الاسلام والتنمية في الاقتصاد العصري, المحاضرة القيمة، التى ألقاها الزعيم، الاسلامى المعروف، الاستاذ علال، الفاسى في الملتقى، الاسلامى بوهران

Share

( تابع لما نشر في العدد السابق ) - ٣ - معنى التنمية الاقتصادية

يقول الاستاذان مايير وبلدوس في ص ٢ من كتابهما النمو الاقتصادى : ان التنمية الاقتصادية عملية يزداد فيها الدخل القومى الحقيقى لمجتمع معين خلال فترة زمنية طويلة ، وحينئذ لا بد ان يدخل عنصر السكان ومعدل النمو السكانى في ذلك المجتمع فاذا كان معدل النمو الاقتصادى اكبر من معدل النمو السكانى فان دخل الفرد في المتوسط لا بد من أن يزداد .

والقصود بالعملية تحرك بعض القوى التى تحصل في السياق الطويل وتسجل التبدل الحاصل في متغيرات معينة ، ولئن تنوعت

تفاصيل العملية باختلاف البيئة والزمن فانها تظل ذات سمات اساس متشابه متشابهة ، ويظل حاصلها العام نحو الناتج القومى .

واذا كانت زيادة نموذج الناتج القومى يحدد معنى التنمية الاقتصادية فيجب أن تعتبر العوامل المختلفة التى يطرأ عليها التغيير عند زيادة الناتج القومى زيادة مستمرة .

وتقسم هذه العوامل الى قسمين : القسم الاول هو ما يصيب عرض الانتاج في المجتمع المهتم بشؤون التنمية الاقتصادية من تغييرات ، والقسم الثانى هو ذلك التغير الذى يطرأ على هيكل الطلب المحلى على المنتجات التى يتم انتاجها .

اما التغييرات التى تطرأ على عوامل الانتاجية فتشتمل على :

أ - اكتشاف موارد جديدة للثروة .

ب - زيادة تجمع المال اللازم للاستثمار . ج - استخدام وسائل انتاجية اكثر كفاية .

د - تحسين الكفاية والمهارات الانتاجية للعامل .

ه - تحسين الاجهزة والتنظيمات الادارية .

وتشمل التغييرات التى تطرأ على الطلب المحلى التغييرات التى تحدث بالنسبة لتوزيع الدخل القومى وزيادة الاستهلاك ، والتغييرات التى تحدث في حجم السكان وتوزيعهم العمرى بحسب الهرم السكانى الذى يحسب في النموذج الاستهلاكى نتيجة لتغير الاذواق المستهلكة ( ٢١ ) .

نظريات التنمية الاقتصادية وأنماطها

حصر الدكتور مبارك حجير مواكب لتنمية الاقتصادية فى ثلاثة أنماط متميزة .

النمط الاول ، رأسمالى اعتنققته الولايات المتحدة الامريكية وباقى الدول الرأسماية التى سارت في ركابها .

الثانى : النمط الاشتراكى الذي نبع من الثورة الروسية ثم فاض منها الى الدول الاشتراكية التى تدور في فلكها .

الثالث : يتمثل فيما اخذت به الدول الناهضة المتحررة نفسها من سياسات اقتصادية تنموية .

وهذه الأنماط تشترك في انها ترغب كلها

في زيادة انتاجية العمل بتجمع جانب من الناتج القومى لأغراض الاستثمار الانتاجى وبالتقدم الفنى وبترشيد طريقة سير وأداء الأنشطة الاقتصادية ، الا أنها تتباين في كيفية تحطيمها وازالتها العقبات التقليدية للتنمية وفي كيفية تعبئتها لجانب من الفائض الاقتصادى لخدمة الاستثمار الانتاجى ثم في فلسفتها وفي انظمتها الانتاجية ( ٢٢ ) .

وسمة النمط الرأسمالى التنموي التجميع الرأسمالى والاستثمارات الانتاجية من قبل الطبقة الوسطى .

وقد فشل النمط الرأسمالى التنموي لما أحاق به من اختلال . وعدم التوازن ينعكس في المودات الاقتصادية وفي عدم كفاية معدل تقدمه .

أما النمط الاشتراكى التنموى فاعتمد على شيئين :

١ - تأميم الصناعة الرأسمالية وتمويل التجاررة ، والنقل ومن ثم خلق قطاع اشتراكى في الاقتصاد القومى .

