في الحلقتين الماضيتين تكلمنا عن قرى الفلج والمزارع الواقعتين في السهول التى بشرقى جبال العارض بمسيرة ضحوة مطية .. وفي هذه الحلقة نتحدث عن قرى الافلاج التاريخية الواقعة في جبال العارض من برك الشطبتين جنوبا . وسنغمض العين عن القرى الحية الآن الا اذا كانت قائمة على أنقاض قرى تاريخية ودعونا أخوتى القراء نبدأ بالقرى من الشمال حتى الجنوب .
١ - غلغل :
من قرى الافلاج التاريخية الواقعة في العارض شمالا . وغلغل هو الجزء الجنوبى من شعب شطاب الشهير (( وهو المعروف قديما بالورة )) وبغلغل آثار قرية تاريخية حيث الجدر والنخيل الخاوية - كما
قال لى المؤرخ عبدالله الفالح - وما زال بعض النخيل قائما ويشهد بذلك قول الاصفهانى (( وبأعلى واديه - وادة الورة - ايضا واد لهم يسمى غلغلا وفيه نخل كثير )) (١) وما زالت بعض الآبار باقية يردها البادية ، وبعضها اندثر وبقيت آثاره . وكان غلغل منزلا لبنى جعدة ، حيث قال عنه الهمدانى : (( وباقى بنى جعدة بلد يقال له الغيل به الزرع والآبار والحصون وبغلغل والثجة )) . . وغلغل اليوم يعرف بهذا الاسم نفسه ، وقريته همدت واندثر .
٢ - حراضة :
ضبطها الهمدانى بضم الحاء المهملة وتعرف الآن - بالفتح - قرية قامت على القرية التاريخية . . وحراضة تقع في أعلى وادى حراضة الذى يعارض سيلها سيل وادى الغيل . . وعن حراضة قال الهمدانى : (( وباقى بنى جعدة بلد (٢) يقال له الغيل ..
وبحراضة )) والهمدانى لم يوضح غير سكانها وهم بنو جعدة . . وحراضة ذكرها ايضا محمد بن بليهد، ولكنه ذكر لا يشفي الغليل(٣) وحراضة ما زالت الاسم التاريخى الى اليوم وتبعد عن ليلى ب ٩٦ كيلا شمال غربيا عنها وسوف نكمل الحديث عنها فيما بعد من الناحية الحديثة .
٣ - الغيل :
شمال غربى ليلى بـ ٣٢ كيلا : قرية تاريخية قديمة قامت على أنقاضها قرية الغيل الموجودة اليوم . . الغيل ذكره جميع المؤرخين فقال عنه الاصفهانى : (( ولجعدة واد يقال له الغيل بين جبلين ملآن نخيلا وبأعلاه نفر من بنى قشير لهم أموال كثيرة ، وبه ايضا منبر وبين الغيل والفلج سبعة فراسخ او ثمانية (٤) فالاصفهانى رحمه الله وضح لنا سكانه وهم بنو جعدة وابرز لنا كثافة نخيله وبعده عن الفلج ، وأوضح موقعه بأنه بين جبلين .. ومن كلام الاصفهانى تتضح لنا عظمة الغيل التاريخية .. وذكره ايضا الهمدانى وقال : فيه كثير من الزروع والنخيل وذكر ايضا ان سكانه بنو عبد الله بن جعدة (٥) ،
وذكر الغيل ابو علي الهجرى في تحديد المواضع قال : (( الغيل : قال ابن صالح اللبينى أبو مدرك :
جعدية بمعانى الغيل محضرها
وبالحمى من أعالى النير مبداها
انى لاغبط جيرانا تجاورهم
بقرب مصبحها منهم وممساها
انى لأغبط - والرحمن - قيمها
بنعمة الله اذ انطاه اياها (٦) ))
ومن ذلك قول البحترى الجعدى :
ألا يا ليل قد برح النهار
وهاج الليل حزنا والنهار
كأنك لم تجاور أهل ليلى
ولم يوقد لها بالغيل نار
ويقول عثمان بن صمصامة الجعدى وقد مر به حمزة بن عبد الله بن قرة يريد الغيل:
وقد قلت للقري ان كنت رائحا
الى الغيل فاعرض بالسلام على نعم
على نعمنا لا نعم قوم سوائنا
هى الهم والاحلام لو نفع الحلم
فان غضب المقرى في ان بعثته
اليها فلا يبرح على أنفه الرغم (٧)
هذ اما ذكر ابن بليهد ولم يزد عما ذكر الهمدانى والأصفهانى شيئا جديدا . هذه الغيل التاريخية وسوف يأتى الحديث عن غيل اليوم فيما بعد - ان شاء الله -
٤ - الصدارة :
كانت قرية تاريخية تقع في أعلى وادى الغيل غربى مدينة ليلى ، وتقوم على أنقاض الصدارة قرية الستارة احدى قرى الافلاج. والصدارة كانت قديما منازل بنى جعدة كثيرة النخل (٨) . . وتبعد الصدارة عن الفلج بأكثر من اثنى عشر فرسخا تقريبا .
