الاسلام واللغة العربة في غربي أفريقية ، احدى صفحات الحضارة الاسلامية في تلك الاصقاع ، وهذه الصفحة بعينها ، هي صفحة الماضي المجيد في التاريخ القومى الافريقى . في عصر ما قبل الاستعمار .
والمقصود بالتاريخ الافريقى : تاريخ البلاد الواقعة جنوبى الصحراء الكبرى بصفة عامة ، واما غربى افريقية فهو ذلك الشطر الغربى من الحزام السودانى او بلاد السودان ( ١ ) كما عناها جغرافيو العرب ومؤرخوهم .
ويشمل المنطقة الواقعة بين بحيرة تشاد شرقا والمحيط الاطلي غريا ، وهي التي اطلق عليها كتاب اوربا في العصور الوسطى اسم نجرتيا Nigritia نسبة الى نهر النيجر ، واول من سمى النيجر باسمه ، المؤرخ الروماني القديم بلينيوس الكبير Blinins ( ٧٩ ) فقد سماه : Ni-gris أى نيل الاجناس السوداء ، ومساحة هذه المنطقة نحو ٣,٤ مليون ميل مربع . وهذه المساحة تعادل ٦/٥ مساحة الولايات المتحدة الامريكية ومساحة المملكة المتحدة ٢٥ مرة .
لقد ظل التاريخ القديم لغربى أفريقية غامضا حتى عهد قريب الى ان كشفت البحوث الاثرية عن حضارات وطنية قديمة ، دلت على ان هذه البلاد لم تكن من البربرية او الهمجية على النحو المتصور .
اثبتت هذه الكشوف أن حوض النيجر كان مركز نشاط ومدنية منذ اقدم العصور . ويقول بعض كتاب الغرب : ان صناعة الحديد قديمة في غربى أفريقية .
والثابت أن الاثر الشرقى عامة . بارز في حضارة غربى افريقية منذ القدم ، على ان احدث هذه الآثار وأبينها في مدينة غربي افريقية هي التي ترد إلى عصر الاسلام . حتى ان العالم الاوربى ظل يعتقد ليضعة قرون
أن بلاد السودان عامة والصحراء في شمالها ليست سوى جزء من العالم الاسلامي .
وعن طريق الاسلام ، دخل قدر كبير من المدنية والعلوم الاسلامية . بجانب مظاهر الحياة الشرقية الاسلامية . وبرز في رحاب الاسلام ، عدد كبير من العلماء الافريقيين السود الذين كتبوا باللغة العربية في شتى فنون المعرفة ، ثم بالاسلام ظهر عدد من الامبراطوربات الافريقية في ذلك الجزء من القارة . اقامها الوطنيـــــــــون الافريقيون ، وكان عمادها ، زمن ازدهارها وقوتها الدين الاسلامي عقيدة ، واللغة العربية أداتها في الاد رة والثقافة والتجاره .
وأقدم هذه الامبراطوريات : غانة ، ثم تلتها مالى ، ومن بعدها صنفى ، كما وجدت امبراطورية التكاررة في العصور الوسطى ، وبعثت مرة اخرى في العصور الحديثة ( القرن ١٩ م ) وكان لـها دور كبير في كفاح الاستعمار الفرنسى ، كما بعثت مالى ايضا في نفس القرن . ممثلة في مملكة سامورى التورى جد احمد سيكوتورى الرئيس الحالى لجمهورية غينية ( ١٩٧١ ) ، كذلك قامت اعبراطورية الهوسا ، وتمثلت في عدد من دول الـهوسا ، مثل كانوا وجوبر وكتسنا وكبى وغيرها ، وهناك امبراطورية البرنو التى قامت اولا في كانم ثم اقليم بورنو ، وهذه عا ـنرتـها ووريثتها امبراطورية الفولانيين أو الغلاتا في العصور الحديثة .
ولعل في هذا العرض السريع ، شرحا وتفسير اللعبارة الصحيحة التى أطلقها مؤرخ فرنسى حديث منصف هو جوى Jouilly فقد قال : (( انه بالأسلام ، يبدأ العصر التاريخي لأفريقية السوداء (( C' est par I' Islam que s' ouvre en quelle saule , l'éve historique de l'Afrique Noire . ))
ومن هذا يتضح ان اعم السجلات والمصادر التي يرجع اليها في تاريخ غربى افريقية هى المصادر العربية سواء كتبها العرب من الجغرافيين والمؤرخين والرحالة والتجار ام كتبها الوطنيون الافريقيون فى غربى افريقية وهذه كثرة تحصر بعد .
وينصب موضوع الـمحاضرة على هذه الــــــــــــدول او الامبراطوريات الافريقية الاسلامية ، التى قامت في غربى افريقية من ناحيتين :
اولاهما : تاريخ انتشار الدعوة الاسلامية وطبيعة هذا الانتشار ولم كان الاسلام اسبق الى غربى افريقية من النصرانية رغم ان النصرانية ظهرت قبل الاسلام بما يقرب من ستة قرون ؟ ثم اثر الاسلام في تلك البلاد .
ومبحث الشطر الثاني هو تاريخ انتشار اللغة العربية والعوامل التى ساعدت على انتشارها وبعض خصائص الا العربية في تلك البلاد ثم وقفة قصيرة بين اللاتينية والعربية .
عن الجانب الاول :
هناك خمس مراحل انتشرت خلالها الدعوة الاسلامية في غربى افريقية :
الاولى : واستغرقت الاربعة قرون الاولى للهجرة تقريبا وتقابل من القرن ٦ م إلى القرن ١١ م
خلال هذه الفترة المبكرة ، وصل الاسلام الى غربى افريقية عن طريق هجرات وحوادث متفرقة ومنظمة . ولم يكن المرابطون أول من ادخل الاسلام في تلك المناطق لأول مرة فى القرن ١١ م ، بل ان حركتهم الحماسية ادت الى ازدياد عدد المسلمين فيها .
لم ينعزل قلب افريقية عن العالم الخارجي في أى فترة من فترات التاريخ منذ أقدم العصور . فهناك الصلات التحارية الحقافية القديمة ، وهذه ازدادت بعد دخول البـــــــــــل افريقية حوالى القرن ٦ ق ٠ م ( ٣ ) . ثم كثرت الهجرة والصلات بعد ظهور الاسلام ولا سيما بعد الفتح العربى لمصر وشمالى افريقية خلال القرن الاول الهجوي ، والسابع الميلادي .