٢ - الاصلاح الزراعى الذى قضى على العلاقات الفيودالية الاجتماعية في الزراعة وزرع الارض ثم دعم التنمية التعاونية في الانتاج الزراعى .

ومع أن ماركس اعتمد آدم سميث وريكاردو فقد أتى بتحليل مبتكر لتفسير عملية النمو الاقتصادى ، اذ ركز على تقدم التكنولوجيا واعتقد في وجود علاقة متبادلة ، بينه وبين الاستثمار ، لأن هذه في نظره لا تعتمد فقط على الدخل الرأسمال كما رآ ، التقليديون ولكن ايضا على نسبة العائد لرأس المال .

وقد استخدم ماركس فائض القيمة بمعنى

كما أشار الى أن النمو الاقتصاد المستمر يتطلب المحافظة على التوازن السليم بين الاستثمار والاستهلاك أو الاستثمار والادخار . وأبرز العلاقة بين الادخار والاستثمار من ناحية وتوزيع الدخول من ناحية أخرى . تلك العلاقة التى أصبحت فيما بعد ركنا أساسيا لنظريات النمو من أجل الرفاه الاقتصادى ( ٢٣ )

والنمط الثالث الخاص بالاقتصاديات الناهضة الحديثة التحرر من براثن الاستعمار فلم تكتمل ملامحه وسماته بعد لأنه مازال في مرحلة التكوين .

ويعلل ذلك الدكتور حجير بأنه في بادىء الأمر عملت رؤوس الاموال الوافدة من الدول الرأسمالية على دفع التنمية الاقتصادية من الدول الناهضة ، ولم يتحقق ذلك عن رغبة مباشرة وخالصة فى ارساء النمو في الدول الناهضة وانما لأن معدل الربح كان أكثر ارتفاعا فيها .

ولا شك أن هيمنة الرأسمال الأجنبي على المقدرات الأهلية وفرض نوع من التخطيط المشترك بين الدول الناهضة والدول المساندة أوجس خيفة نفس الأول من الثانية وأبعدها عن الميل للمنط الرأسمالى للتنمية ، ويتميز نمط الدول الناهضة بأن الحكومة والاستثمارات العامة هي العوامل الحيوية المحركة للتنمية الاقتصادية نظرا لعدم توافر الطبقة الوسطى وضعفها عن أن تمول تخطيطات التنمية وهو قريب من هذا الوجه

بالنمط الاشتراكى التنموى ، ثم انه يعتمد أيضا على التأميم ، ولكن بطريقة مغايرة لما يتبع فى الدول الاشتراكية حيث يقتصر عادة على رأسمال الأجنبى أو جزء منه ، وحيث لا يكون نتيجة برنامج اقتصادي ، وانما يترتب على الخلاف مع الدول الرأسمالية ويتخذ وسيلة للتحرر منها .

ومما يميزر هذا النمط تحقيقه لقدر من الاصلاح الزراعى وأخذه في الغالب بمبدأ التقشف .

التطور الرأسمالى

هنالك لون جديد ربما اعتبر توفيقيا أو مرحليا هو ما يتحدث عنه الروسيون وبعض دعاة الاشتراكية مما يسمونه التطور الرأسمالى ، ويقول السيد ابراهيم كبة في مقال له في « الأقلام » العراقية بعنوان : « مطالعات في الادب الاقتصادى الاشتراكى » : ان المفهوم السوفياتى للتطور الرأسمالى مفهوم غامض جدا ، تجريدى قد يتضمن محتويات مختلفة بل ومتناقضة أحيانا والمقصود به على العموم قيادة البورجوازية الصغيرة للتطور الاجتماعى ، ولقد دلت التجارب الحسية في عدد كبير من البلدان في العقد الأخير على الأخص ، على أن حكم هذه الطبقة محفوف بالمخاطر الجدية ، وان قيادة الطبقة والاسترشاد بأديولوجيتها العلمية هما الضمان الوحيد لانتصار الثورة الاجتماعية فى جميع مراحلها في ظروف العالم المعاصر ( ٢٤ ) .

