باب النقد الادبي
قال أرسطو : ( من المناقشة ينبثق النور )
اذا آمنا بالمبدأ القائل ان النقد أو التحليل الادبي علم له اصوله وقواعده ، فيصبح من البدهى ان نتفق على أن اصدار أي حكم فى هذا المجال يجب أن يكون على أساس علمي وليس جزافا ، أي أن نقيم البينة ونعطي الدليل ونمعن النظر في فحص كل الحيثيات قبل أن نقرر أى شئ .
ومعلوم ان كلمة (( رومانطيقي )) أو (( رومانسى )) كلمة غريبة . . من حيث هى كلمة في دنيا الكلام . . ومن حيث اصلها في عرف علم اصول الكلمات (( .Etymologie )) ناهيك بالمعنى الذي تدل عليه في دنيا الادب كمذهب أو مدرسة واتجاه معين له قوالبه الخاصة وسماته المميزة منذ ازدهر في اوروبا في القرن التاسع عشر الميلادى .
ولا يجوز لأى كاتب أو ناقد أن يسمح لعاطفته أن تطغى على فكره وتدفعه الى طمس الحقائق فيهب زيدا ما هو لعمرو أو العكس على أساس تقدير خاص لشخص بعينه أو من قبيل الاعتزاز المحض بقومية ما . اللهم الا اذا كان ذلك من باب الفرض والتخمين الشخصيين فقط ، على أن يذكر الكاتب ذلك
صراحة ويدعمه بأدلة يستنتج منها أمام القارئ فرضه وتخمينه ولا يصوغه في صيغة التقرير النهائى ، خصوصا اذا افتقر حكمه الى البرهان والدليل . ثم لماذا نلهث في الشرق وراء الغرب ومدارسه نقيس عليها تراثنا وحاضرنا ؟ أهى عقدة نقص نحاول سده ، أو عدم ثقة في تراثنا ومذاهبنا الأدبية ؟! ان للغرب دنياه وفلكه ولنا في الشرق دنيانا وتراثنا ، والتقدم والأصالة ليس شرطا أن ينسجما مع مذاهب الغرب، والابداع والتفوق يتحققان بالقدرة والاصالة وليس بأن يكونا طوعا للقياس بمقاييس الغرب أو الشرق . فلكل أمة طريقتها في الحياة والفن ، كما أن لكل انسان علامات جسمانية ونفسية وغريزية تميزه عن غيره . والانسجام أو التوافق قد يكون وقد لا يكون ، ولكنه ليس شرطا أن يكون .
ذكرني بهذه الافكار حكم حز في نفسي أن أطالعه على صفحات الجزء العاشر من السنة السادسة والثلاثين الصادر في شهر شوال ١٣٩٠ه - ديسمبر ١٩٧٠م من المنهل الأغر ، في مقال عن الأعشى كان في نظرى خدعة كبرى
للقارئ العادى في اسلوب منمق تنقصه الحجة ويعوزه البرهان . ومعذرة ان قسوت فهذه هى الحقيقة التى كان يجب أن لا تكون - اذ كيف يمكن للسيد محمد يعقوب تركستاني ان يقول على الصفحة ١٢٢٥ من العدد المذكور بالحرف الواحد بصدد ((الرومانطيقية)) : ((ولا يظن ظان ان هذا الاتجاه ظهر أول ما ظهر في ((أوربة)) في اوائل القرن التاسع عشر ليعبر عن الروح التي أشعلتها نيران الثورة الفرنسية التماسا للتطور الاجتماعي والاقتصادى لأن هذا الاتجاه وليد العصر الجاهلى . . هو ابن العرب . . والاعشى قد تبناه . . )) .
وفي هذا القول عدة مغالطات وحقائق مطموسة لا تخفى على أى مطلع ، أولها التحذير من الظن بأن الاتجاه الرومانطيقى ظهر أول ما ظهر في أوروبا في القرن التاسع عشر ، مع أن هذه حقيقة تاريخية لا تخفى على أى تلميذ ثانوى أصغى باهتمام لدروس معلمه . ثم منذ متى كان في اللغة العربية مصدر لكلمة ((رومانطيقي)) وماذا عن اخبار هذا المصدر وتأريخه ان وجد ؟ ان العلم يفرض التحليل والبحث واقامة الدليل واستنباط البرهان قبل التفوه بالحكم ، لأن ذلك يؤثر على مجموعة كبيرة من البشر خصوصا إذا تم نشره في مجلة راقية واسعة الانتشار كالمنهل الأغر . اننى مع احترامى للعاطفة التى أملت على الكاتب كلماته الكبيرة التى خدعت القارئ العادي بأن زودته بمعلومات خاطئة لا سند يؤيدها ولا حقيقة تأريخية تثبتها ، لا أوافقه على الاستسلام للعاطفة لتزوير الحقائق ، وان هذا يخرج عن باب الاجتهاد الحر المباح خاصة وان الكاتب لم يذكر حجته فى ذلك ولم يستشهد لا بقصيدة ولا بيت ولا حتى شطر أو كلمات
معدودة يمكن أن تسمح له باستنتاجه الخاطئ . . ان العلم شيء ومحاباة القارئ شيء آخر . ومهمة الكاتب الأمين تتمثل في نقل معلومات صحيحة للتوعية والتثقيف وليس مداعبة عواطف القارئ ودغدغة أحاسيسه واللعب بعزته القومية لطمس الحقائق وتشويهها ثم لاستجلاب الاعجاب والتقدير .