ولس من شك في أن الهجرة الاسلامية الاولى للحبشة عام ٦١٥ م - السنة الخامسة من البعثة والثانية من الجهر بالدعوة - أى للطرف الشرقى من الحزام السودانى كن لـ ـها اثرها في التعريف بالاسلام في هذا الشطر في ذلك الوقت المبكر . وكان هذا الاتصال الاسلامي الجديد استنادا للاتصال انقديم بين جزيرة العرب وساحل افريقية وهو الاتصال الذي ادى في نهاية الامر وقبل القرن ١١ م الى تأسيس امارات اسلامية عربية داخل الوطن الحبشى . باسم (( ممالك الطراز الاسلامى )) لأنـها على جانب البحر كالطراز له ( ٣ ) وقد ظلت قائمة حتى القرن ١٦ م .
ومن بين هذه الامارات امارة قامت في منطقة ثــــــــــوا الشرفية بانـخبشة ، يـحتمل انـها ترجع الى حوالى نـهاية القرن ٣ ه ( ٩ م ) (٢٨٣ ه - ٨٩٦ م ) - أى زمن الخليفة المعتضد العباسى ( ٢٩٧-٢٨٩ هـ - ٨٩٢ - ٩٠١ م ) بزغافة اسرة غربية تنسب الى قبيلة مـخزوم القرشية - قبيلة خالد بن الوليذ يقال : ان اسلاف هذه الاسرة هاجروا عبر البحر الاحمر على عهد خلافة عمر بن الخطاب ( ١٣-٢٣ ه - ٦٣٤-٦٤٤ م )
وبـجانب هذه الامارات تكون عدد من المشيخـــــــــــــــات الاسلامية العربية على طول ساحل افريقية الشرقى من عوان ومقديشو في الشمال الى ساقولا في الجنوب . وبقول المسعودى ( القرن ١٠ م ) ان سوفالا هى المركز الذى تنتهي اليه السفن العمانية - بضم العين - في بـحر الزنج ( ٤ )
تكونت هذه الممالك وللمشيخات الإسلامية العربية في أول أمرها على الاقل ، لا عن طريق الفتح الحربى وانـما
عن طريق التجارة والهجرة والامتزاج بالوطنين وال التدريـجى ، وقد اسلم كثير من القبائل الوطنيـــــــ افريقية الشرقية ، مثل قبائل الساهو والعقر - بفــــــــ العين المهملة وتشد يد الفاء المفتوحة بعدها راء مهملة - شرقى الحبشة ، وامتد الاسلام الى مناطق السيدامو وشوا الشرقية جنوبى الجبشة .
الخلاصة :
ان طريق البحر الاحمر والحبشة من اهم الطرق واولاها ، التى دخل عنها الاسلام الى شرقي الحزام السودانى ، ومنه امتد إلى غربى هذا الحزام ، اتى الى تشاد فبلاد الـهوسا واليوروبا والاشانتى في غربى أفريقية .
هناك طريق آخر وصلت عنه الدعوة الإسلامية الى غربى افريقية ، في هذه المرحلة بالمبكرة ، هو طريق وادى النيل من مصر الى النوبة فطرق القوافل الشرقية الى حوض تشاد فبلاد الـهوسا .
والطريق الثالث ، من شمالي افريقية الى حوض النيجر الأوسط والاعلى وحوض السنغال .
ومعنى هذا ان الإسلام وصل الى غربى افريقية منذ وقت مبكر ، وهذا يفسر قول القلقشندى . من ان أهل غانة استلموا أول الفتح . وما اورده البكرى من ان بنـى أمية أرسلوا جيشا في صدر الاسلام تفتح بلاد السودان . وان ذرية هذا الجيش استقرت في غانة ، وان أربعة من جنود عمر بن عبد العزيز ( ت ١٠١ ه - ٧٢٠ م ) هاجروا الى كانم واستقروا فيها ، وان بعض بني امية توجهوا الى كانم عند مـحنتهم يبني العباس .
وفي هذه انصلات التجارية الاسلامية الاولى والأحداث التاريخية خلال القرن ١ هــ : ما يلفى الضوء على الرواية التى أوردها البكرى وتواترت عند مؤرخى السودان ومؤرخى أوربا ، وهي أنه وجد في مدينة غانة خلال القرن ١ ه والسابع الميلادي . حي اسلامى به اثنا عشر مسجدا . بل وكان في الحي الوثنى منها . حيث يقيم ملك غانة الوثنى . مسجد يؤدى فيه المسلمون الوافدون على الملك شعائر دينهم .
ومن الجهود التى بذلت لنشر الدعوة الاسلامية في غربى أفريقية أواخر هذه المرحلة الاولى ، ما قامت به امبراطورية أودغست ( ٥ ) في القرن ٣ ه - ٩ م حيث تحكم قبيلة لمتونة البربرية الصنهاجية ، ورعاياها من قبائل السوننك الافريقيين ، فقد عمل سادة لمتونة على نشر الاسلام بين قومهم من البربر وبين الزنوج المجاورين ، حتى ان ملك اودغست : تين يروتان بن وينسو بن نزار ( ت ٢٢٢ ه - ٨٣٧ م ) كان قد اخضع فيما يقوله البكرى ، ازيد من عشرين ملكا من ملوك السودان .
وفي نفس العلم الذي توفي فيه هذا الملك اللمتونى ، اسلم ملك غانة الوثنى المعاصر وهو تلوتان بن تكلان ( ٨٣٧ م )
وفي مطلع القرن الحادي عشر الميلادي ( حوالى عام ٤٠٠ ه - ١٠٠٩ م ) اسلم ملك صنغى ، من اسرة الأزواء وهو زاكاسي Za-kasi ونـما في عاصمته جاو Jao على النيجر ، حي اسلامي على غرار الحي الذي نما في غانة .
هذه هي خلاصة المرحلة الاولى من مراحل نشر الدعوة الاسلامية في غربى افريقية .
ثم كانت المر حلة الثانية ، على أيدى المرابطين أو المـ لثمين ، خلال القرن ( ٥ ه - ١١ م ) والقطب الروحى لحركتهم هو عبد الله بن ياسين الجزولى ( ت ٤٥١ ه - ١٠٥٩ م ) فتح المرابطون غانة عام ٤٦٩ ه - ١٠٧٦ م وانـهوا الحكم الوثنى فيها ، اذ لـم يطرد اسلام جميع الحكام في بعض الدول الافريقية ، ومنذ ذلك الوقت . وهو أواخر القرن ١١ م ، اصبحت غانة اســـــــلامية واشتهر المرابطون بالحماسة لنشر الدعوة الاسلامية فقد كانوا يرسلون الدعاة والعلماء بين القبائل
الوثنية للدعوة للاسلام ، وبفضل حركتهم ازداد عدد المسلمين ، كما ازدادت حركة الاتصال التجارى والثقافي مع البلاد الاسلامية حتى الاندلس شـمالا ، والمرابطون هم الذين انشاوا مدينة تنبكت على النيجر . وكانت من قبل قرية صغيرة .