فما هو هذا اللون الجديد ، هذا التطور اللارأسمالى ، هل يقصد به نمط انتاج جديد ، كبديل عن نمط الانتاج الاشتراكى او هو نمط انتاج توفيقى ، لا هو بالاشتراكى ولا هو بالرأسمالى ، أو أنه مجرد تعبير عن امكانية

تاريخية لا حتمية تاريخية كما تكون في الاشتراكية ؟

يرى بعض الاقتصاديين في التطور اللارأسمالي تناقضا مع المفهوم المادى حول حتمية مرور المجتمع البشرى من المراحل الاجتماعية التى ذكرناها من قبل ، ويعتمد هؤلاء على الآراء النظرية لقادة الأممية الثانية القائلين بأن الانتقال نحو الاشتراكية انما يمكن عندما تبلغ الشعوب المتأخرة مستوى التطور الذى بلغته الدول المتطورة .

ولأن تجديد طبيعة العلاقات الانتاجية خلال مرحلة التطور اللارأسمالى معقدة جدا ، نظرا للطبيعة الاقتصادية التى تتميز بها ، يعتقد البعض أن الطريق اللارأسمالى هو طريق آخر بشكل جديد لا هو بالرأسمالى ولا بالشيوعى .

وتعقب جريدة « الأقلام » بأن هذا المفهوم خاطئ من أساسه ، فالطريق اللارأسمالى لا يعبر عن نمط انتاج جديد تميزه كنمط انتاج جديد سمات اجتماعية واقتصادية - كشكل ملكية مثلا - عن الأنماط الاخرى المعروفة .

والواقع أنه فترة انتقال تنجز خلالها اصلاحات اجتماعية واقتصادية تبعد البلاد عن التطور الرأسمالى وتتجه نحو الاشتراكية .

واذن فابراز التطور اللارأسمالى والدعوة اليه من طرف الاتحاد السوفياتي - دليل على أنه أداة انتقالية تسير بالدول الناهضة نحو الاشتراكية . وتعليل ذلك أنه في أكثر الدول المتحررة حديثا تتركب العلاقات الاجتماعية بكيفية لا تسمح بالتناقض الأساسى بين الطبقة العاملة والبورجوازية لسبب بسيط هو أنهما لا يشكلان الطبقات الاساس للمجتمع ، ان تطور وتوسيع الطبقة العاملة لا يرتبط بنمو وتوسع البورجوازية كطبقة ،

وانما يرتبط بنمو وتوسع قطاع الدولة ، أما التناقضات الرأسمالية بين الطبقة العاملة وبين الرأسماليين فترتبط بوجود المشروعات الاجنبية ، الا أن هذا التناقض يمكن اعتباره تناقضا خارجيا يمتزج مع التناقض بين الامة بأكملها من جهة والاستعمار من جهة اخرى .

ويحل هذا التناقض بالقضاء على الرأسمال الأجنبي وتوطيد الاستقلال الاقتصادى للبلد .

ان الأساس الذى يقوم عليه التطور اللارأسمالى هو القطاع الاجتماعى بشكليه : قطاع الدولة والقطاع التعاونى .

من هذه النظرة الموجزة لأنماط التنمية في الاقتصاد العصرى يمكننا أن نرى اتفاق جميع النظريات على ضرورة تنمية الانتاج والانتفاع بالطبيعة الى أقصى حد ضمن الاطار العام لمذهب كل نظرية .

وكل مذهب يرى أهمية تلك الغاية ووجوب العمل على انجازها ضمن القواعد المذهبية التى يؤمن بها ، مع رفض كل ما لا يتفق مع اطارها المذهبي نتيجة للترابط العضوى في المذهب الواحد ، لأن مبدأ التنمية جزء من كل فيتفاعل في كل مذهب مع بقية الاجزاء ، فالرأسمالية ترفض من الاساليب ما يتعارض مع مبدأ الحرية الاقتصادية ، والماركسية تؤمن بأن المذهب لا يتعارض مع مبدأ الحرية الاقتصادية ، والماركسية تؤمن بأن المذهب لا يتعارض مع تنمية الانتاج بل يسير معها في خط واحد تبعا لنظريتها عن الترابط الحتمى بين علاقات الانتاج وشكل التوزيع .

والتطور اللارأسمالى توفيق أو مرحلة بين النظرتين ، يرفض الرأسمالية المحض ، كما يرفض حتمية المصير الاشتراكى .

