فى الحلقات الاربع الماضية تحدثنا لكم - معشر القراء - عن الافلاج من الناحية التاريخية عبر عصور مختلفة حتى القرن الرابع الهجرى حسب التقريب . وفي هذه الحلفة نتحدث اليكم عن الافلاج حعبة مجهوله التاريخ وانما نلتمس هنا لمحات تاريخية ضئيلة وعسى ان أوفق لعرض قليل من الجوانب التاريخــىه .
قرون مجهولة التاريخ
القبائل التى تسكن بالافلاج فى صدر الاسلام وهى : بنو جعدة وهو قشير وبنو الحريش : وهم من ابناء صعصعة - هؤلاء ، زال ذكرهم من المصادر التاريخية في غضون القرن الرابع ولا نعلم لهم بعد ذلك اى خبر ،
شحت المصادر بذلك . الا ان الهمدانى يقول : ان بنى الحريش جاورت باليمن وانقرضت منال وفى بداية زوال ذكرهم زال ذكر الافلاج من المراجع التارىخيه وذلك لبعدها عن مواطن العلماء والمؤرخين اذ انحصر تأليف المؤرخين على البلاد التى يقيمون فىها او عن رحلات يقومون بها يسجلون فيها مشاعداتهم ،
وبعضهم صار ينقل من المراجع القديمة التى تؤدى نفس المعنى . . وساعد على ذلك تدهور الحكومات فى تلك القرون وانقسامها وانكماش بعضها عن الاخرى وذلك مما أدى الى انزواء ، بعض البلدان عن مراجع التارىخ مىل جنوب نجد جميعه .
والآن نعرض بعض الأقوال التاريخية مع مناقشتها فهذا ناصر خسرو الرحالة الفارسى قام برحلة الى بلاد كثيرة منها : بيت المقدس ومصر والحجاز ونجد . وقد زار الافلاج وتحدث عنها فى رحلته سفر نامه . ولاهمية حديثه هذا نسوقه بكامله لما فيه من وصف شامل لحياة سكان الافلاج الاجتماعية فى القرن الخامس الهجرى قال : فلج : ومن مكة اليها ثمانون ومائة فرسخ وتقع ( فلج ) هذه وسط لبادية وهى ناحية كبيرة ولكنها خربت بالتعصب. وكان العمران .حسن
زلناها فاصرا على نصف فرسخ فى ميل عرضا . وفى هذه المسافة اربع عشرة قلعة للصوص والمفسدين والجهلة . وهى مقسمة بين حزبين بينهما خصومة وعداوة دائمة وقد قالوا لنا : انهم من اصحاب الرقيم ( ٢ ) الذين ذكروا فى القرآن الكريم ، وهناك اربع قنوات سقى منها النخيل . أما زرعهم ففى أرض عالية يرفع اليها معظم الماء من الآبار وهم يستخدمون فى زراعتهم الجمال لا الثيران ولم ارها هناك ، وزراعتهم قليلة . واجر الرجل في اليوم عشرة سيرات من غلة يخبزها أرغفة . ولا يأكلون الا قليلا من صلاة المغرب حتى صلاة المغرب التالية كما فى رمضان . ويأكلون التمر أثناء النهار . وقد رأيت هناك تمرا طيبا جدا احسن ، ما فى البصرة وغيرها . والسكان هناك فقرا ، جدا وبؤساء . ومع فقرهم فانهم كل يوم فى حرب وعداء وسفك دماء . . . ومعاملتهم بالذهب النيشابورى وقد لبثت بفلج هذه أربعة اشهر فى حالة ليس اصعب عنها لم يكن معى من شؤون الدنيا سوى سلتين من الكتب والناس جباع وعراة وجهلاء .
ويلنزمون حمل الترس والسيف . اذا ذهبوا للصلاة ولا يشترون الكتب . وكان هناك مسجد نزلنا فيه . وكان معى قلىل من اللونين انقرمزى واللازوردى ، فكتبت على حائط المسجد بيت شعر ووضعت في وسطه ورقة الشجر . فراوه وتعجبوا . وتجمع أهل القلعة كلها لبتفرجوا عليه وقالوا لى : اذا تنقش محراب هذا المسجد نعطيك مائة من . تمرا . ومائة من تمرا عندهم شى كتبر . فقد اتى - وانا هناك - جيش من العرب وطلب منهم خمسمائة من تمرا فلم يقبلوا وحاربوا ، وقتل من اهل القلعة عشرة رجال وقلعت ألف نخلة ولم يعطوهم عشرة امنان تمرا . وقد نقشت المحراب كما اتفقوا معي . لنا فى المائة (( من )) التمر عون كبير اذ لم يكن ميسوراان نجد غذاء . ولم يكن لدينا أمل فى الحساة . .