وفي هذه المرحلة ايضا ، كان اسلام وارجابى بن رابيس ملك التكرور ( ت ٤٣٢ ه - ١٠٤٠ م ) وجهوده في نشر الاسلام في بلاده في حوض السنغال الادنى .
المرحلة الثالثة :
وجاءت المرحلة الثالثة في نشر الدعوة الاسلامية ، على أيدى سادة مالى الاسلامية ، بعد ان اسلم أول ملوكها (( مانسا جورماندانا )) من اسرة الكوناتيين السابقة على أسرة كيتا ، حوالى منتصف القرن ١١ م وجور ماندانا هو المعروف في الكتب العربية باسم برمندانه ، ومانسا )) بمعنى ملك في لغة الماندنـجو سادة مالى .
كان الاسلام قد انتشر في مالى قبل اسلام ملوكها ، كما كان الشأن في غانة ، ووجد في مالى دعاة وعلماء مسلمون ، أسلم ملك مالى على أيدى احدهم . على اثر وقوع قحط ، ومضمون رواية البكرى ، ان هذا العالم كان يقرأ القرآن ويعلم السنة . فشكا اليه الملك ، ما دهمهم بسبب القحط . وحينئذ عرض الفقيه المسلم الاسلام عليه بقوله : ايها الملك . لو آمنت بالله تعالى واقررت بوحدانيته وبمحمد عليه الصلاة والسلام ، واقررت برسالته واعتقدت شرائع الاسلام كلها ، لرجوت لك الفرج مـما انت فيه ، وأن تعم الرحمة أهل بلدك . ولم يزل به حتى اسلم وأخلص نيته ، وأقرأه ما تيسر من كتاب الله ، وعلمه من الفرائض والسنن ما لا يسع جهله . وأمهله الى ليلة الجمعة وطلب اليه ان يتطهر ، ثم خرج به الى الفلاة . واستسقى فانزل الله الغيث ، وحنــــــــذ امر الملك بكسر الاصنام ، وصح اسلامه ومن جاء بعده .
تزعم ملوك مالى بعد ذلك حركة الدعوة الاسلامية في البلاد المجاورة ، ويقول القلقشندي : وملك مالى في
جهاد دائم وغزو ملازم لمن جاوره من كفار السودان .
ويذكر عن أشهر سلاطين مالى كنكدموسى ( ت ١٣٣٧ م ) . انه كان يبنى مسجدا في كل مدينة تدركه صلاة الجمعة فيها ١ . وعن منسا سليمان ( ت ١٣٦٠ م ) أنه بنى المساجد والمنارات واقام الجمع والجماعات والأذان وجلب الى بلاده الفقهاء ، من مذهب الامام مالك .
والى ملوك مالى وعلماء مالى الافريقيين يرجع الفضل في نشر الاسلام في بلاد الـهوسا .
ويدلنا حادث اسلام ملك جنى ( جنكى ) حوالى القرن ٦ ه - ١٢ م على ازدياد عدد المسلمين في بلاده ، على النيجر ، زيادة تدعو للدهشة ، ففي الوقت الذى هداه الله فيه الى الاسلام ، أمر بحشر العلماء المسلمين في بلاده فاجتمع له فيما يقوله السعدى : نحو أربعة آلاف ومائتى عالم ، واسلم على ايديهم ، قد يكون هذا الرقم غير دقيق ، لكنه يدل دلالة يقينية على كثرة المسلمين ، وعلى مدى الحماســة لنشر الاسلام ، في مملكة جنى ، بحيث تجمع مثل هذا العدد من العلماء او ما يقرب منه ( ٦ ) حتى ولو كان الربع .
المرحلة الرابعة :
وأما المرحلة الرابعة ، من مراحل الدعوة الاسلامية في غربى افريقية ، فكانت على أيدى سادة دولة صنغى الاسلامية ، وهى التى خلفت مالى في الزعاهة والسيادة السياسية على معظم بلاد غربى أفريقية . واعظم ملوكها هو أسكيا الحاج ( ت ١٥٢٩ م ) كان قد اخذ لقب امام وامير المؤمنين ، وكان على صلة بالشيخ السيوطى ( ٧ ) في القاهرة . ولم يكتف سادة صنغى بنشر الدعوة الاسلامية ، بل عملوا على تنقية العقيدة من البدع وحاربوا المتنبئين الذين ظهروا في منطقة فوتا جنوب السنغال .
وفي هذه المرحلة كذلك ، قام مايات البرنو . بجهود مثمرة في نشر الدعوة ، مع العلم بان الاسلام قديم في كانـم والبرنو ، وأول داعية معروف هو محمد بن مانى ( القرن ١١ م ) الذي عاش ١٢٠ سنة وعاصر خمسة من ما يات البرنو ، قرأ معهم القرآن وسيرة النبى صلى الله عليه وسلم .
ثم ان الماى عثمان بن زينب ( ت ١٣٠٠ م ) اشتهر بحماسته لنشر الاسلام بين القبائل الوثنية . وادعى انه من نسل عثمان بن عفان ، وفسر بعض الكتاب بأن (( الهادى العثمانى )) الذي اشتهر بالدعوه الاسلامية في حوض تشاد ، هو الماى عثمان هذا .
المرحلة الخامسة :
ثم جاءت المرحلة الخامسة والاخيرة ، على ايدى قبائل الفولانيين او الفلاتا ، زمن ازدهار امبراطوريتهم في القرن ١٩ م ، مع العلم بأن اسلام الفولانيين برجع الى القرن ١٤ م
وزعيم حركة الجهاد والدعوة الاسلامية ، ـسيخهم الصالح العالم ومؤسس دولتهم عثمان دان فودى ( ت ١٨١٧ م ) - دان بمعنى ابن في لغة الـهوسا - وقد اشتهر بلقب امير المؤمنين Sarki Musulmi '' شملت اببراطوريته معظم غربى افريقية ولها قاعدتان : صكت )) سكوتو (( وكانو .
سار ابنه امير المؤمنين السلطان مـحمد بلو - بــــــــ يد اللام وضمها - ، على نـهجه ، والمعروف عن مـحمد .
انه كان قد منع الضابط المكتشف الانكليزى كلابرتون Clapperton عام ١٨٢٢ م من التقدم نحو النيجر .