ان الأعشى كان عربيا وشعره وكل ما قاله كان وما زال عربيا فصيحا ، وكلمة (( رومانطيقى )) لم تكن ولن تكون الا أوروبية المصدر والمولد، سواء أكانت كلمة مجردة في عالم الكلمات أم مذهبا واتجاها في دنيا الفن والأدب ، هذه حقيقة تاريخية لا يجوز طمسها او قلبها مهما كانت الاسباب ولكل أمة ما تعتز به . المقارنة جائزة ومباحة ، وعلى أساسها يجوز عقد مقارنة علمية ، مدعومة بالدليل المادي تحت سمع وبصر القارئ .. بين الأعشى أو غير الأعشى من شعراء قدامى أو مخضرمين أو عصريين من الناطقين بالعربية في دنيا الشرق،وبين شعراء المذهب الرومانسي أو غيره من المذاهب الفنية والادبية في الغرب ولكن دونما تطاول الى قلب الحقائق ، كمن يقول باطلا وزورا: ان الاسلام مأخوذ عن المسيحية ، وان الشيوعية مأخوذة عن الاسلام .
((الرومانطيكية)) كلمة غربية نشأت وترعرعت في أوروبا ، و ((الرومانطيكية)) مذهب فني وأدبي نشأ وترعرع في أوروبا ، ومن يقول أنها ولدت في أحضان قوم الأعشى وازدهرت في مضاربهم فقد أعتدى على الحقيقة وطمسها وشوهها . وهذا ما يأباه العلم ويرفضه ضميره . ولقد استرسل السيد التركستاني بعد أن أطلق هذا الحكم جزافا في تكهناته التى كان يصوغها دائما في
صيغة التقرير النهائي حتى يظن القارئ أنه الحق الذى لا مراء فيه ولا يرقى الشك اليه دون أن يستعرض مع القارئ ولو شطرا واحدا أو مصراعا من بيت للأعشى يقيم على أساسه الدليل على صحة ما تكهن وفكر .
وقد ذكر السيد التركستاني من جملة ما ذكر عن مفهوم ((الرومانطيقية)) عند الغربيين أنها أمر وسط بين الكلاسيكية والواقعية ((Realismus)) دون أن يشير الى المرجع الذى أخذ عنه هذا التقرير الخاطئ . ((فالرومانطيكية)) وان كانت في شدة ازدهارها وعنفوانها تقع في فترة زمنية تفصل بين الفترتين اللتين ازدهر فيهما كل من الاتجاهين الكلاسيكي والواقعي الا أنها لم تهدف أبدا إلى ايجاد حل وسيط .Kompromiss أو توفيق بين الاثنين ((Synthese. )) أبدا وانما كان ذلك أمر زمني محض ، وأورد هنا النص الكامل لما أوردته دائرة المعارف الالمانية (بروك هاوس) عن أصل كلمة (( رومانطيقي romantisen )) وتطور معناها الى المذهب الأدبي والفني المعروف والنص بالالمانية هو :
(( Romantisch bedeutet urspruenglisch soviel wie 'romanhaft' ' fabulies', veredelte sich dann zum Begriff des Gefuehlvollen, Ahnungsreichen im Gegensatz zum Verstandmaessigen und vertiefte sich zu einer Welt - und Lebensanschaung, die alles Dasein als ewiges Werden, das Einzelne als Ausdruck eines Unendlichen auffasst."
وها أنذا أترجمه الى العربية بأمانة بما يلى: )) كلمة رومانطيقي تعني أساسا ما يشبه الى حد كبير ما تعنيه كلمات ( خيالى أو قصص) و(أسطورى) ثم تسامت فيما بعد الى معنى (دقة الاحساس) و (ثراء المعرفة) بالمضاد لمعنى (حسب الفكر أو التفكير) ثم تعمقت الى نظرية دنيوية وحيوية تقول ان كل موجود هو متطور دائم وان كل مفرد أو فرد ما هو الا تعبير عن اللانهاية)) .
هذا هو التعريف المختصر والملزم للرومانطيقية عند الاوربيين نقلته بأمانة وبحذافيره عن مرجع موثوق به ومعتمد من قبل جميع الاكاديميات والجامعات والجهات العلمية في المانيا خاصة وأوروبا عامة كدائرة معارف المانية ثقافية ذات وزن واعتبار .
وأظن أن السيد التركستانى لن يجد ما يمنعه من قبول هذا المرجع وليس في تعريفه ما يؤيد قوله عن الرومانطيقية ومفهومها عند الغربيين اذ ليس به أية اشارة الى المركز الوسط بين الكلاسيكية والواقعية بل هو شئ قائم بذاته ومستقل عما سواه بعكس ما قرر السيد التركستاني .
ولكن هذا كله لا يمنعني من الثناء على عذوبة اسلوب السيد التركستاني وطلاوته وما ينم عنه تفكيره من مقدرة على الاستنتاج لو اتخذ سبيلا، من المنهج العلمى الصحيح عن طريق الدرس والمقارنة ثم الاستنتاج والحكم تحت سمع وبصر القارئ . فان ذلك وحده يمكن أن يؤتى ثمار ناضجة ويحقق منفعة للكاتب والقارئ على السواء .
مونستر - المانيا الغربية في ٣٠-١٢-١٩٧٠م

