موضوع " الاديب العربى والثورة التكنولوجية " هو أهم الموضوعات المقترحة فى هذه الدورة من حياة الاتحاد . فلا دراسة الاتجاهات الادبية المعاصرة ولا موقف الادب العربى من الاستعمار والصهيونية بجديدين في نظري . ونعتقد كما اعتقد الذين اقترحوا هذا الموضوع ، ان الوقت قد حان للعناية بهذا الجانب من الادب العربي . ذلك انه وسيلتنا الى معرفة مواقع أقدامنا امام تحديات العصر . فاذا كان الاديب العربى يرود فى هذا الطريق فيجب ان نشعر بالتفاؤل والاطمئنان على المستقبل ، واذا كان الاديب ما يزال يعيش فى خيام التراث والمتافيزيقيا الشعرية فيجب علينا ان نتشاءم وندق ناقوس الخطر
واعتقد ان الذين اقترحوا دراسة الادب العربى والتكنولوجيا يهدفون الى تحس العلاقة بين العلم والادب ، او بين واقع العالم الثالث وواقع العالم الاول . ولا شك ان التحديد الزمني لهذا الموضوع ( النصف الثاني من القرن العشرين ( يعنى أشياء كثيرة عند العرب . فخلال العقدين الماضيين شهدت الامة العربية احداثا خطيرة فى حياتها من ثورات سياسية ضد الاستعمار والنفوذ الاجنبى وتجارب فاشلة للوحدة الشاملة ، وهزائم متكررة على يد الصهاينة بالاضافة إلى محاولات داخلية للخروج من كابوس التخلف المتمثل فى الاقطاع والامية . وكل هذه الاحداث جعلت عددا من المفكرين العرب وبعض الملاحظين الاجانب ، يحكمون على ان سبب فشلنا فى الداخل والخارج هو التخلف التقني وشيوع الخرافات والتقاليد البالية بيننا وضعف الايمان بالعلم . وباختصار كوننا لا نعيش عصرنا . فطرح موضوع الاديب والثورة التكنولوجية فى هذا الظرف هو اذن محاولة لمعالجة هذه المشكلة ودور الاديب ازاءها ولكن هناك خطر فى معالجة هذا الموضوع ذلك ان العنوان بصيغته الحالية يتناول موقف الاديب بالنسبة لقضايا المستقبل فى مجتمعه . وهل هذا ممكن ؟ وهل من المفروض على الاديب ان يتنبأ بما سيحدث
لامته فى نهاية القرن العشرين ؟ او هو مقيد بثقافته ومحيطه الاجتماعى بحيث لا ينطلق اكثر من مد بصره ؟ ثم هل على الاديب ان يصف ويتناول الحاضر فقط او عليه ان يتمثل تراث حضارته ليخلق منها نماذج المستقبل ؟ .
هذه بعض الأسئلة التى خطرت لى وأنا أقلب هذا الموضوع على وجوهه . ويضاف الى ذلك سؤال آخر هو همزة الوصل : هل ان الامة العربية ) أمه الاديب ( قد دخلت فعلا عصر التكنولوجيا حتى ندرس العلاقة بين الادب وبين هذه الظاهرة التى تعتبر أهم ما انتجت الحضارة الغربية ؟ ويبدو أن الذين طرحوا الموضوع اعلاه مؤمنون بأن الجواب على ذلك سيكون بالايجاب ولم يبق علينا سوى ان نبحث ونقيم دور الاديب ازاء هذه الظاهرة . وما دمت لا اشاطر هؤلاء رأيهم ، فانى سأتتناول الموضوع على أنه " أمل " أو " حلم " فقط وعلى انه " تخطيط " لمستقبل قد يكون قريبا أو بعيدا . ذلك أن الأمة العربية اذا ظلت على ما هى ، فلن تدخل فى نظرى عصر التقنية حتى في القرن الواحد والعشرين . تبقى قضية أخرى تحتاج الى جواب واضح ، وهي هل من الممكن ان ينتج الاديب " أدبا تخييليا " مثل ما ينتج العلماء " علم تخييليا " ؟ .
حقا لقد شاهدنا كثيرا من النوع الأخير قد أصبح واقعا كصنع الطيران وغزو الفضاء ، والوصول الى القمر ، ولكن هل فى امكان الاديب ان يخطط لمجتمعه بعد ثلاثين سنة مثلا فيتصوره مجتمعا موحدا عقلاننا مبدعا متمتعا مسيطرا على كل المخترعات العلمية مضيفا اليها تجارية الذاتية ؟ ويعبارة اكثر وضوحا هل الاديب العربى فى النصف الثاني من القرن العشرين أديب واصف او موجه رائد فى البحث عن مستقبل أفضل أو داعية تغير فى حاضره البائس ؟ من الواضح أن الذين طرحوا هذه المشكلة لم يتوقعوا كل هذه التساؤلات .
ولكى نتمكن من معالجة هذا الموضوع بشئ من الاستيعاب والعناية التى يحتاجها رأينا ان ندرسه من هذه الزوايا = الاديب امام مشكل التراث والمحيط السياسى والاجتماعى للاديب ، بوادر الاتجاه العلمي في المجتمع العربى الحديث ، علاقة الاديب العربى بالتقنية المعاصرة ، ثم الاديب والاتحا التقني لامته .