وخلال نفس القرن ( ١٩ م ) نـهض التــــــــــكاررة في امبراطوريتهم ، بدور كبير في الدعوة الاسلامية ، ولا سيما زمن اعظم سلاطينهم الحاج عمر التـــــــــــكرورى ( ت ١٨٦٤ م ) فازداد انتشار الاسلام في السنغال وفوتا جالون وغينية .
وعلى ايدى التكارورة ، أسلم الولوف ( الجلف ) وللحاج عمر وابنه آمادوا ( أحمد ) تاريخ حافل في كفاح الاستعمار الفرنسي .
ويضم الى هذه المرحلة ، جهاد سامورى التورى جد أحمد سيكوتورى رئيس جمهورية غينية الحالى ( ١٩٧١ ) في نشر الاسلام . فقد أخذ لقب امام Alimami وله كفاح مشهور ضد الاستعمار الفرنسى ، استغرق نحو ٣٠ سنة حتى ١٩٠٠ م
والمذهب الغالب عند مسلمى غربى افريقية ، هو مذهب الامام مالك ( ت ١٧٩ ه - ٧٩٥ م ) ويوجد في كانم بعض الشافعية ، ولكانيين مدرسة مالكية في فسطاط مصر هي المعروفة باسم (( مدرسة ابن رشيق )) نسبة للقاضى المصرى ابن رشيق المالكى الذى تول بناءها والتدريس فيها اواخر عهد الدولة الايوبية .
كذلك انتشرت الطرق الصوفية ، وأشهرها واقدمها الطريقة القادرية ، على مذهب الامام مالك ، وهي اقدم الطرق الصوفية في افريقية ، وترجع الى سيــــــــــــــــــدى عبد القادر الـجيلانـى في العراق منذ القرن ١١ م ، ان اشهر أولياء الله ، وأشهر أتباعها في أفريقية المختار بن أحمد ( ت ١٨١١ م ) من أصل عربي من واحة توات ومركز الرئيس في فوتاجالون والسنغال ، ومن اتباعها الاقوياء الفولانيون في ماسنه وبلاد الـهوسا والولوف ( الجلف ) في السنغال ، وعنها تفرعت طريقة عرفت باسم المر ـة : اسسها امادو ( أحمد ) باىبا
من الولوف ، ولا تزال المريدية قائمة الى اليوم .
ورئيسها المعاصر الشيخ أحمد مصطفى أمبكى الذى زار السعودية في الشهر الماضى ( رمضان - شوال ١٣٩١ ه ) ومن قبلها زار مصر ، ومن بعدها زار امارات الخليج العربى ، لدعم العلاقات الثقافية والاسلامية مع مسلمى السنغال .
كذلك هناك الطريقة التيجانية ، نسبة الى الفقيه الجزائرى سيدى أحمد التيجانى ( القرن ١٨ م ) وأقوى أتباعها في افريقية الحاج عمر التكرورى ( ت ١٨٦٥ ) ولها فروع ، وتمتاز بالعنف وشدة الوطاة على الوثنية ومقاومة الطرق الصوفية الأخرى .
وهناك الطريقة السنوسية ، وترجع الى الفقيه الجزائرى سيدى محمد بن علي السنوسى ( ١٧٨٧ - ١٨٥٩ م ) تعاليمها التوحيد المطلق ، وجانبها السياسى عدم الاتصال باليهود أو النصارى ومقاومة كل الوان النفوذ الاجنبية وأشهر اتباعها في واداى وكانم وباجرمى وبورنو ، ولا يزال اتباعها الى اليوم في واداى وكانم ، وكان الاستعمار الفرنسى قد قاومها .
اما المهدية ، فقد وجد لها بعض الاتباع في منطقة تشاد وبلاد الـهوسا ، لكن الكثرة في شرقى تشاد وفي سودان وادى النيل .
طبيعة انتشار الاسلام في غربى أفريقية :
هذه هي خلاصة المراحل الخمس في نشر الدعوة الاسلامية في غربى افريقية ، ولقد اجمع المؤرخون والرحالة في الشرق والغرب على ان السلم والاقناع كانا الطابع الاساسي تنشر الدعوة مما جعل الافريقيين يقبلون عليه ، فكان الداعى يعقب الفاتح ، ليدخل الطمأنينة في النفوس وليقرب العقيدة من قلوب الناس ، وفرق بين انتشار العقيدة الاسلامية وبين الفتوح الاسلامية .
واشترك في الدعوة الاسلامية العلماء والتجار مسن الاجانب والوطنيين والملوك والامراء والحكام وقادة الفتوح من الوطنيين الافر يقين ويدل على سلمية
الدعوه ان اقوى العبائل الافريقية هى التى اعتنقتها اولا . وقام ملوكها وحكامها بنشر الاسلام بين الوثنيين عن طريق العلماء والدعاة والرسائل .
وحتى في زمن الاستعمار ، حيث تم توجد قوة سياسية وطنية قادرة ، ازداد انتشار الاسلام في المناطق الساحلية المتطرفة في غربي أفريقية ، وهي بعينها المناطق التى تركز فيها نشاط البعثات التبشيرية المسيحية ، اكثر من ذلك ، كانت هذه المناطق بعيدة عن متنــــــــــــاول الامبراطوريات الافريقية الاسلامية امثال مالى وصنغى والبرنو والفولانيين .
ومما ساعد على قبول الاسلام ، ذلك الاندماج والمصاهرة ( ٨ ) اللذين نما بين المسلمين من التجار والدعاة من العرب والبربر ، وبين الوطنيين الافريقيين ، وبهذه الطريقة الهادئة ، دخل كثير من الامراء ورؤساء القبائل في الاسلام ، وتـحمسوا بدورهم لنشره ، وشهد بذلك رجال الدين المسيحون والمستعمرون الاوروبيون .
كذلك ساعد على تقبل الاسلام ، انه دين الفطرة ، سهل التناول ، لا لبس فيه ولا غموض ولا تعقيد ، ولـم ترتبط به صور مقدسة أو أيقونات ، أو خلافات مذهبية ثم ان فكرة التوحيد كم تكن غريبة على الوثنين الافريقيين لانه مهما تعددت آلـهتهم كانوا يعتقدون بوجود آله اعظم خالق للكون .
