وقر فى أذهان الناس ان الاسد هو ملك الحيوانات بلا منازع ، وان جميع الحيوانات التى تشاطره الحياة فى الغابة يكون من اولى التزاماتها تقديم فروض الولاء والطاعة له كرها أو طواعية .. والذى دفع الناس الى هذا الاعتقاد ما عرفوه عن الاسد من قوة بأسه وشدة بطشه ، وعنفه فى الفتك بفريسته .. فقد رويت قصص لا حصر لها عن طبيعة الاسد وتركيبه الفسيولوجى ، واعتدائه الغاشم على بنى جنسه من القاطنين معه من الحيوانات فى نفس الغابة .. !
ولكن الدراسة التى تهيأت لى الفرص للقيام بها ، والتحقيقات العلمية التى أجريتها على حياة الاسد والنتائج التى خرجت بها من تلك الدراسة تجعلنى اقف موقف المعارضة من اولئك الذين وضعوا تاج الملك على رأس الاسد واجبروا بقية الحيوانات على مبايعته ملكا على (( المملكة الحيوانية المتحدة ذات الصبغة الامبراطورية )) !
صحيح ان علائم الوحشية تبد على سيماه ، وصحيح ان بوادر الهمجية ترقص فى مخلبيه ، وصحيح ايضا
ان تباشير الغدر والفتك تظهر فى عينيه .. ولكن الذى يعادى الواقع ان نفسيته - اقصد طبيعته أو فسيولوجيته - ليست على جانب كبير من الشراسة .. ذلك لان الاسد يتحاشى ايقاع نفسه فى ورطة او مشكلة يتعذر عليه التنصل منها !
واذا لم تبادر بأيذائه فانه يبتعد عنك ويتركك لشأنك ولا يتعرض سبيلك .. انه يفكر فى أكلة دسمة ، ويفضل ان يفترس من بنى جنسه من الحيوانات ، كالثور والحمار الوحش والوعل ، من أن يضيع جهده فى افتراس ابن آدم ضعيف لا يزيد وزنه عن تسعين كيلوا من اللحم والعظام والشعر !
انه خمول الى حد لا يمكنك تصوره كسول الى حد.يصعب معه التصديق ثقيل فى حركته متراخ فى عضلاته .. ولكنه نهم أكول لا يبالى بنوعية الاكل ضارا أو نافعا ، حتى انه يلتهم الجيفة التى مضى على موتها أسبوع !
ومع بطئه وخموله وثقله فأن فى امكانه ان يقطع تسعين مترا فى ثلاث ثوان الا ربع الثانية .. ولعلك تسألنى
كيف يفعل ذلك ؟ .. انه يقوم بذلك بالوثب والانقضاض فى حالة اصطياده فريسته .. قد تبلغ الوثبة الواحدة عشرين قدما وقد لا تبلغ الا اربعة عشر قدما ونصف .. على اية حال ، انه يقطع مسافة طويلة بالقفز كل يوم ..
لقد عشت فى الغابات ثلاث سنوات متتالية وقفت خلالها على حقائق كثيرة عن حياة الاسد ، الملك المتوج الذى إذا زأر - ليلا او نهارا - ارتعدت فرائص سائر سكان الغابة ارتعادا يسبب لها الارتعاش .. بل منها ما يغمى عليها كالحمار الوحشى والجاموس البرى اللذين يفقدان أعصابهما .. وبالتالى يفقدان طعم الحياة عندهما !
وكثيرا ما لاحظت الاسد يباسط حريمه - يقصد لبواته - بحركات لا تدل الا على هستيريا غريزية ، أو ما نطلق عليه نحن فى عالم الحيوانات الناطقة - روح المداعبة والايناس - يضاف الى هذا ان الاسد عندما يكون مع الجنس اللطيف الذى يلزم الصمت فى مجلسه - يرى اعداد غذائه بنفسه حطا من كرامته ومساسا بقوته الشخصية ، ولهذا فانه فى هذه الحالة يصدر أمره الى احدى (( الشابات )) بالذهاب فورا الى وسط الغابة والبحث عن فريسة دسمة وتقديمها له سريعا على مائدة الغداء ! ..
ويشعر الاسد بالحقد والكراهية الحمقاء نحو طير الباز والضيع .. ويحس بلذة متناهية عندما يجد على مائدة العشاء عددا من الضباع .. أو يلمح الباز يحوم حول عرينه .. انه يثور كالبركان ويحاول اغتيال الباز مهما كلفه الامر من جهد وعناء !
ويؤثر الاسد - عادة - تناول حمار الوحش او الوعل لانه يسهل عليه اصطياده .. فهما مخلوقات تحب الحياة الجماعية ، والمعيشة التعاونية اذ أنها تسير فى قطعان كبيرة فى صفوف منتظمة ، وبذلك يسهل عليه الانقضاض عليها دون ما حاجة الى صرف مجهود كبير ، وهو يتناول طعامه فى شراهة ونهم زائدين ، ويلطخ فمه بدم فريسته فى زهو وخيلاء ..
والاسد يأكل طعامه قبل غيره من أفراد عائلته ، فهو لا يسمح لحريمه واطفاله بأن يجلسوا على المائدة قبله الا بعد أن يمتلئ بطنه أولا .. ولكنه فى بعض الاحيان يسمح (( للسيدات )) - اللبوات - ان تلتهم طعامها قبله لتتفرغ لخدمته ورعايته عندما يتربع على مائدته .. وهى دائما دسمة وعامرة بالمشهيات ! ..
ويتمتع الاسد بأجهزة عديدة للقتل
فان جهازه المجموعى يحتوى على مخالب حادة كالسيوف الماضية وأنياب كبيرة تبرز فى وضوح عندما يرسل الصيحة مدوية فى سكون الغابة .. وله اظافر شرسة مثبتة فى كل مخلب يستعملها عند الهجوم على فريسته ويشبثها فى جسمها (( كالكلاب )) فلا تستطيع المسكينة فكاكا من بين قبضته ، اضف الى هذا تلك العضلات الجبارة المحيطة بأقدامه ، وكميات اللحم المتآكل المتجمع بين اسنانه .. كل هذه الاسلحة التى يملكها الاسد جعلته حيوانا من افتك الحيوانات اطلاقا .. ولكنه فى الوقت نفسه من اكثرها لطافة وتهذيبا إذا صح ان ننسب الى
الحيوانات الغير ناطقة صفة التهذيب !
وقد صادف ان دخل أسد فى خيمتين ليلا وطاف بهما بضع دقائق الى أن عثر على عشائى وعشاء رفقائى المكون من لحم الغزال فراح يلتهمه فى لقمة واحدة ثم تسلل خفيفا الى خارجها ، ولكن المنية عاجلته فقد كان ابنى الشاب يتربص به منذ دخوله الخيمة .. لقد هتف ابنى هتاف النصر BRAVO فقد أرداه قتيلا بثلاث رصاصات صوبها نحو جبهته العريضة ، وعنقه الضخم ! ..