٥ - وادى أكمة :
من أشهر أودية الأفلاج التاريخية وأكبرها يصب من أعالى جبال العارض ويصب في البياض شرقى الفلج (( طوله أكثر من ١٠٠ كيل تقريبا )) . والأكمة ذكرها جميع المؤرخين وأكثر الشعراء من ذكرها في أشعارهم ومن ذلك قول لعبادة بن البراء أحد بنى عبد الله ابن جعدة وهو مسجون فى حجر :
فان تبت عن اسراف نفسى لم أتب عن اللهو ما ساف الثريا رقيها وشرب مصفاة ملاء زجاجها بايمان فتيان كريم شريبها
الى أن قال :
ألا أيها الغادى بأكمة أهله سقى الله مسقى الغيث أرضا تؤوبها فأبلغ عنى اهل كرز (٩) رسالة طويلا بحجر حبسها ونشوبها لقد ضم سجن الهاشمى عصابة تراها جميعا وهى شت شعوبها
الى أن قال :
ذكرتك والحداد يقفل قيده على الساق من عرجاء عاركعوبها (١١) ترى لثوب منى مالصا وهو سابغ سريع الى الداعى المضاف وثوبها
ومن ذلك ايضا قول الشاعر بزيع بن جيهان الضبابى :
ان العقيد غدا لو ان صريخنا ورد العقيق لعزنا المهيوب وبحافة الفلجين أكبر عزنا وبجنب أكمة مصرخ ومجيب
وعنها قال القحيف الحميرى :
سلوا فلج الأفلاج عنا وعنكم وأكمة اذ سالت سرارتها دما
(( وقال أيضا مصعب بن الطفيل القشيرى فى زوجته العالية وكان قد طلقها :
اما تنسيك عالية الليالى وان بعدت ولا ما تستفيد اذا ما اهل أكمة زدت عنهم قلوصى زدهم ما لا أذود فواف كالجهام مشردات تطالع أهل أكمة من بعيد
وقال أيضا يخاطب رجلا من بنى جعدة
منزله في أكمة حيث تنزل زوجته المطلقة العالية :
كأنى لجعدى اذا كان أهله بأكمة من دون الرفاق خليل فان التفانى نحو أكمة كلما غدا الشرق فى أعلامها لطويل (١٢)
هذا ما قيل من الشعر في أكمة وان كان هناك غيره لم اقع عليه .
وأكمة هذه ذكرها الاصفهانى والهمدانى وابن بليهد وابو على الهجرى . . يقول الأصفهانى عن أكمة : (( قرية بها منبر وسوق وهى لجعدة الا قليلا من أعلاها لبنى قشير وكرز ساقيتها وأكمة بين جبال (١٣) .
وذكر أكمة أيضا الهمدانى فقال : ان أول جزع منها الروقية ، والروقية كانت قرية من قرى بنى جعدة ، والآن اندثرت ولم يبق بها سوى بئر صغيرة موقوفة وهى ملك لقبيلة الحقبان من تغلب .. والروقية كانت محصنة حينذاك وانا شاهدت آثار سورها الشمالى .