بل لعل ابرز ما يميز طبيعة انتشار الاسلام في غربى افريقية ، ويفسر سرعة قبوله والتحمس له ، انه جاء الى افريقية السوداء واهلها سادة في بلادهم يتمتعون بحرياتـهم واستقلالهم ويمارسون حياتهم وشؤونهم وحكوماتـهم وفق تقاليد مـجتمعهم ، وظلوا كذلك بعد دخول الاسلام وانتشاره ، لم يأت جيش فاتح من قبل الدول الاسلامية الام ، بل جاء تجار ومهاجرون ودعاة وعلماء وكتب ، واندمجوا وصاهروا ورعوا وعلموا ، ولم يدمروا نظمهم او يحتقروا عاداتـهم ، كما ثم يلجأوا الى الاغراء أو
التخويف او الرشوة ، حتى شعر الافريقيون بالاخوة مع مع الدعاة المسلمين ، بل نظروا الى الاسلام على انه (( دين السود )) والى المسيحية ، التى تكافح بشتى الوسائل ببعثاتـها ، وهى التى جاءت في اعقاب الاستعمار بعد حروب تدمير وابادة ، نظروا اليها على انها (( ديـــــــــن البيض )) الاوروبيين المستعمرين الحاكمين .
وفضلا عن ذلك ، فان الدول الاسلامية الاصلية التى جاء منها الاسلام والعلوم الاسلامية ، وما صحبها من نظم سياسية وتقاليد اجتماعية ، حتى في مظاهر الزى ، لم يكن لهذه الدول أى جانب من جوانب السيطرة أو السيادة السياسية ، أو اى نوع من أنواع الأشراف او الحماية أو الوصاية ، على تلك البلاد ، لقد ترك الاسلام الوطنيين سادة في بلادهم .
أما المستعمر الاوربي ، فقد جاء بالنصرانية إلى الافريقي ، كما يقول مثقف نصراني سياسي افريقي من ليبريا ( القرن ١٩ ) هو الدكتور Blyden باعتبار انه عبد ، أو على الاقل بوصف كونه خاضعا مـحكوما ولذلك تعلم الزنـجى النصرانـى وبنوه من بعده ، بـجانب تعاليم النصرانية ، انه جنس منحط ، عديم الاهلية والكفاءة وأنه دون حكامه ومعلميه البيض ، لقد دهمه المستعمر الاوربي واجبره على اعتناق النصرانية وانزله منزنة دون منازل الانسانية . حتى بات أعظم المثقفين النصرانيين الافريقيين يتطلعون الى اليوم الذي يزول فيه اثر لندن وباريس وأشبونة .
لقد ظهرت النصرانية قبل الاسلام ، بما يقرب من ستة قرون ، ولهذه الاسباب مجتمعة ، كان الاسلام اسبق في الوصول الى غربى أفريقية من النصرانية ، حقيقة حال المسلمون في العصور الوسطى دون اتصال الاوربيين المباشر بقلب افريقية ، لأسباب دينية وتـجارية الا أن الاستعمار الحديث ، بعد أن وصل الى تلك البلاد وانفرد بالحكم فيها ، لم يستطع أن يحول قبيلة بأكملها الى النصرانية بوسائله المختلفة . فمن غامبيا الى جابون ، لا يزال الى اليوم الكثير من الوطنيين على عقائده الوثنية القديمة ، رغم اتصاله بالنصرانية الغربية نحو ثلاثة قرون ، حالة أنه على طول الساحل نفسه من السنغال الى
لاجوس ، لا توجد مدينة هامة الا وبـها الاقل فضلا عن عدد كبير من المسلمين .
لقد دعا مؤتمر البعثات التبشيرية النصرانية الذىذ عقد في اكسفورد عام ١٨٧٥ الى انه ما لم توجد وسائل جديدة تضاف الى جهود البعثات التبشيرية النصرانية ، فان الاسلام سوف يكتسح جميع القارة الافريقية .
وقال أحد القمامصة الـمحدثين : مهما كان مستقبل النصرانية في افريقية ، فليس هناك ادنى شك ، في ان هذا المستقبل سوف يتأثر بالجانب الحماسى عند الزنوج المسلمين .
أثر الاسلام :
اما عن أثر الاسلام في تلك الجهات ، فهو عميق ، شانه في جميع البلاد الاسلامية ، وحسبنا شهادة احد رجال الدين المسيحي ، وهو القمص ستانلى : لا يمكن
ان ننسى ان الاسلام هو الديانة الساهية الوحيدة التى أدت الى تطور وتقدم القارة الافريقية .
كما ان الجلبة والضوضاء التى كانت تقترن بالحفلان الوثنية الصاخبة قد اختفت ، بحيث لم يعد هناك مدلول للعبارة التى اشتهرت عن افريقية الوثنية : إذا غربت الشمس رقصت افريقية ))
وبلغ من تمسك المسلمين بالقرآن الكريم في غربى افريقية ، ان كان أهل مالى يجعلون لأولادهم القيود إذا قصر احدهم في حفظ القرآن ، ولا تفك قيوده الا بعد ان يحفظ القرآن . وقد شهد ابن بطوطة ، . ابناء قاضى مالى في قيودهم حين زاره في يوم عبد الفطر عام ١٢٥٣ م .
اخذ الافريقي المسلم من القرآن جميع حاجياته ، حتى وسائل علاجه ، فهو يتحجب بالقرآن ، ويحمل بعض آياته في عنقه وذراعه ، ومن الآيات التى يتحجب بها : سور النجاة ( الفلق والناس ) وآيات الحفظ ( فالله خير حافظ وهو ارحم الراحمين ) - يوسف آية ٦٤ -
ومن تقاليدهم الاستجارة بالمسجد وبيت الخطيب ، والتبرك بالحجاج عند عودتهم حتى كان اسكياصغنى يخرج فى موكبه لاستقبال العائدين من حجاج بلاده ، ويطلب الدعوات منهم ويقبل أيديهم حتى ولو كان بينهم عبيد .
ومن الناحية السياسية : كان الاسلام هو الذى أدى الى ظهور الامبراطوريات الاسلامية الكبرى في غربـــى افريقية . وهي التى دمرها الاستعمار الاوربي واقتسمها .
ولا بأس هنا من انهاء هذا الشطر من المحاضرة بالعبارة التى بدأتها بها وهي : (( انه بالاسلام يبدأ العصر التاريخى لافريقية السوداء ))
اللغة العربية :
وأما اللغة العربية ، فهى مرتبطة بالدعوة الاسلامية في غربي افريقية ، كما في أى بقعة من بقاع العالم ، فهي لغة القرآن والعلوم الاسلامية ، وقد سارت جنبا الى جنب مع الجهاد في سبيل نشر الدين وتوسيع رقعة البلاد الاسلامية ، أى أن انتشار الاسلام كان يتضمن كذلك انتشار اللغة العربية .