والاسلام ايضا يتفق في المذهب مع الجميع في ضرورة التنمية وكونها واجبة ، ينبغى أن

تكون هدف كل عمل اقتصادى للمجتمع وللأفراد ولكنه يرفض من الأساليب ما لا يتفق مع نظرياته في التوزيع ومثله العليا فى العدالة ، ومع مذهبه القاطع في تحريم الربا وأكل أموال الناس بالباطل .

صلة المذهب بالانتاج

كتب العلامة محمد الباقر الصدر في كتابه : « اقتصادنا » تحت العنوان أعلاه ما ملخصه :

عملية الانتاج لها جانبان :

١ - الجانب الموضوعى المتمثل في الوسيلة التى تستخدم والطبيعة التى تمارس ، والعمل الذى ينفق خلال الانتاج .

والجانب الآخر الذاتى الذى يتمثل في الدفع النفسى والغاية من تلك العملية وتقويم العملية تبعا للتصورات المتبناة عن العدالة .

الجانب الموضوعى من العملية هو الذى يدرسه علم الاقتصاد بمفرده أو بالمساهمة مع العلوم الطبيعية لاكتشاف القوانين العامة التى تسيطر على الوسيلة والطبيعة لكى يتاح للانسان التحكم في تلك القوانين بعد اكتشافها ، وتنظيم الجانب الموضوعى تنظيما افضل وأكثر نجاحا .

فعلم الاقتصاد يكشف مثلا عن قانون العلة المتناقصة في الزراعة القائل : ان زيادة وحدات اضافية من العمل ورأس المال بنسبة معينة ، تقابلها زيادة في النتائج بنسبة أقل ، ويستمر هذا التقارب بين نسبة زيادة الوحدات ونسبة زيادة النتائج ، وبالتالى تستمر زيادة العلة في التناقص حتى تتعادل زيادة العلة مع نسبة زيادة وحدات العمل ورأس المال . وحينئذ لا تكون ثمة مصلحة للزارع في أن يزيد في الانفاق على الارض من

جديد . وهذا القانون يلقى الضوء على العملية ، وباكتشاف المنتج له يستطيع أن يتفادى التدبير بالعمل ورأس المال ويحدد عناصر الانتاج تحديدا يكفل له أكبر قدر ممكن من الناتج .

ونظير هذا القانون الحقيقة القائلة : ان تقسيم العمل يؤدى الى تحسين الانتاج ووفرته ، فانها حقيقة موضوعية من حق العلم الكشف عنها ، ووضعها في خدمة المنتجين للاستفادة منها في تحسين الانتاج أو تنميته .

فوظيفة علم الاقتصاد التى يؤديها الى الانتاج هى اكتشاف القوانين التى يتاح للمنتج عن طريق معرفتها تنظيم الجانب الموضوع الموضوعى لعملية الانتاج بالشكل الذى يؤدى الى نتيجة أضخم وانتاج أوفر وأجود .

وفي هذا المجال ليس للمذهب الاقتصادي مهما يكن نوعه ، أى دور ايجابى ، لان الكشف عن القوانين العامة والعلائق الموضوعية بين الظواهر الكونية أو الاجتماعية - من وظيفة العلم ، ولا يدخل في صلاحيات المذهب اطلاقا ، ولهذا كان لمجتمعات مختلفة في مذاهبها الاقتصادية أن تلتقي على الصعيد العلمى ، وتتفق على استخدام معطيات علم الاقتصاد وسائر العلوم والاسترشاد بها .

وانما يظهر الدور الايجابى للمذهب في الجانب الذاتى من عملية الانتاج ، ففى هذا الجانب ينعكس التناقض المذهبى بين المجتمعات التى تختلف في مذاهبها الاقتصادية ، فلكل مجتمع وجهة نظره الخاص الى عملية الانتاج ، وتفسيره لتلك العملية على أساس تصوراته العامة ، وطريقته المذهبية في تحديد الدوافع واعطاء المثل العليا للحياة .

فلماذا أنتج ؟ والى أى مدى ؟ وما هى

الغايات التى يجب أن تستهدف من وراء الانتاج ؟ وما هو نوع السلعة المنتجة ؟ وهل هناك قوة مركزية تشرف على الانتاج وتخطيطه ؟ تلك هى الأسئلة التى يجيب عنها المذهب الاقتصادى ( ٢٥ ) .