ففي الوقت الذي يتحدث فيه أدباء العالم الاول والثاني عن عصر ما بعد الحضارة " ما زال الاديب العربى يبحث عن نفسه فى مجموعة من التقاليد
والاساطير والاثار التى نسميها التراث ، والواقع ان التراث العربي الاسلامي غنى بنفسه وبتجارب الشعوب التى اعتنقت الحضارة العربية الاسلامية ، ورغم ان العقل العربى يميل بطبعه إلى الشعرية والعاطفية والخطابية فانه أنتج ولا سيما فى مرحله صحوته الكبيرة روائع علمية أضاءت لما نسميه اليوم العالم الاول معالم الطريق عندما ابتدأ هذا العالم يكتشف نفسه كما نحاول نحن اليوم ان نكتشف أنفسنا ولست بحاجة الى التذكير بالاعمال العلمية التي ابدعها عقل الرازى والبيروني وغيرهما . كما اننى لست بحاجة الى التذكير بالتفتح الذى قام به هؤلاء وامثالهم نحو حضارة الاغريق ، والهند والفرس وهي القضية التى ما زال يحلو لبعض انصار التراث التشكيك فى فعاليتها
ثم اعقب ذلك عصر من التدهور والهروب من مواجهة العلم والانكماش السياسى والدينى والتقوقع داخل الحدود المعروفة " بدار الجهاد " فى مقابل الجبهة الاخرى المعروفة " بدار الحرب " فمنذ الحروب الصليبية والعقل العربى فى تقهقر مستمر بينما العقل الاروبي فى هجوم مطرد . وزاد الامر سوءا وقوع العرب سياسيا ودينيا تحت طائلة أقوام اشداء فى الحرب لكن متخاذلين أمام الانتاج الفكرى ، ونعني بهم آل عثمان والمماليك ، يضاف اليهم ملوك الطوائف بالاندلس والامارات الانفصالية فى المغرب والمشرق ومنذئذ دخل العقل العربي عصر الشعوذة والخرافات والسحر والقدر والتصوف وسادت الطرقية والاقطاع
ولم يكن الادب خلال تلك العصور كلها سوى صورة للمستوى الحضارى فى العالم العربي والاسلامي فعندما ازدهرت العلوم ونقل العرب من حضارات غيرهم وجدنا أدباء عمالقة كالمتنبى والجاحظ ، وأبى تمام . لكن تدهور العرب العلمي و ( السياسي ( لم ينتج سوى شعراء المدائح النبوية ، وأدباء المحسنات البديعة أمثال البوصيرى وابن الوردى والمقرى . ولقد شاع عندنا فى المغرب العربي خلال عهد الانحطاط الحضارى أدب الرحلات والتصوف والمستافيزيقا ، وسيطرت الطرق الدينية سيطرة كاملة على عقول العامة . بينما سيطر الاجانب على مقاليد السياسة والتجارة والاقتصاد . وانعزل الادب عن وظيفته كمحرك لضمير الامة وأصبح فى خدمة الحكام للوصول الى منصب او جاه ، او فى خدمة شيوخ الطرق
وعندما واجه العرب أول تحد لهم من العلم الحديث متمثلا فى حملة نابليون على الشرق وفي حملة شارل العاشر على الجزائر شعر الرواد منهم
بالهوة التى تفصلهم عن ماضيهم ، وكما انتجت النهضة الاوروبية رجالا أمثال ليوناردو دافنشي ، ورووجي باكون ، وقروشيست ، انتجت النهضة العربية رجالا كابن العنابي ، والطهطاوى وحمدان خوجة ، وحسن العطار ، وغيرهم ممن أخذوا بالعلم الاروبى فدعوا الى تقليد الاروبيين فى اختراعاتهم للخروج من الظلام الذى كانت امتهم تتخبط فيه . وقد استجاب لهم بعض المسؤولين كمحمد على بمصر والامير عبد القادر فى الجزائر وخير الدين باشا فى نونس ، ولكن هؤلاء الدعاة لم يكونوا أدباء بالمعنى التقليدى ، بل كانوا أساسا رجال دين ثم تحولوا إلى دعاة تجديد . اما الادباء المجددون فلم يكونوا قد ولدوا بعد . لقد ظلوا ينتظرون حوالى قرن منذ بداية النهضة . ولم يحتضن بعض الادباء قضايا أمتهم والتعبير عن آمالها فى التقدم العلمي سوى فى الفترة الواقعة بين الحربين ، ولكن حتى فى هذه الفترة كان الادباء يمثلون طبقة اقطاعية بورجوازية اكثر مما كانوا يعكسون آمال الجماهير ذلك ان الاستعمار التقليدى لم يسمح بالثقافة الا لعدد محظوظ من العائلات الكبيرة وقليل هم اولئك الادباء الذين جاؤوا من عائلات متواضعة . غير انه يلاحظ على هذا العدد القليل انه سرعان ما اندمج فى التيار الاجتماعى الذى كان يعتمد على أسس طبقية واضحة .