ومما ساعد على انتشار اللغة العربية ، فضلا عن الجانب الدينى المرتبط بها ، هجرة كثير من القبائل العربية واستقرارها في تلك البلاد واندماجها مع الوطنيين ، ويؤرخ لهذه الهجرات بما قبل عهد الاسلام يزمن طويل ، وازدادت بظهور الاسلام ، فهناك مثلا مجموعة من القبائل العربية في حوض تشاد تعرف باسم (( الشوا ، ( ٩ ) وهي التسمية التى أطلقها البرنويون عليها . واشتهرت بالفروسية في جيش البرنو ، وهذه
الكلمة مشتقة من الشوى بمعنى شاء في صيغة الجمع والمفرد شاة ، وتدل على رعاة الاغنام ، وقيل انها ماخوذة من الكلمة الحبشية ( شا ) وكلمة حبشة نفسها تسمية عربية .
ويقول ناختجال عن قبائل الكانورى ، أشهر قبائل امبراطورية البرنو ، ان هذه التسمية مشتقة من الكلمة العربية (( نور )) ثم أضيف المقطع (( كا )) ليدل على التبعية ، ومعناها حملة المشاعل ، اشارة للدور الذي لعبوه في نشر الاسلام ، والثقافة العربية ، والمعروف ان قبائل الكانورى خليط من العرب والزنوج .
ومن مجموعات القبائل العربية ما احتفظ بالتسمية الاصيلة مثل قبيلة جذام .
وتدعي قبائل البولالا ، وهي من أقرباء الاسرة السيفية المالكة في برنو ، انها نتيجة المصاهرات بين الشوا العرب وبين الزنوج .
ولا شك في أن عامل الهجرة والاندماج من أهم عوامل التعريب ، كما كان الشأن في أسبانيا الاسلامية بل وفي كل موطن وطئه العرب .
عامل آخر ساعد على انتشار اللغة العربية ، هو ادعاء اغلب الشعوب الافريقية الانتساب الى الاصول الشرقية العربية ، فهذه قبائل البولالا التى تقول انها مولدة عن المصاهرات بين الشوا العربية وبين الزنوج تدعي كذلك أن لها اصولا عربية بحتة ترجع الى اليمن كذلك ادعى ملوك مالى وصنغى والتكرور والبرنو والهوسا والفولانيين وغيرهم ، انهم انحدروا اصلا عن العرب ، وان اسلافهم الاوائل جاءوا من الشرق ، ومنهم من ادعى النسب العلوى مثل ملوك مالى وتكرور . . وؤلاء مايات كانم والبرنو ، يدعون انهم من نسل سيف بن ذى يزن الحميرى ، حتى اشتهرت أسرتهم في التاريخ باسم الاسرة السيفية . وتقول قبائل الكانورى ان لهم اصولا يمنية ، وتدعي قبائل الهوسا ( * )
ان اسلافهم جاءوا من مكة وهكذا .
ومهما يكن في هذه الادعاءات والمقولات ، من بعض الجوانب الاسطورية ، فان النتيجة التاريخية المحققة لها ، هي سرعة انتشار اللغة العربية ، نتيجة الحرص والاعتزاز بكل ما هو شرقى عربى ، والفخر بالانتساب الى العروبة والى مصادرها .
ساعد على انتشار اللغة العربية كذلك ، كثرة وجود الكتب العربية الاسلامية ، وكان في تنبكت سوق رائجة للكتب .
وهناك عناية اـــــــــوك والامراء والحكام وحماستهم لنشر العلوم العربية الاسلامية ، فيذكر مثلا ، عن هانسا سليمان ( ت ١٣٦٠ ) في مالي انه استكثر من الفقهاء في بلاده من مذهب الامام مالك ، وانه اشترى نسخة من القاموس المحيط في تنبكت بثمانين مثقالا من الذهب وأهدها لبعض علمائه . ويذكر كذلك عن فقيه البلاط البرنوى العالم الافريقى الكبير عبد الله ديلى بن بكر ، انه قرأ مع احد أبناء الماى سلما ( ت ١٢٢١ م ) نحو ١٥٠ كتابا في فروع العلوم العربية والإسلامية ، واللهجة العربية السائدة في البونو ، هي اللهجة الحجازية ويحرص المتكلمون بها على ان لا تطغى عليها اللغات المحلية .
وهكذا وجدت اللغة العربية تربة خصبة في غربى افريقية ، ولقد ظلت كذلك حتى عصر الاستعمار . فحين وصل الرحالة المكتشف الانكليزى فرانس مور Francis Moore عام ١٧٣١ م الى حوض نهر غمبيا ، وجد معظم سكانه يتكلم العربية كما وجد القرأن شريعتهم ، ومما آثار دهشته انه وجد المام اهم غمبيا بالعربية ، يفوق المام أهل اوربا في العصور الوسطى باللاتينية ، مع العلم بان اللغة اللاتينية في أوربا الوسطية ، كانت اللغة الدولية ولغة الدين والثقافة والقانون والتجارة .
وفشل الاستعمار الفرنسي والانكليز في القضاء على اللغة العربية والثقافة العربية الاسلامية في غربى افريقية ، واد سبق لخناق عليها ، وحاول عبثا ان
يحول انظار الافريقيين المسلمين عن فاس وتونس والقاهرة ومكة .
ويقول سير توماس ارنولد ، المستشرق والمؤوخ الانكليزى : لقد غدت اللغة العربية لغة تخاطب بين قبائل نصف القارة السوداء .
لكن هذا لا يعنى ان اللغة العربية قد قضت على اللغات المحلية في غربى افريقية ، بل كان الوطنيون يتكلمون العربية بجانب لغتهم او لهجتهم المحلية ، ويشبه هذا ما كان سائدا في الاندلس الاسلامية ، حيث كان المجتمع الاندلسي من عرب ومستعربين يتكلمون اللغتين وهي العربية والرومانية او اللاتينية الدارجة ويسميها العرب (( لطينية أهل الاندلس ( ١٠ ) ويشبه كذلك ما كان سائدا عند ملوك الجرمان ، فهم يتكلمون بلغاتهم فيما بينهم بلغاتهم الاصيلة : الفرنجية أو القوطية او الانجلوسكسونية ، لكن لغة العبادة والحكومة والثقافة والآداب هي اللاتينية .
وكما تركت اللغة اللاتينية آثارها البارزة في اللغات القومية الاوربية الحديثة ، تركت اللغة العربية آثارها في اللغات المحلية في غربى افريقية ، لقد كانت لغة الهوسا تكتب بالحروف العربية منذ وقت مبكر ، لكنها الآن تكتب بحروف لاتينية ، واما اللغة الفولانية فلا تزال تكتب بالحروف العربية الى اليوم .