من هذا نفهم انه لا نرى موجبا لاطالة البحث في كون الاسلام يتفق مع الجانب الموضوعى الذى يؤدى اليه العلم لاكتشاف القوانين العامة التى تسيطر على الوسيلة وعلى الطبيعة لتنظيم الجانب الموضوعى لعملية الانتاج .

فكل ما هو ثابت من علم الاقتصاد يمكن للمسلمين أن يساهموا في الاستفادة منه والاستعانة به ، ولا يكون بحثهم فيه الا بحث العالم الخبير الذي يجتهد لمعرفة الحقيقة العلمية على وجهها .

أما المذهب رأسماليا كان أو اشتراكيا فلا يمكن ان يؤخذ الا على طريقة المقارنة مع المذهب الاسلامى ، بأخذ ما هو متفق مع أصول الاقتصاد الاسلامى ونبذ ما لا يتفق ، ووظيفة الموجه الاسلامى أن يكون منطلقه من الاسلام واليه ، يرد كل ما يقف عليه من آراء المخالفين .

واذن فهل يمكن للاسلام أن يقبل السير نحو تنمية اقتصادية عن طريق الرأسمالية الربوية ؟

وقد رأينا بالفعل من العروض السالفة رفض الاسلام مسبقا لذلك ، كما رأينا العوائق التى أحدثتها الامبريالية في المستعمرات وخلق طبقية جديدة لم يبلغ تناقضها الى

الدرجة التى تؤدى الى تصفية واحدة منها لأخرى .

أضف إلى ذلك أن الاسلام حرم الربا وكل عقد يؤدى لأرباح غير معقولة لا يصوغها العمل ، وكل مقامرة أو غش أو لعب حظ ، وكل زراعة للمواد المخدرة أو المؤذية أو صناعة لها أو للاتجار فيها . ومن المعلوم أن الرأسمالية الربوية لا تفرق بين الطيب والحسن فكل ما هو حسن ، أي مريح ، تقبله كان طيبا أو خبيثا .

وقد قال جاك أوسترى نقلا عن ر . شارلز : ان رأسمالية الدراهم مقيدة تماما في الاسلام ، بخلاف ما قام في انكلترا البروتستانتية بعد حركة الاصلاح ، لم يقبل المسلمون ترك الدين أمام الطعم الذى هو الرفاه الاقتصادى ،

ويجب الملاحظة أن الاحساس بالمهانة التى يسببها الربا لم يخفف كليا من البلاد الاسلامية ، وبإمكاننا ذكر حالة الثري المصري الكبير الذى كان يسلف البنوك والاشخاص بطريقة مترفعة ولكن بدون فوائد حتى لا يخالف النصوص القرآنية ( ٢٦ ) .

وقد أدركنا في المغرب عددا من التجار الكبار لا يتعاملون مع البنوك ، ولا يزال عدد كبير يرفض قبول الفائدة ومنهم من يدفعها .

واذا لم يسلك المسلمون طريق الرأسمالية الربوية فهل يوافقهم الاسلام على سلوك النمط التنموى الماركسى ؟

والجواب أن ذلك لا يتفق مع الاسلام ، لأن المذهب الاقتصادى الاسلامى التنموى يختلف في نقطة الانطلاق وفي الهدف من التنمية وفي بعض الوسائل المؤدية إليها ، حقا ان الاقتصاد الرأسمالى ليس علما ، ولكنه مذهب ، وأصول المذهب لا تتبدل بينما العلم يتبدل ، والماركسية كذلك مذهب وليست

علما ، وان ادعي أنها علمية ، لأسباب كثيرة أهمها أن العلم الطبيعى والاقتصادي والاجتماعى اختلف في مضمونه وقواعده اليوم عما كان عليه في عهد ماركس ، والمادية التاريخية هي تفسير اقتصادى للتاريخ ، والجدلية منطق فهى محاولة عقلانية لتفسير ظواهر كونية وبشرية ، تتحقق فروضها أحيانا ويكشف عن غلطها أحيانا أخرى ، والعلم لا يختلف الا اذا لم يسبق علما أى انقلب جهلا .

ولو كانت الماركسية علما لما صح أن تتعدد الماركسيات ويختلف أصحابها حتى في الدعائم الأصلية للماركسية ، ولأنها تختلف ممارستها فهى مذهب وليست علما .