ونود ان نلاحظ انه خلال هذه المسيرة الطويلة من التراث العربي الاسلامى من جهة وتراث الحضارة الاروبية من جهة أخرى نجد ان العقل كان يسبق العاطفة او بتعبير اكثر دقة ان العلم كان يسبق الادب فلم تزدهر الاداب العربية الاسلامية الا بعد تمثلها للانتاجات العلمية العالمية ، ولم تزدهر المذاهب الادبية الاروبية الحديثة الا بعد مرور اوروبا بثورات علمية على يدى فاليلى ونيوت وكوبرنيك ، وباستور وأنشتاين واضرابهم ، وقد يكون من محض التكرار القول بان الادب العربي الحديث لم يصل الى المستوى العالمي لانه لا يقوم على أسس علمية ، فالمجتمع العربى المعاصر ما يزال لسوء الحظ مجتمعا متخلفا بحكمه الاقطاع والبداوة والامية ، وبالتالى فهو ما زال بعيدا كل البعد عن العلم والتقنية
ولكن فى هذا المجتمع يتحرك الاديب ، وهو اليوم بين ثلاث قوى ضاغطة عليه بعنف ، وهي الامية ، والحكم المطلق ، والاستعمار ، وصوت الاديب لا يكاد يصل الى جمهوره لان الامية تفصله عنه . ومن ثم فتأثيره فى هذا المجتمع سيظل محدودا . إن صوت الواعظ والسياسى وحتى المغنى ينفذ الى دواخل الاسرة وطبقات الفلاحين وورشات العمل بينما يظل صوت الاديب فى عزلة عن
هذه الميادين . فالامية تجعل جمهور الاديب قلة من الناس هم فى الواقع غير الجمهور الذى يريد الحديث اليه والتعبير عن تطلعاته ، والقلة المحظوظة ثقافيا والتى قلنا انها اساسا اقطاعية بورجوازية هى التى يمكنها ان تفهم الاديب ولكن مصالحها ومصالحه متعارضة فى أغلب الاحيان . وبالاضافة الى ذلك فان ) النخبة ( التى خلفت الاستعمار لدى شعوب العالم الثالث تعاني من مركبات متعددة ، فهى تعيش عالة على رصيد حضارى مستورد ، وهي مفصولة عن قاعدة الهرم الاجتماعى ، وهي تشن حربا على التعبير الحر والنقد السياسى ، وهى بالتالي تقوم على نظرة ضيقة فى أساليب الحكم وتساعد الدكتاتوريين على خنق الحريات واقامة حكم مطلق ، والعالم العربى اليوم واقع تحت وطأة هذه الظاهرة من الحكم . فمصادرة الرأى واصدار احكام النفي والسجن وادارة البلاد بدون مراعاة الحد الادنى من النظم السياسية والحريات المدنية ، كلها تجعل الاديب يعيش فى دوامة من القلق والغربة والخوف ان ظل ينتج او فى كابوس العزلة والنسيان ، ان فضل الصمت .
يضاف الى ذلك أن الاستعمار التقليدى لم يخرج من الوطن العربي حتى ارسى فى قلبه قاعدة ) اسرائيل ( فى قلب هذا الوطن ينقض منها على الحركات التحررية ويراقب التطورات الداخلية فى اجزاء هذا الوطن التى قد لا تكون فى صالحه وهذه القاعدة التى يقوم عليها الصهاينة لها مهمة واضحة فى الوطن العربي ، فهى تخيف الحكام العرب وتجعلهم يحافظون على كراسيهم ويستميتون فى المحافظة عليها ، وهي تتدخل لحماية هؤلاء الحكام عنه الحاجة ضد أى تيار تقدمي او وحدوى ، وهي تثير الرعب بوسائل العلم الحديثة والتقدم التقني ، فتجعل اى تحرك ضدها امرا مستحيلا ولا طائل وراءه . والعرب الذين يبررون تنازلهم أمام هذه القاعدة بدعوى الخوف من ) الحرب الالكترونية ( هم واقعون تحت تأثير هذه الدعاية النفسية الخطيرة وبدل ان يتجه الحكام العرب والنخبة العربية نحو العمل بنفس الوسائل يفضلون اللف والدوران وتخدير الجماهير باستحالة المواجهة ، وابعادها مسرح الاحداث بمسليات بدائية كالتهريج وافلام الجنس
وللمرء ان يتساءل : هل قام الاديب العربى بدوره نحو القضايا المطروحة على امته اليوم ؟ غير ان الاجابة لن تكون بالجملة . فنحن نرى ان الاديب قد ادي دوره فى بعض هذه القضايا مثل الاستعمار والامبريالية والصهيونية حقيقة اننا قد تختلف على الطريقة والمستوى والعمق التى عالج بها الاديب هذه القضايا ، ولكن الذي لا ينكر هو ان المعالجة اخذت حقها على الاقل من
ناحية الكم . اما القضايا الاخرى ، وهى لا تقل أهمية ، كمحاربة الحكام المنحرفين والدعوة الى العصرنة والتقنية والوقوف ضد الآفات الاجتماعية كالخرافات والامية والطبقية فدور الاديب ازاءها ضعيف
وما دمنا نتناول هذه الزاوية - المحيط الاجتماعى والسياسي - فيجب ان نذكر ان هناك اتجاها فى الوطن العربي يقف ضد المثقفين . كان الحكام الاقدمون يقربون اليهم " العلماء " ويسترشدون بهم او يشترون رضاهم وصمتهم . اما معظم حكام اليوم ، وهم فى الغالب نصف متعلمين او عسكريون بالمهنة ، او مغامرون مدعون ، فانهم يضطهدون الاديب والمثقف عامة ، ويشنون عليه حربا احيانا باسم الانقطاع عن القاعدة ، واحيانا اتهامه باستيراد المبادىء وتارة يثيرون عليه طبقات الفلاحين والعمال بدعوى انه عنصر مشاغب واخرى يحرشون ضده رجال اللدين بدعوى انه ملحد او عقلانى
ومن هنا اصبح الاديب يعيش فى " استلابية " غريبة ، ولا يكاد يجد له مكانا فعالا فى مجتمعه ، وهو بواجه المعوقات فى كل مجال ينشده . هذا بالطبع إذا كان صاحب رسالة . فنحن هنا لا نتكلم عن " الادباء " أو " المثقفين " الموالين والمداحين . ذلك ان هؤلاء يجدون فى نفس المجتمع الحظوة والتمكين وحتى المكافأة بالجوائز ونحوها .