ومن حيث الالفاظ ، هناك عشرات الالوف من الكلمات العربية المستعملة الى اليوم في غربى افريقية : في الحياة الدينية والثقافية والاقتصادية ، فى الحرب والسياسة ونظم الحكم والحياة الاجتماعية . حتى في أسماء النباتات والمدن والحيوانات والاعلام .
فمثلا : في الحياة الدينية : الله = اللا . عند الهوسا (( ياللا )) و (( يالف )) عند الولوف والصنغى والفولانيين والبامباره والديولا والصوصو والخاسونك .
الصيام = أزومى عند الـهوسا . الجنة = ديانا عند الواوف .
قرأ يقرأ = كارها او كارا عند الماندنـجو وكارانى عند الديولا
وفي أسـماء ، الاعلام : محمد = امادو او دودو - محمود = مامودو - الامين = لامين - او بكر = بوكار - عائشة = ايساتو - فاطمة = فايتاتو بنت = منت .
وفي أسماء المدن : اطلق كثير من أسماء المــــــــــــدن الاسلامية المشهورة على بعض مدن غربى أفريقية ، ففى السنغال نجد القيروان وتنطق كبراون ، وفي غينية نجد مصر وتنطق ماسير ، والطائف وتنطق تابغا ، وهكذا .
وهناك بعض الخصائص في الكتابة العربية ونطق الحروف في غربى افريقية . . فالكتابة على طريقة المغاربة وأهل فاس بصفة خاصة ، وبعض حروفها يرسم على شكل زوايا كـــــــــــ ، وتوضع نقطة الفاء تحت الحرف ، واذا وضعت النقطة فوق الحرف نطقت ( ق )
خليفة كر للكــــــ
أما نطق الحروف ، فليست هناك قواعد ثابتة عند القبائل المختلفة ، او حتى داخل القبيلة الواحدة ، وكلها او اغلبها يختلف عن النطق العربى الصحيح .
فمثلا : حرف ( ق ) او ( خ ) ينطق مثل ( ك ) كما في القرآن = الكران والكرانو ، عند الماللك ، خليل = كاليلو ، عند الديولا . واحيانا ينطق حرق ( ق ) مثل ( ه ) كما في كلمة قبه = هبارن ، عند الـهوسا ، وحرف ( ش ) ينطق مثل ( س ) عند الماندنجو في كلمة شريعة = ساريا ، بينما ينطق كما هو عند الفولانيين كما في كلمة شيخ = شيهو ، وهكذا .
هكذا كان انتشار الدغة العربية واثرها وخصائصا في غربى افريقية ، ويقترن العهد الزاهر للغة العربية والعلوم العربية في تلك الجهات ، بعهود الامبراطوريات
الافريقية الاسلامية ، فقد كانت اللغة العربية هى اللغة السائدة (( Lingua Franca ))
كما كانت لغة الهوسا من قبل . واستخدمت العربية في جميع الاغراض واوفت بـها ، ففي المكاتبات الدولية مثلا ، وجدت صيغ عربية خاصة في دواوبن السلاطين المماليك في مصر ، لمخاطبة ملوك تلك البلاد ، وهذه الصيغ عبارة عن افتتاحيات تصدر بـها المكاتبات ، فمثلا افتتاحية المكاتبة لملك التكرور أو ملك مالى : (( أدام الله نصر المقر العالى السلطان الكبير العالم المجاهد المؤيد الأوحد عز الاسلام شرف ملوك الأنام . سيف الخلافة ، ظهر الامامة . . . فلان . . . ))
ودلت ردود ومراسلات ملوك غربي افريقية على تقدم الاسلوب العربى فيها ، فمثلا جاء في رسالة الماى عثمان بن زينب ( ت ١٤٢٥ م ) الى برقوق سلطان المماليك في مصر :
(( من المتوكل على الله تعالى ، الملك الأجل سيف الاسلام وربيع الايتام ، الملك المقدام ، المستنصر بالله ، الملك الغشمشم ( من الجرأة والشجاعة ) ، الى ملك المصري الجليل )) . .
ومن شعر ابن الصباغ من علماء كاتسنا - من دول الهوسا - في فضل العلم :
العلم روض الله كالبستان
أشجاره كثيرة الأفنــــــــــــــــان
أثماره تطيب باللسان
من ذاقه يرقى الى الكيــــــــوان
الكيوان : ( زحل بالفارسية )
ولقد شجع الملوك في غربى افريقية على تعلم العربية واجادتها ، فضلا عن العلوم الاسلامية ، مثل السلطان كنكدر ( * ) موسى ( ت ١٢٣٧ ) سلطان مالى . واسكياداود
( ٩٩١ ه - ١٥٨٢ ) آخر سلاطين فقد كان داود حافظا للقرآن وله خزائن كتب ونساخ ينسخون له ويهادى العلماء من خزائنه .
لذلك ازدهرت المراكز العلمية الاسلامية في غربى افريقية ، مثل تنبكت زمن مالى وصنفى ، وبها جامعة سنكري ، وكذلك جنى وولاته ونيمه وكومبى صالح وصكت وكانو وكاتسنا ودورى وزاغه وكابره ، وكلها في حوض النيجر .
لم يكن عجيبا اذن ان يسهم الوطنيون الافريقيون في التراث العربى وفي المكتبة العربية بالشئ الكثير .
لقد غطى التراث العربي الذي كتبه وصنفه العلماء والملوك الافريقيون جميع فنون المعرفة من تاريخ وآداب الى علوم لغوية وفقـ ـية وحديث ، ولـ ـو لم يتعرض هذا التراث لبعض الكوارث خلال حروب الاستعمار والكفاح الوطني ، لكان لدينا اليوم منه احمال ضخمة ، ومع ذلك فما بقى ونجا منه يعد بالآلاف .
من ذلك مثلا : ما كتبه محمد الكتسناوى ( ت ١٦٥٥ م ) واشتهر بين الهوسا باسم دان مارينا ( ابن مارينا ) ( مزجرات الفتيان ) ، وهي قصيدة في بث الروح الدينى في قلوب الشباب . ومما كتبه الشيخ عثمان دان فودى ( ١٨١٧ م ) مؤسس امبراطورية الفولانيين : ( احياء السنة واخماد لبدعة ) - ( ضياء الامة في أدلة الأئمة الاربعة ) - ( بيان رجوع الشيخ السنوسى عن التشديد على التقليد في علم التوحيد ) - ( ارشاد اهل التفريط والافراط الى سواء الصراط ) في علم اصول الدين الخ .
ولشقيقه عبدالله المحدث ، مؤلفات تربو على المانئتين ، حتى لقب بنادرة الزمان وعلامة السودان ، منها : ضيا ، الحكام فيما لهم وعليهم من الاحكام - مطية الزاد ، الى المعاد . الخ . .
