اذكر الآن ان محطات الاذاعة من لندن وبرلين وايطاليا كانت ذوات اثر بالغ فى نفوس المستمعين العرب . بسبب قوة المحطات نفسها ورنين صوتها المجلجل الرائع . . وبسبب قوة برامجها وتنظيمها واحكامها واحكام الدعاية المنبثقة فى كل واحدة منها . وكان يحز فى نفسى اذ ذاك ان ما كان يوجد من المحطات الاذاعية فى العالم العربى والاسلامى محطات ثانوية
ثانوية فى أصواتها الخافتة المذبذبة الضعيفة وفى برامجها المضطربة الواهنة المهلهلة . . فاذا ادرت مفتاح جهاز الراديو الى اية منها اصطدمت بالهواء في الكلام والخواء فى الاهداف والفراغ فى البرامج والانحطاط المرير فى الصوت والاداء والذبول فى كل شئ . . وتذكرت عندها قول حكيم الشعراء :
بذا قضت الأيام ما بين اهلها
مصائب قوم عند قوم فوائد
فمصائب ضعف امكانيات الشرق الاسلامي والعربى ممثلة فى كل شئ وفي محطات اذاعته اذ ذاك هي فوائد ملموسة للغرب تدعم قوته المادية وتزيد من طاقة استعماره لهذا الشرق الاسلامى والعربى . . ثم مضت الايام قدما وتغيرت الاحوال بالعالم الاسلامى والعربى بعد انتهاء الحرب
العالمية الثانية وكان كفاح مرير واضطراب وارتجاج ومد وجزر فاذا بالشعوب العربية تنتفض وتنفض عنها غبار التقاعس والخمول . واذا بالشعوب الاسلامية تنتفض وتنفض عنها غبار التقاعس والذبول واذا بالدول العربية تتسابق إلى انشاء المحطات الاذاعية العربية لحما ودما
واذا بالشعوب العربية تعنى بهذه الاداة الفعالة عناية بالغة واضحة المعالم . . فى مصر محطة اذاعية كانت فى عهد الاستعمار اداة طيعة من أدوات الاستعمار ثم تحولت بعد ذلك تدريجيا الى محطة عربية اسلامية كبيرة
وقد دعمت هذه المحطة وقويت ونظمت برامجها فصارت تجلجل في آفاق الدنيا ، وفي سوريا محطة مماثلة ، وفي المملكة الاردنية الهاشمية كذلك وفي العراق كذلك وعندنا في المملكة السعودية محطة اذاعتنا الفتية التى تسمعون منها هذا الحديث وهى محطة
اذاعة عربية من حيث التكوين والكيان وجدية الاهداف . وكل هذه المحطات عبارة عن اضواء كشافة والسنة منطقية وعيون نفاذة وآذان مهفة تتجاوب أصداؤها حول الاهداف العربية والاسلامية المتحدة وتبنى الاجيال وتدعم الاحوال وتكشف عن
الدسائس والخبائث وتنشر ثقافة وعلما وسياسة وتنويرا واقتصادا وصحة وعمرانا . . تذكرت كل هذا . ثم بحثت فى جنبات نفسى عن مدى اثر هذه المحطات العربية وزميلاتها المحطات الاسلامية فى تدعيم نهضات المحيط العربي والاسلامى وتساءلت فى نفسى عن مدى قيامها وقيام زميلاتها من الطرف المناقض المناهض . . .
اعنى محطات الاذاعة الاستعمارية المدوية الهائلة التى كانت اصواتها تدوى علينا صباح مساء والتى لايزال بعضها يدوى علينا صباح مساء يريد ان يصبغ عقولنا بأصبغة زرقاء ويأصبغة حمراء وبأصبغة دكناء وبأصبغة باهتة مبلبلة لا لون لها ولا طعم تجلب لنا الصمم الاجتماعى والعمى السياسي والكمه الثقافي والشلل العملي والفكرى . . تساءلت عن كل
ذلك فى قرارة نفسي ثم تحسست النتائج من الاعماق . . فادركت حقيقة راهنة الا وهي انه بقدر تقدم محطاتنا الاذاعية الحديثة فى قوة صوتها وفي قوة برامجها وفي قوة اهدافها . بقدر ذلك كله يكون اختفاء اصوات المحطات الاستعمارية عن محيطنا الفكرى والاجتماعى . أى ان حياة محطاتنا موت
لمحطات الاستعمار العربية اجمع ولما تحمله من سموم وأفكار . . وها نحن اليوم وأظن هذا حكما للغالب ندير مفاتيح اجهزتنا صوب المحطات العربية المدوية من سعودية ومن مصرية ومن سورية كما نصوب مفاتيح هذه الاجهزة في الوقت نفسه الى محطة باكستان الشقيقة . . مثلا نريد ان
نستمع الى كل شىء على حقيقته من هذه المحطات التى توليها ثقتنا كلها ، ونريد ان نفهم كل شئ من طريقها لانها لمصلحتنا و نريد ان تقوم مقام " الديدبان " الأمين للشعوب العربية والاسلامية ترد عنها عاديات القوم وتذود عن حياضها بلسانها النفاذ ونريد ان نستمتع بما فيها وقديما قيل :
جراحات السنان لها التئام
ولا يلتام ما جرح اللسان
ونريد منها أن تغذي حقول نشاطنا وان تملأ جونا اصلاحا وانعاشا وعلما وأدبا وعقلا وتوجيها ونريدمنها ان تنفخ فى ارواحنا سمواوشموخا وان تزيل من ارض بلادنا كل أثر لجراثيم الاستعمار التى طالما فتكت بمقدراتنا فالى الأمام على مدى الأيام يا محطاننا الاذاعية الحديثة . . الى الامام على الدوام