غير اننا ندرك ان الاديب العربى يجب ان ينطلق من واقع علمي . وهل هذا الواقع متوفر له ؟ فطالما ظل معظم الحكام العرب يخافون " التقدم العلمي ويتعوذون من التقنية كما يتعوذون من الشيطان لا يمكن للاديب فى نظرنا ان ينطلق في الاتجاه الصحيح . ذلك ان وطننا ما زال وطنا زراعيا ! والصناعة لم تدخله الا فى شكل بدائى او هى ما تزال فى ايدى الاجانب ، اما العلوم المحضة فما يزال تدريسها فى بعض الجهات محرما ، وفي بعضها الآخر ما تزال محتشمة ، وفي أخرى تقليلية . فالمحيط الذى يتفاعل فيه الاديب ما زال غير علمي . فكيف نطلب منه ان يكون " علميا " فى أدبه ، فى لغته وفي تصوراته بينما هو يعيش بيئة تقليدية لا تؤمن بالعلم ولا تتعامل معه ؟
ولنضرب مثلا على ذلك باللغة ، وهى بدون شك اداة الاديب الفعالة فى نقل معارفه ومشاعره الى الآخرين . انها ما زالت تعاني من التحديدات العلمية والفقر في الالفاظ المستحدثة . وكثيرا ما يجد العلماء ، والادباء أيضا صعوبة في نقل افكارهم بآداة واضحة محددة
حقا ان اللغة العربية قد واجهت هجومات مضادة عنيفة ومغرضة فى بعض الاحيان . فقد حاربها الاستعمار ليفرض لغته وحضارته بدلها ، وهذه وضعية معروفة فى المغرب العربى ، ولا سيما فى الجزائر . وطعن فيها بعض المستشرقين ليتوصلوا من خلال ذلك الى محاربة القرآن والاسلام عامة . وقد عانت اللغة العربية من عصور طويلة من الانحطاط الفكرى والسياسي للامة العربية ، فكانت التركية هي لغة الحكم والدواوين فى كثير من البلاد العربية بينما برزت اللهجات المحلية فى الحياة اليومية فى مناطق أخرى . وانحصرت لغة الثقافة فى طائفة من القضاة والمفاتى وشيوخ الطرق وبعض المدرسين والشعراء التقليديين ، وحينما واجه العرب الاستعمار الحديث ثم الاستعمار الجديد والصهيونية وجدوا لغتهم ما تزال تتخبط فى التقاليد وتستمد قوتها من تراث حضارى جيد فى ذاته لكنه غير متطور . واصبحت مسايرة الحضارة الحديثة هي شعار العصر . وقام المعارضون للعربية يدعون بانها ليست لغة علم وانما هي لغة ادب وشعر . وانها لغة غنية بالفاظ الابل والصيد والفروس والغزل ، ولكنها فقيرة فى الفاظ الطب والصيدلية والفيزيا والكيمياء والاختراعات الجديدة . وجاءت المجامع اللغوية لتعالج هذه القضية ، ولكن هذه المؤسسات اللغوية ما تزال بعيدة عن تلبية الحاجة الملحة والمستعجلة التى يواجهها الاديب والمثقف والطالب والاستاذ
واذكر انه اثناء نقاش عن التعريب فى الجزائر قد طرح سؤال محتواه : هل علينا ان نستعمل اللغة ثم نطورها ، او ننتظر اللغة حتى تتطور ثم نستعملها ؟ قد يبدو هذا السؤال ساذجا او غير وجيه . لكن القضية كانت مطروحة بحدة ، وكان على المعنين ان يجيبوا عليه . فقد كان هناك تياران
تيار يقول ان اللغة العربية لغة شعر وأدب وليست لغة ادارة عصرية وعلوم حديثة تدرس على مستوى الجامعة وتستعمل فى الابحاث العلمية . وان علينا " مؤقتا " ان نستعمل لغة أجنبية متطورة فى المرحلة الحاضرة ثم نستعمل العربية عندما تصبح هي أيضا لغة علمية .
ويدعي أصحاب هذا التيار أن الوقت ليس فى صالحنا ، وأن علينا ان نتطور بسرعة ، وأن العربية على حالتها الراهنة لا تساعدنا على هذا التطور ويدعي التيار الثاني أن اللغة كائن حي ، وانها لكى تعيش يجب ان تستعمل وان انتظار تطورها يعنى قتلا ثانيا لها . فاستعمالها فى الجامعة وفي المصنع وفي الادارة كفيل بان يجعلها تتطور بسرعة وتستجيب لحاجه المجتمع و كان هناك نقاش حاد وحجج متضاربة .