ولم نكن نستطيع ان نتصور خروجنا من هذه البادية اذ كان ينبغى للخروج منها عن اى طريق اجتياز مانتى فرسخ ، عن الصحراء كلها مخاوف ومهالك
ولم ار في الاشهر الاربعة التى اقمتها ـج خمسـ من القمح فى اى مكان . . وأخيرا اتت قافلة من اليمامة لاخذ الاديم وحمله الى الحسا . فانه يحضر من اليمن الى ( فلج ) حيث يباع للتجار ( ٣ ) الخ . . حيث رحل مع الفافلة الى البصرة .
هذا هو النص الذى جاء فى رحلة ناصر خسرو وفيه تبيين جوانب مهمة للباحث عن حباة أهل الافلاج في القرن الخامس الهجرى . . فيما وصلوا اليه من الانحطاط الاجتماعى والاقتصادى والعلمى ، وقد أفادنا بأن قلاع بنى قشير ما زالت قائمة في زمنه بخلافها الآن اذ أضت خرابا يبابا . . وأخبرنا بأن عيون الافلاج تسقى النخيل . . واخبرنا بما هم فيه من جهل مطبق وقتال دائم ونقر مدقع . . والذى نحن فى حاجة اليه ولم يخبرنا به ناصر خسرو هو من هم القبائل التى تسكن الافلاج في ذلك العهد . وهذا ما لم يتطرق اليه ، ولعله لم يعرفه هو ولو عرف ذلك لحدثنا عنه وقد سألهم من هم ؟ فقالوا له أنهم اصحاب الرس الذين ذكروا فى القرآن . غير انه أشعرنا بأنه كان يسكن بالافلاج قبيلتان حيث ذكر انهما كل يوم فى صراع وقتال وهذا لا يكون الا بين القبائل المتباعدة .
و فصيل الرحلة شئ واضح . ومن أراد أن يعرف جوانب اكثر عن حياة الافلاج الاجتماعية فليتفحص الرحلة فقد تظهر له جوانب عديدة من ذلك . . واعتقد أن حالتهم الاجتماعية تلك التى وصفها خسرو اعتدت قرونا عديدة .
واسمع هنا بالافلاج أن قبائل عديدة انساحت بالافلاج فى حدود القرن السابع الهجرى تقريبا ومن
هذه القبائل قبيلة المغيرة . يدل على كتابة وجدت في قرية الغيل - بالفين ، على حجرة . . رويت ذلك عن ثقة يقول : ان تلك الكتابة تقول : (( هذا محل زيد ابن فهيد المغيرة التاريخ سنة ٨٦٥ ه ، هكذا سمعتها من الثقة . ويدل على ذلك روايات متواترة لدى اهل الافلاج . وكذلك وجود قبائل منهم ما زالت الى الآن بالافلاج ، وهما : قبيلة الفهيد وقبيلة البشر . ومن القبائل ايضا بعض القبائل العدنانية ، مثل بنى تغلب ومنهم الآن : المصارير والحقبان . . وقبيلة الشثور القحطانية ولها شأن عظيم فى ذلك الوقت وأحاديث كثيرة وذلك قبل ظهور الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله . وقبيلة الحامد من الاشراف وسوف نستوعب الحديث عنهما ضمن الحديث عن تاريخ الافلاج بالقرن الحادى عشر الهجرى لانهما فى
ذلك الوقت كانتا من سكان لافلاج . وما زال لهما عقب بالافلاج حتى اليوم . .
والخلاصة : ان الافلاج كان سكانها مجهولين فى القرن الخامس والسادس الهجربين وعلى وجه التقريب فى القرن السابع الهجرى حتى العاسر . وكان فيها خليط من العرب من قبائل طى والشور وبعض القبائل العدنانية كبنى تغلب وجز ، من قبيلة عنزة وهم النتافات كانوا فى البديع فى القرن الثامن والتاسع الهجريين ، ثم صاروا إلى قرية الهدار بالافلاج . ولهم حديث شيق ( ٤ ) سوف نتطرق له فيما بعد ان ىــاء الله .
وبعد فهذه نبذة مقتضبة عن الافلاج من القرن الخامس الهجرى حتى الثامن . وفى الحلقة السادسة سنتحدث عن هذه القبائل وعن حالة الافلاج حينذاك وعن الخرافات التى كانت سائدة فيه قبل ظهور الشيخ ابن عبد الوهاب وما كانوا فيه من جهل وقتال لا يقل عما وصف ناصر خسرو فى القرن الخامس .
( للحديث صلة )