ومن مؤلفات السلطان امير المؤمنين بن بلو بن عثمان دان فودى : فدح الزناد في أمر هذا الجهاد ، النصيحة الوضيئة في بيان ان حـ ـب الدنيا رأس كل خطيئة - عجالة الراكب في الطب الصائب . .
وللحاج عمر التكرروى ( ت ١٨٦٥ ) ويسمى نفسه قطب الاقطاب وخاتم الاولياء : منظومة في اصلاح ذات البين - المقاصد السنية - لكل موفق من الدعاة إلى الله من الراعي . والرعية ( في مهام الدعوة الاسلامية ) - قصائد متنوعة ، وكان شعره يتغنى به من فوتا في سيراليون الى كانوا في بلاد الهوسا .
وغير هؤلاء كثيرون . .
وفي التاريخ : ما كتبه الفعى مـحمود كعت : تاريخ الفتاش في اخبار البلدان والجيوش واكابر الناس وذكر وقانع التكرور وعظائم الامور وتفريق انساب العبيد من الاحرار ( بدا تاليفه ٩٢٥ ه - ١٥١٩ م ) وما كتبه الامام أحمد بن فرتوا مؤرخ بلاط البرنو زمن ادريس الوما ( ت ١٥٨٣ م ) وعبدالرحمن السعدى ( من أسرة ارستقراطية سودانية ) ( ت بعد ١٦٥٥ م ) وله ( تاريخ السودان ) ولأمير المؤمنين مـحمد بلو : ( انفاق الميسور في فتح بلاد التكرور ) وهكذا .
ولا يزال الكثير من هذا التراث العربى الاسلامى مـخطوطا ، بـحاجة الى احصاء ونشر علمى سليم على ايدى العلماء العرب والأفارقة المسلمين ، لانه ليس من المقبول أن ينشط لاحياء تراثنا العربى من هم من غير العرب أو من غير المسلمين ، لكنا لا نغمط جهود من تجشموا العنت أو يتجشمونه في سبيل نشر العلم من الغربيين الذين بحثوا ونقبوا وعثروا على مخطوطات عربية كثيرة ونشروها أو ترجموها وليس معنى هذا تناسى أو اغفال تلك الجهود الجبارة التى تبذل حاليا ومنذ مدة طويلة في جميع البلاد العربية لاحياء تراثنا على النحو العلمي السليم . ومن الاوروبيين الذين ساهموا في كشف التراث العربي الاسلامي في غربي أفريقية الرحالة الالمانى الدكتور بارث Barth
) رحلة ١٨٤٩-١٨٥٥ ( وكان في خدمة الحكومة الانكليزية ، ومن الفرنسيين : مونتى ودولافوس وبنوا وهوداس ( نشروا وترجموا الفتاش والسعدى ومخطوطات اخرى ) . ٥ من الانكليز : سير رتشموند بالمر Palmer
حاكم نيجيريا ، فقد كان من بين اعماله العلمية : ترجمة ٦٢ بخطوطة عربية فى كتابه Sudanese Memois ( لاجوس ١٩٢٨ م ) والأستاذ هوتينج C . E . I . Whitting الاستاذ بمدرسة العلوم العربية في كانوا ، فقد نشر كتاب (( اتفاق الميسور )) في لندن عام ١٩٥١ م ( ١١ ) ، وغير هؤلاء كثيرون .
من هذا العرض ، يتضح ان اللغة العربية قد نهضت في افريقية بالدور الذى نهضت به اللغة اللاتينية في اوربا الوسطية ، اذ كانت اللاتينية لغة الدين والثقافة والإدارة والتجارة ، ولم تكن هناك عراقيل تحول دون انتقال الطلاب أو الاساتذة بين مدارس وجاءعات أوربا الناشئة في ذلك الوقت .
أما وجه التفوق الذي ظفرت به العربية على قرينتها اللاتينية ، فينحصر في ان العربية ، في الجانب الاوربى : قد اثرت على اللغات القومية الاوربية الحديثة ، وهى التى طغت من قبل على اللاتينية نفسها وانتصرت عليها . وفي الجانب الافريقى : اكتسبت العربية صفة القداسة في غربى أفريقية ، لانها لغة القرآن ولغة العبادة ، ومن الأدلة التاريخية على هذه الصفة ، تلك الرسالة التى نشرها Gowther أسقف النيجر
الانلكيزى عام ١٨٧٠ م بصدد الأذن الذي ظفر به من احد ملوك المسلمين في منطقة النيجر ، للسماح بقيام بعثة تبشيرية نصرانية بالعمل في بلاده ، ذكر هذا الاسقف ان الأذن الملكى ، بعد ان سجل بالانكليزية ، تناوله السلطان وسلمه لأحد علمائه لترجمته الى العربية .
وأما اللاتينية ، فلم تكتسب مكانتها التاريخية المرموقة ، الا لانها لغة الحضارة الرومانية ، وأما لغة النصرانية ، والمقصود بها لغة الاناجيل الاصلية ، فلم تكن اللاتينية وحدها ، فقد كتبت بالعبيرية واللاتية والاغريقية ، ثم ترجمت الى اللغة الاغريقية ، بحيث أضحت هذه النسخة الاغريقية ممثلة للاصل ، ثم ترجمت هذه النسخة الاغريقية الى اللاتينية في القرن ( ٤ م ) وهي التى اشتهرت باسم Vulgate ( ١٢ ) وفي نفس القرن ظهرت ترجمة قوطية للانجيل .
الخلاصة : ان صفة القداسة التى اكتسبتها اللغة العربية في غربي افريقية ، لم تتوافر للغة اللاتينية ، فالعقيدة النصرانية تمارس بأكثر من لغة ، كما يقرأ الانجيل باكثر من لغة ، من بينها العربية ، وأما القرآن فلا يتلى الا بالعربية ، وان فسر بغير العربية وقد سمح ائمة المسلمين في العصر الحديث بترجمة معانيه فقط .
ومن ناحية اخرى : ان اللغة اللاتينية برمتها ، سرعان ما ذبلت وفقدت مكانتها بل وجودها او كيانها أمام ظهور اللغات القومية الحديثة في أوروبا منذ القرن ( ١٣ م ) فقد حلت هذه اللغات محل اللاتينية تدريجيا في جميع الاغراض التى كانت تؤديها اللاتينية .
وحسبنا اليوم ، ان اللغة اللاتينية ، اصبحت في عداد اللغات الميتة ، وهذا ما لم يحدث للعربية .
( تم البحث )