ولكن أصحاب التيار الاخير يؤمنون أيضا بان اللغة لا يمكن ان تنمو منعزلة عن المجتمع . فعلى المجتمع الذي تنمو فيه ان يكون ايضا مجتمعا متطورا فحصر اللغة فى الجامعة او فى المدارس الثانوية لا يكفى لتطويرها . وعليه فانه اذا لم تدخل الثورة التكنولوجية الى المجتمع العربى ( فى المصانع والورش والمخابر ومراكز البحث العلمي الخ ( فان اللغة العربية ستظل لا محالة لغة الشعر والخطابة وستبقى بعيدة كل البعد عن ميادين العلوم المحضة . ومن هنا أصبح تقدم اللغة مشروطا بالتقدم الاجتماعى . ولكن هل المجتمع العربي اليوم مجتمع متقدم مصنع ؟ طبعا لا ! وماذا يستطيع الاديب ان يفعل ازاء ثورة تكنولوجية موجودة فى المجتمعات الاخرى ، لكنها مفقودة فى مجتمعه ؟
ولكن الاديب العربى الذى يعاني من الاغتراب والاضطهاد السياسي والاجحاف الاجتماعى يشترك مع أدباء العالم الاول فى عدة ظواهر . فالشكوى من العصر وآلاته والاحساس بالاغتراب حتى مع توفر الشروط الحضارية اصبحت ظاهرة شائعة لدى أدباء أوروبا وأمريكا : فقد قال بعض منهم " ان ادباء الغرب يشكون من احساسهم بالضياع عندما يكتبون قصة . فهم يعيشون بمشاعر معزولة ويحسون انهم محكوم عليهم ان يعيشوا أيضا فى مناطق معزولة ) كالقرى والمدن الصغيرة ( او على هامش المدن الكبرى " وكلنا يعرف الثورة المعروفة باسم " الداديز او رفض كل شئ على أساس انه مستعمل وقديم ومعروف . فهي ظاهرة الرفض لوحشية الحضارة الآلية التى جعلت الاديب يعيش غربة قاتلة واحساسا خانقا بالعزلة ، ولكن الاديب العربى ولا سيما أديب ما بعد الخامس من جون ) حزيران ( 1967 ، لم يصل الى هذه الدرجة من الرفض غير انه يعاني هو الآخر عزلة من نوع آخر . بل لعله على الضد من أدباء الغرب أصبح يطالب بالدخول فى عصر الآلة والالتجاء الى وحشية الحضارة لحل مشاكل أمته الكثيرة . فهو يعلم مثلا ان تلك الهزيمة لم تحل بامته الا لانها كانت انسية اكثر مما ينبغى
وهناك تيار فى الوطن العربي يرفض التقنية بدعوى انها غير انسانية او بدعوى انها مستوردة . ويعتمد أصحاب هذا التيار على هبوط الاخلاق في المجتمعات المتحضرة ويستشهدون ايضا بضياع الشباب والادباء والفنانين فى هذه المجتمعات . كما يستشهدون بمقالات وابحاث تندد بما وصلت اليه الحضارة الغربية من عنف ولا اخلاقية . ومقياس هؤلاء آراء شبنقلر فى كتابه ) تدهور الحضارة ( وبعض آراء المؤرخ توينبى وغيرهما . ولكن هؤلاء ينسون ان شبنقلر وتوينبى وغيرهما لا يرفضون الحضارة في حد ذاتها . ولكن
يرفضون بعض مظاهرها الدنيا ، ثم يحذرون مواطنيهم من مغبة ما هم صائرون اليه اذا لم يحافظوا على القيمة الاخلاقية للحضارة فالعرب الذين يرفضون التعصر والتقنية استنادا الى هذه الدعاوى يخادعون انفسهم ، لانه لا احد من مفكرى الغرب قد رفض الحضارة كظاهرة من ظواهر تطور الفكر الانسانى اذا استثنينا طبعا بعض الفوضويين ودعاة البدائية
واذا كان هذا هو وضع الاديب العربى أمام تراثه العلمي وامام مشاكل عصره وواقع امته ، فماذا سيكون موقفه نحو مستقبل هذه المشاكل ؟ هذا هو السؤال الذى سنحاول ان نجيب عنه بشئ من الايجاز . وقبل كل شى سنقسم هذا الجزء من البحث الى شطرين : شطر يخص الاديب نفسه وشطر يخص مجتمعه
ونبدأ بالشطر الذى يهم مجتمع الاديب . فالاديب لا يمكنه ان ينتج الا اذا توفرت بعض الشروط الموضوعية ، ولعله من نافلة القول ان نكرر بان أول شرط هو توفر الحرية المطلقة للاديب . فكل قيد على حريته ، مهما كان شكله ، فى القول وفي الرأى وفي الكتابة وفي التنقل هو هدم للقيم التى نطالب الاديب على اساسها كالانتاج المساير لعصر الثورة التكنولوجية . واذا كانت المطالبة بالحرية قضية قديمة فانها فى النصف الثاني من القرن العشرين قضية مستعجلة وأكيدة . ويتصل بالحرية تحقيق الديموقراطية الاجتماعية والسياسية . فالحصانة الحقيقية للاديب وغيره من المواطنين توجد فى النظام الديموقراطى . ومن الاسف ان معظم النظم العربية المعاصرة تطبق انواعا أخرى من اشكال الحكم باستثناء الديموقراطية . وتفاعل الاديب مع قضايا العصر والمجتمع فى حاجة الى مشاركة جميع العناصر الاجتماعيه فى الوطن العربي ، ولكن ذلك لا يمكن ان يتحقق الا فى جو من التفاعل العام الذي هو معنى الديموقراطية
ولكي تتحقق الديمقراطية والحرية ، لا بد من القضاء على الاقطاع ان هذه الظاهرة تشكل عقبة كاداء فى طريق التطور والتقدم . ومن المعروف ان المجتمعات الاوروبية المتطورة اليوم لم تصل الى ما هى عليه الا بعد ثورات دموية ) فرنسا ، روسيا ( للتخلص من الاقطاع وفتح عهد جديد من العلاقات الاجتماعية . وكذلك فعلت اليابان عندما عزمت على دخول عصر التصنيع والتقنية . بل وكذلك تفعل الصين اليوم حقا ان بعض البلاد العربية قد اتخذت خطوات في هذا السبيل ولكنها ما زالت تمر بمرحلة الخطر التى لن
تسلم من الهزات وربما النكسات . ودور الاديب فى هدم الاقطاع لا يقل اهمية عن دور العامل والفلاح . بل ربما فاقهما نظرا للوعى الذى يتمتع به دون زميليه .
