع ، إذ ان القنابل اليوم ، التى هى اكثر الاعتدة تدمرا ، والزم للامم لقهر عدوها وكسب الحرب ، لا تبقى ولا تذر لمدينة متدنية منيت بوابل منها ، والقنابل واحدة من كثير من المدمرات للمدن المليئة مصانع فياضة ، وقصورا فخمة ، ودوائر حكومة منتظمة .

والحروب تبعث في نفوس المحاربين المنتصرين ، حب السيطرة على المحاربين المغلوبين ، ونزع السلاح من ايديهم ، والضغط عليهم ، والحد من حرياتهم ، ورفع علمهم ، اشادة الاحتلال ، ودليل السلطة

فهل الحروب - والحالة هذه - نافعة وناشرة ؟ كلا . وانه لزعم ذلك الذي يقول به بعض البيولوجيين من ان الحرب لازمة حيوية ، تظهر المجتمع من السيئ من العناصر ، وتعمل على ابقاء الاصلح من الافراد والجماعات ، فالواقع ينفي ذلك إذ آن الحروب تقضى على أقوى ذخيرة للامم ، واوحد امل فى الحياة وتقضى على الشباب : وأقول تقضى على الشباب ، لان الحكومات عادة لا تقدم للدفاع عنها وبقاء وجودها غيرهم . وهى بذلك تبقى المراض الضعفاء الذين لا يستطيعون ضربا فى الارض ، ولا سعيا الى الحرب ، ولا ذبا عن الوطن ومن ثم يتبين لنا خطر الحرب واضرارها لا اصلاحها وتطهيرها كما يزعم البيولوجييون .

وتقرر طائفة من الادباء بأن الحروب تطوي وتنشر : تطوي الفنون بحيث يدعو الامر بعد انتهائها الى افتنان جديد وايجاد اخر ، وتنشر العلوم بالقدر الذي تطويه من الفنون وعليها للفنون اقرره حقيقة ، لعلمي بأن الفنون انما تزدهم في عصور الاستقرار الاجتماعي ، والتضامن للغير فردى ، ولكن نشرها للعلوم لا أجد مساغا للاخذ به ، فهي انما توجد مخترعات لم تكن من ذى قبل موجودة ، وكلها لتدمير المشيد في السنوات الطوال فى ساعات وافناء الانسانية السائرة نحو النور منذ نحو ربع قرن فى لحظات ، ورحم الله شوقي إذ قال :

خاف من العلم الذي تدعونه . إذا كان في علم النفوس رداها

والحروب في الزمن القديم ، لم تكن كالحروب في هذا العصر الذي نعيش فيه والبون بينهما شاسع جدا ، فالاعتدة في الماضى لم تتجاوز السيف والرمح والسهم أما في الحاضر فالعدد كثيرة ومدمرة فى آن واحد ، فمن غواصات تحت اطباق البحر تكيد للسفن وتغدر بها ، إلى اساطيل فوق الماء رمي بالمنون ، ومن طيارات فى الجو تغشي الغازات الخانقة للارواح وتقذف بالقنابل المخربة للمدن الى سيارات فى البر مدرعة باقوى اسباب الافناء ، ومن دبابات يخترق الحدود فى طريقها الى العواصم ، الى مدافع تصب نيرانها صبا عنيفا على القطان

زد على ذلك انها لم تكن فى الاعصر الخوالى ، تقع فى القرى المأهولة والمدن المعمورة ، وانما كانت تحتدم بين الفريقين المتحاربين فى ارض فضاء ، بعيدة عن الاهالى ، وفي مناى عن المدن المنشات فيها القصور الفخمة والمصانع الضخمة ، ثم هى لم تكن تشتمل على مزهقات لأرواح الجماهير غير المتحاربة كالغازات تفشى فى جو كل بلدة ، ومدمرات فى ساعات لما بنى واخترع وصنع وعمل فى سنين طويلة كالقنابل تقذف بها كل مدينة معمورة ، كما فى عصرنا الحاضر

مكة المكرمة

اشترك في نشرتنا البريدية