اصل الشعب المصرى

Share

" يذكر القراء اننا كنا رددنا في " المنهل " على الاستاذ احمد حسن الزيات في حديثه الاذاعي الذي يقول فيه ان مصر منيت باستغلال واستعباد

٢٥ قرنا وان من مستغليها ومستعبديها العرب . . وقد قلنا في ردنا : ان مصر من العرب وللعرب قديما وحديثا

واتفق ان نشر سعادة الاستاذ السيد احمد عبيد ، مقالا اغر في مجلة روز اليوسف العدد الصادر فى ١٢ سبتمبر ١٩٥٥ اثبت فيه علميا وتاريخيا ان اصل الشعب المصرى هم العرب الذين نزحوا في اعرق الازمان من جزيرة العرب الى القطر المصري ، وها نحن نعيد نشره هنا لما فيه من تاييد للنظرية الصحيحة العميقة التى هى الحق العيان ولما فيه من متعة وافادة

هل المصريون عرب ؟ . . وما هى حقيقة " الفرعونية " فى تاريخ هذا الشعب الذى يقطن شمال وادى النيل من اقدم العصور ؟ . . وما السر في اثارة هذه " الفرعونية " على اقلام بعض الكتاب من حين الى حين ؟ . .

اسئلة نطرحها على القراء ، ونحاول - ونرجو ان يحاولوا معنا - ان نعرض لموضوعها بالبحث والدراسة فانه موضوع خطير فى جوانبه العلمية والتاريخية من جهة ، وفي نتائجه القومية والسياسية من جهة اخرى ولنعد الى التاريخ . .

ان شعبا من الشعوب لم تضطرب آراء الباحثين في أصوله كما اضطربت آراء الذين تعرضوا للبحث عن اصول

الشعب المصرى - وقد أسرف كثير من هؤلاء الباحثين اسرافا يصل احيانا إلى حد يدعو الى السخرية . . اذ ذهب احدهم ( دينون ) الى اعتبار المصريين من اصل قوقازي كسائر اهل اوروبا وذهب ( ونكلمان ) الى ان اصلهم من الصين وقال " هكسلي " بوجود قرابة بينهم وبين اهل استراليا القدماء

على ان التاريخ لم يعدم بعض المنصفين الذين تجردوا عن الهوى وحرصوا على امانة العلم ، واقاموا تحتهم على الاجتهاد الصادق فمنهم من قصر اجتهاده عن ادراك الحقيقة ومنهم من اصابها . . وتنحصر آراء هؤلاء الباحثين فيما يلى :

أولا - ان الشعب المصرى ينحدر من اصل افريقي وفد مع النيل من

الجنوب ، وقد دحض البحث العلمى هذا الرأى للاختلاف الكبير بين قدماء المصريين ، وسكان أواسط افريقيا في التكوين الجثمانى ، وفي مظاهر الحياة العقلية والاجتماعية . .

ثانيا ان الشعب المصرى ينحدر من اصل يتصل بشعوب البحر الابيض المتوسط . . وهذا الرأى لم يقم على دليل يعتد به . . واذا جاز ان يوضع هذا الرأى موضع الاعتبار . . فانه

يكون قابلا للمناقشة على اساس تحديد الأرومة الاولى للشعب المصرى التى نبتت في اقدم عصور التاريخ

ثالثا ان الشعب المصرى ينحدر من اصل ( سامي ) وفد اليه من جزيرة العرب عن طريق سيناء ، ويؤيد هذا الرأي مجموعة من الحقائق الجغرافية ، والجنسية والحضارية تجعل هذا الرأى أرجح الآراء . .

أما من الناحية الجغرافية فقد كانت جزيرة العرب متصلة بافريقيا الى ان ظهر البحر الاحمر ظهورا مفاجئا فصل بينهما وارتفع بسلسلة جبال السراة الغربية التى يصل ارتفاع احد جبالها ( النبي شعيب ) ١٢٣٠٠ قدم

فبلاد العرب والشمال الشرقي لافريقيا هي اذن منطقة جغرافية واحدة منذ القدم ، ومنذ اقدم عصور التاريخ كانت موجات من بلاد العرب تتدافع في ازمان القحط الى شمال وادى النيل ، ولم يمنع ظهور البحر الاحمر من استمرار هذه الهجرات

المتعاقبة . . ويقول المؤرخ المدققق " جيمس هنرى برستد " ان جماعات سامية هاجرت قبل العصور التاريخية المعروفة بزمن طويل من جزيرة العرب الى مصر عن طريق سيناء وان هجرات

اخرى تكررت بعد ذلك فى العصور التالية . .