ويتصل بهذه النقطة نشر التعليم في جميع مراحله ، وجعله ديموقراطيا يعم سائر طبقات الشعب ويفتح المجال امام المواهب الخفية ، ويجب الالحاح هنا على تعليم المرأة ايضا . فالمجتمع العربى فى عصر التقدم العلمي الباهر لم يعد يستطيع الاستغناء على مشاركة المرأة فى القطاعات الحيوية . ونعتقد انه قد مضى ذلك الزمن الذي كانت فيه المرأة مجرد موضوع للاديب فيها يتغزل وبها يلهو ، وينتهي دورها عنده وعند مواطنيه بانطباق أربعة جدران عليها . فاديب الثورة التكنولوجية عليه ان يغير نظرته من المرأة فيعتبرها رفيقة له فى طريق التقدم الاجتماعى بدل اعتبارها اداة للهو والمجون
واذا كانت المدرسة الجديدة هي التى ستخلق لنا الاديب الجديد ، فان الجامعة هي التى تكون هذا الاديب تكوينا ادبيا وعلميا فى نفس الوقت وقد يكون فى هذا القول بعض التناقض لان الجمع بين العلم والادب يكاد يكون مرفوضا عند الذين ما يزالون ينظرون الى الاديب على انه الشخص الذي لا يخضع لقواعد علمية او منطقية . غير اننا نطالب بضرورة التكوين العلمي للاديب ايضا بجعله يخضع للعقل الرياضى اذا صح التعبير ، اليس هو الذي سيصف لنا المصنع والمخبر والطائرات والحافلات ، والدبابات ، والغواصات وسفن الفضاء وخارطة القمر في روايات وقصص ومسرحيات ، واشعار ؟ حقا ان هذا يدخلنا فى الحديث عن ثقافة الاديب المعاصر وهو حديث طويل وجدلى ولكن حسبنا هنا ان نؤكد ان " الثقافة العلمية " للاديب اصبحت لاغني ل عنها ، وانها من مستلزمات هذا العهد الجديد الذي نتحدث عنه وهو عهد الثورة التكنولوجية .
والحديث عن الجامعة حديث ، كما يقال ، ذو شجون . فهناك عدد ضخم من الجامعات العربية . بعضها حديث العهد وبعضها قديم نسبيا تجاوز عمره الخمسين سنة . ولكن هذه الجامعات التى كنا نتوقع منها ان تكون مراكز للبحث العلمي المحض الذي يفتح امام المجتمع العربى مجالات الذرة ، والفضاء والتقنية بمختلف عناصرها ما زالت في الواقع دون المستوى ، بل لعلها . تشعر بهذه الحاجة القومية . ان كثيرا من جامعاتنا تمنح الشهادات بالمجان وتكون اطارات غير كفأة ، وتعتمد التعليم المجرد والدروس النظرية وحشو
امخاخ الطلاب بمواد مملة للحفظ الاعمى لا ملقاة للتأمل والتطبيق ، وهى ما تزال عانه فى اساتذتها وادواتها وحتى فى لغتها على الاجانب ، وكثير من اساتذتها العرب قد تكونوا " بسرعة " فى جامعات اجنبية وعادوا بالقاب ضخمة ولكن بمحتوى فارغ . لذلك فان كثيرا منهم قد توقفوا عن الانتاج منذ ان دخلوا الحرم الجامعي ، بينما المفروض ان يكون دخولهم لهذا الحرم نقطة الانطلاق فى الانتاج المنظم الهادف الخلاق ، حقا ان هناك ظروفا تخرج عن طاقاتهم كانعدام الوسائل وضعف المقابل المادى ، وقلة الاهتمام بالابحاث العلمية فى مجتمعاتنا ، ولكن المسؤولية ستظل بالدرجة الاولى على عاتق هؤلاء ، وقد يتساءل البعض عن دور الاديب فى هذا كله ، لكن الواقع انه هو انتاج هذه البيئة التى عليه ان يشارك فى تغييرها لصالحه وبالتالى لصالح الجميع
وتستطيع اجهزة الاعلام ان تلعب دورا هاما فى خلق المناخ العلمى فى المجتمع العربى ، وهو المناخ الذى سيتفاعل معه اديب الثورة التكنولوجية فالتلفزة والافلام والاذاعة والصحافة وغيرها اصبحت وسائل مباشرة لنقل المعارف وبث التوعية لدى الجماهير وازالة الحواجز بين اللغات والثقافات المعاصرة . وهي فى الواقع تمهد لطريق أتصال الاديب مع جمهوره ، لا سيما اذا اعتبرنا شركات النشر والتوزيع الحديثة من وسائل الاعلام ايضا ، حقا ان بعضهم قد رأي مهمة الاديب الحق تتمثل فى دفاعه عن " الثقافة ضد بربرية وسائل الاعلام الحديثة " ولكن الواقع ان هذا يصدق على اديب الغرب الذي وصل مجتمعه حد التخمة العلمية وسيطرت عنده وسائل الاعلام ) والأعلانات ايضا ) سيطرة مخيفة على العقلية العامة اما الاديب العربى فما تزال وسائل الاعلام في وطنه ، رغم تقدمها ، مختلفة وهى اداة نقل لا اداة خلق . وعلى كل فنحن نعتقد انها تقوم في هذه المرحلة بخدمات جليلة للأديب نفسه وتوصيل صوته إلى الجمهور