ثم واصل الهمدانى كلامه عن أكمة وقال ان بعد الروقية قرية الباحة . والباحة هذه ببعد موضعها الآن عن ليلى بـــ ٥٤ كيلا والباحة كانت مقر المنبر والسوق اللذين ذكرهما الاصفهانى فى كلامه وعلى انقاض الباحة قامت قرية واسط المعروفة الآن من قرى منطقة الافلاج . . وقرية الباحة فيما يبدو لعينى انها كانت مقسمة الى ثلاث قلاع كبيرة عظيمة : القلعة الاولى وهى الشرقية من الثلاث يحدها من الغرب واد
كبير يسمى الآن شعب سمحان وتمتد القلعة شرقا بطول كيل تقريبا وقد تفحصت بنفسى اسوارها من الشمال والجنوب وما تزال باقية ولم ينهد كثير اما من الشمال فقد جرفته السيول ولم يبق الا الأصل وقصر واحد . . وقد عددت البروج الحربية المعدة للحراسة من الجهة الجنوبية فبلغت اكثر من ستة عشر برجا يفصل بين البرجين اربعة أمتار فاكثر والحائط الجنوبى يباطن الجبل والحائط الشمالى يشرف على الوادى
أما القلعة الثانية فتقع غربا عن وادى سمحان ويحدها من الغرب واد يماثله هو شعب القبورية وكبرها مثل سابقتها وهذه القلعة أعظم بناية من الاولى واحصن منها وأكثر بروجا اذ فيها من البروج في الحائط الجنوبى أكثر من ثلاثين برجا للحراسه والحائط الجنوبى يباطن الجبل واكثره باق أما الشمالى فجرفته سيول وادى اكمة (( الاحمر اليوم )) وشاهدت اصل الحائط الشمالى في بعض المواضع وبعضه زال وضاع موضعه . . وما زال بعض القلاع الصغيرة قائمة داخل القلعة الثانية ، ومن ذلك قصر طويل الحيطان يعرف اليوم بقصر أم وليم (١٤) ولا اعرف سبب هذه التسمية وما زال حائطه الغربى باقيا لم يزل منه سوى أمتار والباقى منه أكثر من ١٠ أمتار تقريبا .
وعلى القلعة الاولى والقلعة الثانية قامت قرية واسط الآن .
القلعة الثالثة : تقع غربا عن القلعتين - الاولى والثانية - يفصلها عنهما بطحاء وادى القبورية - الآنف الذكر - وهذه أكبر وأطول من سابقتيها فيها من البروج من الجنوب أكثر من - ٤٢ - برجا بجانب
الجبل والحائط لم ينهد منه كثيرا . أما الشمالى فلم يبق منه سوى امتار لذهاب السيول به . . وداخل القلعة الثالثة كثير من القلاع الصغيرة الموجودة الآن . . والقلعة الثالثة الآن أرضها بيضاء غير مستغلة مع صلاحها للزراعة . . وبعد القلعة الثالثة قلعة رابعة صغيرة زالت حيطانها من السيول غير انى عرفتها ببقاء بعض أصول الجدر الدالة على ذلك - هذه الباحة التى كانت مسكنا لبنى جعدة الذين كانوا منساحين في جميع هذا الوادى - وادى أكمة .
ومع انحناء الوادى الى الشمال نخرج من حدود الباحة ونأتى الى مواضع اثرية كانت معمورة في عهد بنى جعدة ولم يسمها الهمدانى وتعرف اليوم بأسماء حديثة فهناك السويطية ولعبة وجعاميس والمورد - كلها يوجد بها الآن آبار أثرية وبعض الاطم القديمة ولم يعرف انها عمرت في أى عصر من العصور المعروفة مما يدل على عمرانها في عهود بنى جعدة الزاهرة
ومضى الهمدانى من الباحة الى ذكره لقرية الظاهرة التى تقع على جزع وادى أكمة من الشمال . والتى مشيت فيها بقدم في أول رجب ١٣٩٠ ه فعلمت ان طولها أكثر من كيل ونصف الكيل وما زال كثير من قلاعها باقيا مع انهدام بعض حيطانها ، والظاهرة كانت محاطة بحصن طويل عريض وما زال الحائط الشمالى الذى تحت الجبل الشمالى واضحا للعيان لم ينهدم منه كثير ، وفي وسط الظاهرة قلعة اقيمت على هضبة جبلية مستوية ، طول الهضبة أكثر من أربعة امتار لقد صعدت أنا الهضبة ومشيت في القلعة وقد تداعت على بعضها عدا الحائط الغربى منها . .