وذكر المؤرخ القديم " بلين " ان العرب هم الذين بنوا مدينة هليوبوليس القديمة . .

وهذا دليل تاريخي على ان اول عنصر جماعي تكون منه الشعب المصرى منذ العهود السحيقة واستقر في هذه المنطقة ثم عززته افواج اخرى على توالى العصور هو العنصر العربى . . وهو اقدم واقوى عنصر طلع عليه تاريخ هذه البلاد

واما الدليل الآخر على عروبة الاصل المصرى فهو الدليل الحضارى المشترك بين حضارة العرب القديمة وحضارتهم في مهجرهم القديم بمصر وهذا الدليل يدحض قول الذين يحاولون ان يفرضوا على العرب سمة " البداوة " ويتجاهلون تاريخهم العريق في الحضارة هذا التاريخ الذي ما زالت آثاره قائمة

فى جنوب الجزيرة العربية وشمالها تؤكده الملامح الحضارية المشتركة بين العرب القدماء في وطنهم الاول والعرب المهاجرين الذين تكونت منهم النواة الاولى للشعب المصرى منذ اقدم عصور التاريخ ، ثم اقاموا في هذه البلاد حضارتهم التى اتخذت على مر العصور طابعا محليا بحكم البيئة الجديدة وان ظلت محتفظة بكثير من عناصرها فى اللغة وغيرها من مظاهر الحياة . .

وقد اثبت هذا النسب من ناحية اللغة كثير من المستشرقين العلماء بمقارنة اللغات امثال " أرمان و ليبلن " و " لوث " وستيندورف " وغيرهم فقد قرر هؤلاء ان قدماء المصريين ينحدرون من اصل ( سامي ) استنادا الى الحقائق اللغوية المشتركة

بين اولئك وهؤلاء . .

وقال ( جيمس هنرى برستد ) فى كتابه تاريخ مصر :

- المعروف ان اقواما ساميين من عرب آسيا غزوا وادى النين قبل العصور التاريخية المعروفة بزمن طويل وعمموا فيه لغتهم وصبغوه بصبغتهم ، كما هو ظاهر من النقوش المصرية القديمة ، وبالرغم مما اعترى

اللغة من تغيير . . وتحريف واختلاط السكان . . فقد حافظت اللغة المصرية القديمة على ( ساميتها ) على مرور الزمن ، ومما يجدر ذكره في هذا المقام ان هذه اللغة وجدت كاملة على الآثار منذ أقدم عصورها . .

ولا نريد ان تقتصر في هذا المقام على التدليل التاريخي القديم ولكنا نقدم دليلا حيا ندعو المتخصصين الى مشاهدته . .

ان في منطقة " تهامة " بالجزيرة العربية بلادا تعيش حتى يومنا هذا على الصورة التى حفظتها الآثارالمصرية القدماء المصريين في مختلف مظاهر حياتهم وبنفس التكوين الجثمانى . . والملامح الجنسية للمصريين القدماء . .

هناك . . في القنفذة ، والبرك ، والقحمة ، وضبيا ، وابو عريش . . والمضايا ، وجبال المسارحة ، وجلة الموت . . في هذه البلاد المتعددة تستطيع ان تشاهد اليوم صورة حية ناطقة للمصريين القدماء ابناء الجزيرة العربية ، كما خلدتها صحائف الآثار

وكتب التاريخ . . صورة تشمل جميع نواحي الحياة فى المأكل والملبس والاثاث . . واساليب الزراعة ، وغير ذلك من نواحي الحياة الاجتماعية . . فضلا عن التشابه الكبير في التكوين

الجثمانى الذى لم يطرأ عليه ما طرأ على السلالات المصرية المتعاقبة من تطور بعيد او قريب نتيجة اختلاط الاجناس على مر العصور . .

واذا تجاوزنا التاريخ القديم الذي مرت به مصر فى العصور القديمة : وما تعرضت له بعد هذه العصور من غزوات الفرس والاغريق والرومان نجد الدليل القوى الكامن فى اعماقها على عروبة اصلها . .

هذا الدليل هو امتناع عنصرها العربى الاصيل على كل هذه الغزوات الاجنبية واحتفاظها بكيانها وشخصيتها عبر ما مر بها من احداث واطوار . . حتى اذا ما تجددت الموجات العربية الى مصر فى العهد الاسلامى والتقت

الفروع بالاصول استجابت العناصر الكامنة في الشعب المصرى الى اصولها وانصهرت روحه فى معدنها الاصيل وعاد الشعب المصرى فى اقصر مدة عرفها تاريخ الشعوب عربيا فى لغته وتقاليده وعقيدته الجديدة . .