ولكي نخلق هذا الجو العلمي في الوطن العربي علينا ان نهتم بعدة اشياء أخرى كالترجمة . ونعني بالترجمة هنا ترجمة الكتب والاثار العلمية بدل الادبية . فاهتمام مترجمينا حتى الان ينصب على الكتب الادبية من روايات وقصص ونحوها او على الكتب السياسية والاجتماعية ذات الطابع المثير كالثورات وادوار بعض الشخصيات المغامرة ، او على الكتب الجنسية والبولسية الخ . . حقا ان بعض الجامعات تلجأ الى الترجمة ، وهى تلك التى بدأت تجربة التعريب ، ولكن معظم جامعاتنا ما زالت تدرس بلغات
اجنبية بطريقة مباشرة . ونعتقد ان وضع برنامح لترجمة اهم الكتب العلمية التى تصدر فى الدول المتقدمة ولنضف اليها ما يسمى بالقصص العلمية المتخيلة ، سحدث ثورة فكرية فى الوطن العربي ، وستكون هذه الثورة مادة خصبة يستغلها الاديب وتجعله يغير من مقاييسه التقليدية
وهناك نقطتان متصلتان بهذا الموضوع هما اصدار المجلات المتخصصة فى العلوم والاختراعات الحديثة ، وفتح حوار متصل مع الثقافات الاجنبية اننى لا انكر هنا الجهود التى تبذلها بعض الجهات فى نشر مجلات علمية لكنى على يقين من ان هذه الجهات نفسها لا تنكر ان ما تقوم به يعتبر جهدا " متواضعا " جدا ، وانه ليس فى مستوى المرحلة التى نريد دخولها ، والتي تتطلب من الاديب ان يتمثلها . ودعني أطلب هنا من المجلات الادبية نفسها ان تصدر أعدادا خاصه بالموضوع الذى نتناوله وهو الاديب والثورة التكنولوجية ، انها بلا شك ستساهم بذلك فى احداث حركة تنوير عامة وفي اشعار الاديب بان هناك قضايا اخرى عالمية تشغل اذهان قرائه ، اما الحوار مع الثقافات الاخرى فيفتح امام الاديب مجالات بكرا تخرجه من العزل التى يفرضها بعضهم عليه باسم التراث وباسم الخوف على " عقله الصغير من مرض الايدولوجيات الاجنبية ، ونحو ذلك
ولكن اكبر عمل يمكن ان يتحقق ويثرى تجربة الاديب العربى ، ويفتح امامه آفاقا لا حدود لها فى المستقبل هو تحقيق الوحدة العربية . ان الادباء سيظلون فى نظري اسرى الاقليمية واسرى النظم السياسية ذات النظرة الضيقة ، واسرى الدكتاتوريات التى يساندها الاقطاع والخرافات الدينية ما لم تتحقق الوحدة الشاملة للوطن العربى . وبالاضافة الى ذلك فان هناك امكانيات ضخمة بشرية وطبيعية واقتصادية ستجعل الثورة التكنولوجية فى بلادنا لا حلما نسعى لتحقيقه ، ولكن تجربة نمارسها ونعايشها . ولذلك فان دور الاديب فى العمل على تحقيق الوحدة يجب ان لا يقل عن دوره فى العمل على تحقيق التقنية والنهوض بامته صناعيا . ويجب ان نحذر بان كل محاولات التقنية ستظل جزئية وقليلة الفعالية ما لم تكن في ظل وحدة عربية شاملة
ولعله اصبح من الواضح بعد ما سبق ان الاديب ليس هو الذي يخلق التقنية ، ولكنه هو الذي يهئ الجو لسيادتها وتحبيب الناس فيها ، فالأديب هو انتاج التقنية وليس منتجا لها . ورسالته تتمثل فى نظرى فى التبشير لهذا العصر الذي تسود فيه الوسائل العلمية الحديثة وتصبح امته فيه تسيطر
على قوى الطبيعة بقوى العقل ، وتساهم مع الركب المتحضر فى دفع عجلة التقدم الانسانى
واكبر خدمة يقدمها الاديب لامته فى عصر التقنية هى حربه ضد الشعوذة والخرافات ، والقدرية والتواكل وغيرها من مظاهر التخلف ، فقد مكنت القرون السابقة الى هذه العناصر الهدامة ، واصبح الفرد العربى خلالها لا يؤمن بنفسه ولكن بقوى خارقة وغيبيات وميتافيزيقيات ، وزاد الاستعمار الحديث هذه العناصر تمكينا لانها تساعد على الاستغلال المطلق لخيرات الشعب . والأدهى هو ان بعض النظم العربية المعاصرة ما زالت تبقى على هذه العناصر الخطيرة لا ايمانا بها ، ولكن لانها تنوم الشعب وتلهيه عن قضاياه المصيرية . واعتقد ان مهمة الاديب هنا على جانب كبير من الخطورة فلكى ندخل عصر التقنية لا بد من محاربة هذه الافات عن طريق الادب وذلك بخلق ادب عقلانى هادف متفتح
وهناك آفات أخرى تتعلق بالادب نفسه . فادبنا ما زال يئن تحت وطأة الخيام والصحارى والفردية وغيرها من مظاهر البداوة . كما انه لم يتحرر من روح الخلاعة والمجون ، وهي ايضا تقاليد موروثة عن العصور التى ساد فيها الانحطاط السياسي والاجتماعى وسادت فيها حضارات اخرى غير الحضارة العربية الحقة . والاديب اليوم مطالب بالثورة على هذه الظواهر الدنيا فى مجتمعنا واستبدالها بطاقات خيرة ، جديدة تتيح للعقل العربى ان ينمو وينطلق في مجالات الانتاج الحضاري القائمة على المشاركة والجماعية والايجابية والشعوب التى ابتليت بالاستعمار المباشر ، تدرك ان مفكريه ) الاستعمار قد وضعوا كل امكانياتهم المادية والمعنوية لتفتيت الطاقة البشرية بوسائل اللهو والخلاعة والكحول ، والعزلة فى الجبال والفيافى ، وتشجيع الخلافات والقبليات والمطامح الشخصية ، ولا نعتقد ان اعداء الامة العربية قد انتهوا فما نشاهده فى مجتمعاتنا من روح الاستسلام والخوف ومن الافلام والمجلات المنحطة ، ومن حيرة شبابنا وقلقهم ، ومن توجيه نحو النظريات والبيزنطيات والابتعاد عن العلوم الحية والعملية ، كلها فى نظري مظاهر لتدخل اعدائنا غير المباشر في حياتنا اليومية ، ولذلك فان رسالة الاديب العربى فى محاربة ما اسميناه بالخلاعة والقدرية وغيرها ، تكتسي أهمية خاصة فى وقت نطمح فيه الى النهوض على أساس علمي سليم
وبعد فان موضوع " الاديب والثورة التكنولوجية " يعتبر فى نظري قد
حاء في الوقت المناسب ، بل لعله قد تأخر عن وقته . فقد كان علينا ان نعالجه ونهتم باعاده القومية والدولية منذ أمد طويل ، وها نحن نشاهد اليوم اجهزة التعبير في العالم المتقدم تتحدث عن القرن الواحد والعشرين ومواجهة مشاكله العقلية والعاطفية للانسان . وما زلنا نحن نهتم ببقية القرن العشرين وربما لم تكن على استعداد لمواجهة هذه المرحلة من جميع الوجوه . ذلك ان الشعور بأهمية هذه المرحلة لا يكفي ونعتقد ان امكانيات الامة العربية لم نستغل كلها بعد فى هذا الاتجاه - الاتجاه العلمي . كما نعتقد ان الاديب العربى ، رغم ما يعانيه من اضطهاد وعزلة ما زال بعيدا عن تلبية حاجات هذه المرحلة ، لا في روحه ولا فى تعاببيره ولا فى ثقافته الاساسية
ولكن هذا لا يمنعنا في الختام من ان نركز على بعض النقط واولها ان لفكر العربي عامة والادب خاصة ما زال دون مستوى الثورة التكنولوجية و ثانيها ان المجتمع العربى ما زال يعاني من مخلفات الماضى وقيود الحاضر ولم يواجه عصر التقنية بجد رغم الهزات التى عرفها ، بل الهزائم التى جربها فى اكثر من مناسبة . وهذا راجع الى ضعف العقلية العلمية لدى قادة الرأى فى الوطن العربي وبالتالى ضعف الوعى بالعصر لدى الجماهير وثالها انا لكي نطالب الاديب بانتاج يواكب حاجات النصف الثاني من القرن العشرين علينا ان نطالب الاجهزة الاخرى فى الوطن العربي بتطوير اللغة حتى تصبح لغة علمية ، وتوفير وسائل البحث العلمى فى مستوى الجامعات وغيرها ورفع القيود على الرأى والتعبير فلا يمكن ان يبدأ الاديب ثورة تقنية ولكن عليه ان يتمثلها .
ورابعها اننا نعتقد ان اهم حادث يساعد على دخول العربى عصر التقنية هو تحقيق الوحدة الشاملة . فالى جانب الضعف الذى تتسم به الاقاليم العربية متفرقة ، هناك تفاوت فى مستوى التقدم الحضاري ، ولكن تحقيق الوحدة العربية سيجعل من ذلك الضعف قوة وسيجعل التفاوت الحضاري تكاملا في سبيل النهضة العلمية ، وسأظل متشائما نحو مصير التقنية ( التى هى مظهر من مظاهر القوة ) فى بلادنا اذا ظلت الاوضاع فيها على النحو الذى نشاهده من التنافر والتشتت والضعف .
واحسب اننا في غنى عن الدخول فى متاهات فلسفية عن اثر التقنية على الانسان ان بعضهم يتخوف من ان التقنية ستذهب بالايمان وتفتح المجال امام سيادة العقل وحده . وبعضهم يتخوف من ان الانسان قد اصبح آلة فى
البلدان التى نسميها متقدمة ، وانه قد أصبح شقيا اكثر منه سعيدا بدل ان يحدث العكس ، نتيجة التقدم الالي ، بل ان اخرين يحذرون من ان الدخول فى عصر التقنية سيجعل الشعوب تتخلى عن خصائصها القومية وتتجه نحو التفكير العالمي الذي يهم الانسان اينما كان . وهناك اخرون يثيرون قضية طغيان العلم على الادب وطغيان المادة على الروح ( الدين ) غير اننا اذ نذكر ان هذه التخوفات يجب ان لا نوليها أهمية كبيرة لانها صادرة عن قوم بلغوا شأنا عظيما فى الحضارة واصبحوا يتحسسون مواقع اقدامهم ازاء دوى المدافع ورجات التجارب الذرية فاستبد بهم الخوف من الحرب الثالثة وتخريب الانسان لمنتجاته الحضارية . اما نحن فما نزال فى الواقع حقل تجارب لهؤلاء المتخوفين من التقدم العلمي . لذلك فليس علينا من حرج ان نرحب بالتقدم العلمي وان ندعو كل العناصر الحية فى الوطن العربي وعلى رأسهم الاديب الى تبنى هذا الموقف انقاذا لامتهم من براثن التخلف والعمل على جعل وطنهم لا حقل تجارب علمية لغيرهم ولكن مصنع انتاج حضارى لانفسهم ولاطفالهم