وشمال الظاهرة مباشرة على جبل طويل
برج حراسة لها . . عجبت كيف صعد بالطين والماء من الارض الى قمة الجبل مع طوله اذ يبلغ طوله أكثر من خمسة عشر مترا ولم يتسن لى الصعود الى البرج . . يعرف الآن باسم برج الرصيفى وسوف أوضح عنه أكثر في حلقات قادمة ، ان شاء الله تعالى،
والظاهرة الآن تعرف بالمويصل - تصغير موصل - وهجرت من مدة قرن من الزمان تقريبا وهى الآن بياض أرض به كثير الأثل والقصور الخاوية ويبعد عن الاحمر بكيلين - شرقا عن الأحمر - .
ثم يمضى الهمدانى غربا حيث يصل الى الفرعة بعد الظاهرة ، والظاهرة والفرعة كانتا لبني جعدة . والفرعة الآن قامت عليها قرية الاحمر التى تعتبر من كبريتات قرى الافلاج . . وما زال بعض قلاع وحيطان الفرعة قائما بالاحمر وخاصة فى الشمال . . وقد عثر فى الفرعة على بعض الركائز الجاهلية .
وبعد الفرعة نأتى الى آخر قرى أكمة وتلك هى منازل بنى قشير ، في أعلى الوادى وقد ذكرها الهمدانى والاصفهانى وهى الآن خربات هامدة وآبار مندثرة فى ملتقى شعبى كرز وريمى ، وتعرف الآن بقصيرات - على صيغة التصغير - سرج المجدر - بتشديد الدال المهملة - .
وعلى كل فوادى أكمة يعتبر من أهم أودية الافلاج قديما وكان نهرا يجرى ثم أخذ فى الجناف حتى أصبح غيلا حتى القرن الثالث عشر الهجرى حيث جف تماما في اوائل القرن الرابع عشر الهجرى .
وكان وادى أكمة من الروقية الى منازل بنى قشير بأعلى الوادى ، مزدحما بالسكان مليئا بالزروع والنخيل والخيرات حتى انى أجد في بعض التلاع البسيطة آثار بئر أثرية
أو أكثر .
ووادى أكمة يعرف الآن بوادى الاحمر أو وادى كرز أما التسمية الاولى فلم يعد لها ذكر . وسمى وادى أكمة لوجود أكمة كبيرة مستديرة منعزلة عما حولها ، محيطها يقرب من الكيل تبعد عن الروقية شرقا بمقدار ١٥٠٠ م تقريبا .
وسمى بوادى كرز لان اصل الوادى شعب كبير يتجه رأسه جنوبا يعرف بوادى كرز والشعاب الباقية روافد له ، ولذا سمى الوادى باسم كرز من باب تسمية الكل باسم الجزء . . وسمى أخيرا بوادى الاحمر لوجود قرية الاحمر في أعلاه وهى التى قامت على أنقاض الفرعة، وسميت باسم الاحمر لسيلان الدماء فيها أيام حروب الدواسر وسكان القدم آل داود وآل راجح ، حيث تغلب الواسر على القبيلتين وسكنوا الاحمر بالسيف وهذا سبب تسمية القرية والوادي.
وقد تعرض المؤرخ النجدى ( محمد بن عبد الله بن بليهد ) لوادى أكمة وحقق عنه فى كتاب الهمدانى وفى كتابه (( صحيح الاخبار )) وقال ما خلاصته : ان أكمة تعرف اليوم بأكمده . . وقال في موضع آخر : ان أكمة يعرف اليوم بكمدة . . وهذا خطأ مع احترامى للمؤرخ وتقديرى لجهوده فوادى أكمة من قرى الأفلاج يعرف اليوم بما سبق آنفا ، وكمدة هذه التى ذكر ابن بليهد هى قرية من قرى وادى الدواسر جنوبا على خط الاسفلت ماؤها قريب جدا لا تسقى نخيلها الا عند غرسها فاذا شبت اكتفت عن الماء لقرب الماء تحت اصولها وبها كثير من الغضا والأثل - كما ذكر المؤرخ - لذا يتعين أن كمدة غير أكمة .
الافلاج