ولم تستطع هذه الموجات العربية ان تحدث هذا التطور في البلاد الأخرى التى امتدت اليها فى العهد الاسلامي الا من ناحية العقيدة فحسب ، بينما عجزت عن ان يتناول التطور اللغة ومقومات الحياة الأخرى . . لان تلك البلاد غير عربية الاصل كما كانت

مصر . . فلم تستوعب من العروبة الا دينها الجديد وظلت فيما عدا ذلك محتفظة بجميع مقوماتها الاخرى . . لانها من عنصر اجنبى تأبى الطبيعة البشرية ان يتفاعل مع العنصر العربى او يتحول إلى عنصر لا يتصل به فى منابته واعراقه . .

وبعد فهذه هي مصر العربية . .

فماذا يريد دعاة الفرعونية ان يقولوا والى أى غرض يهدفون ؟ . .

ان " الفرعونية " فترة من فترات التاريخ مر بها الشعب العربى فى مصر وليست اصلا متميزا ينفرد به هذا الشعب بين الشعوب ، وتاريخ مصر القديم حلقة فى سلسلة التاريخ العربى العام مرت به مصر فى تطورها البعيد

واذا كانت سماحة الاسلام قد كفلت في مصر حرية العقيدة . . فظل فريق من ابنائها العرب وغيرهم من سلالة الأجانب المتمصرين الوافدين عليها من جنوب اوروبا مقيمين على المسيحية التى وفدت الى مصر فى فترة من فترات تاريخها . . كما وفدت على غيرها من البلاد العربية . .

فان اختلاف العنصر الاصيل او الدعوة الى عنصرية معينة لم يثبت وجودها منفصلة فى التاريخ . .

وهذا الاختلاف في العقيدة الدينية لم يمنع عظيما من عظماء الاقباط في مصر ان يجاهر بهذه الحقيقة الكبرى

فقد قال الاستاذ مكرم عبيد فى مقال له بمجلة الهلال عدد ابريل سنة ١٩٣٢:

" نحن معشر المصريين عرب جئنا من آسيا ويمتد اصلنا القديم الى الاصل السامى الذى هاجر الى بلادنا من الجزيرة العربية " . .

اذن فالدعوة إلى " الفرعونية " التى تناولتها بعض الاقلام في هذا الوقت دعوة لا تستند الى اساس سليم من حقائق التاريخ ولا تستهدف غاية بريئة من الناحية القومية . .

انها دعوة " شعوبية " كانت تطفو فى عصور الانحلال وكان يغذيها

الاستعمار بمشاعر الكبرياء الكاذب ليدعم سياسته التى ادت فى وقت ما الى تمزيق وحدة العرب وتجزئة وطنهم الواحد . .

وهذه الشعوبية الرجعية لو قدر لها ان تنتشر فى البلاد العربية فماذا تكون النتيجة ؟ . .

تكون قيام ما يسمى بالفرعونية فى مصر . . والاشورية فى العراق . . والفينيقية فى سوريا ولبنان وغيرها فى البلاد الاخرى . .

وليس في أى بلد من هذه البلاد فرد واحد يرضى بان يستبدل بعروبته ودينه تلك المظاهر البائدة للحياة القديمة لا من حيث العقيدة ، ولا من حيث الحياة الاجتماعية بمظاهرها المختلفة . .

هى اذن فتنة عجز الاستعمار عن ان ينجح في اشعال نارها فتطوع فريق من الناس باثارتها عن غفلة او عن عقيدة او عن سوء قصد . .

ومن العجيب ان يظل لهذه الدعوة وجود فى هذا العصر الذي يخلق فيه الشعوب اسباب الوحدة لتبلغ بها من القوة والتعاون ما تريد - حينما نهدر نحن ما نملك من العناصر الأصلية والاسباب العريقة لوحدة الامة العربية

وان مصر اليوم بالذات فى وضع يفرض عليها ان تتشبث بعروبتها . . هذه العروبة الممتدة فى اعراقها الى ابعد عصور التاريخ والتى غذتها روافدها الجنسية واللغوية والدينية عبر العصور والاجيال . . لانها فى مقام الزعامة من العالم العربى . . . ولان الامة العربية تخوض معركة حاسمة من معاركها التاريخية التى طالما غيرت بها وجه التاريخ . .

اشترك في نشرتنا البريدية