واذا قارنا المذهبين فاننا نجد نقطة الانطلاق في كل عمل اسلامى أو غيره من امتثال أمر الله وتنفيذ تعاليمه القرآنية والسنية . وقد قال ماركس : « بكلمة واحدة أنا أكره الاله » والمسلمون في حالتهم الحاضرة غير مستعدين للتخلى عن ايمانهم بالله ، وحتى في انحرافهم فانهم يريدون أن يبقوا في جو ديني اسلامى .

والهدف من العمل أيضا هو القيام بالخلافة عن الله في عمارة الأرض واصلاحها والاجتهاد فى أن تكون أعمالنا وأفكارنا موافقة لارادة الله ، طلبا لما أعده للمطيعين من سعادة في الدنيا وفى الآخرة بينما الهدف الماركسى مادى محض .

وفي التطبيق : فان سلوك الماركسية في البلدان الاسلامية التى حكمتها مثل سلوك الماركسيين الأوروبيين ، في عدم حماية الاسلام واخضاع المسلمين لحكم استبدادى قاس .

ويقول بعض المسلمين من المتمركسين : انه لا تناقض بين الاسلام والماركسية ، ولكن الواقع أنه اذا كان ثم التقاءات في بعض المسائل فان الماركسية الحقيقية تجعل التخلى عن الدين في مقدمة الأسس المبنية عليها ، يمكن أن يكون تقبل الجانب التقني أو الاقتصادى الصرف منافيا للتمسك بالمبادئ الاسلامية . أما المذهب الماركسى ككل فلا يقبل هو أن يتعايش مع الدين في فكر واحد وعقيدة واحدة .

والاسلام من جهة العقيدة كالماركسية ، نظرة شاملة للحياة ، في مبدئها ومصيرها والغاية منها ولا تتفق النظرتان اتفاقا كليا ، لأن الاسلام مادة وروح والماركسية مادة فقط .

ونبه جاك أوستروى الى أن الاسلام لا يعترف بميراث الانسان للخطيئة الأصلية كما تعتقد المسيحية بحيث يحمل الانسان ثقلها في هذه الحياة بل ان الانسان حر وله الحق في أن يؤمل الحصول على مجتمع فاضل بتهيئة نظام خارجى يمكن ضمنه تحقيق ذلك المجتمع مستقلا عن أي تغيير عقلى في الانسان ( ٢٧ ) .

ومن جهة أخرى فان الماركسية تطور للفكر الأوربى المضاد للمسيحية المنبثق من المسيحية نفسها ومن الثوررات المتعاقبة المتباينة في المجتمع الفيودالى والبوجوازى .

لقد بدأنا نتلمس بالرغم من اختلاف الترجمة فى النظام الرأسمالى والنظام الشيوعى أن الأسس التى توجه وتحدد حتى الآن النمو الاقتصادى ، هى متشابهة الى

حد كبير ( ٢٨ ) ، وهذه الأسس من فلسفة غربية مشتركة تعتقد بتغلب قوة الانسان على قوة الطبيعة وتحبذ ذلك وتعتقد بامكان تغيير الانسان بوساطة أعمال الانسان .

ويقول أرنولد توينبى في هذا الموضوع :  ان انجيل لينين وستالين يستوحى مفاهيمه من الغرب تماما كانجيل بطوس(٢٩) . واسكندر (٢٩) .

أما النمط الثالث الذى تسير عليه الدول الناهضة فهو تركيب من النمط الرأسمالى والنمط الاشتراكى وبعض الاجتهادات الخاصة ، واقتراحه دليل على نبذ العالم الناهض للماركسية فاحتيج الى خلق وسيلة تتدرج به إلى الهدف الماركسى . ولا نعتقد انه يمكن تكوين نظام قار ممتزج بين الماركسية والرأسمالية مع محو الطبقية

بالمرة . وكم من المراحل تبقى مستقرة فى مكانها لتصبح نمطا دائما .

ان الاسلام لا يرفض الاستفادة من التقنية والتنظيمية من أي نمط ولكن لا بد أن يكون ذلك موضوعا فى بوتقة المذهب الاسلامى ليصهره ويذيبه حتى يصبح من الجزئيات التى يشملها المذهب ، ونحن لا نشك في أن أخذ الدول المتخلفة بالنمط اللارأسمالي للتنمية انما هو قرار من الماركسية ومن الرأسمالية معا . والالتجاء للعقيدة كرد فعل يبقيها مغلقة غير ثابتة في النفوس وبذلك لا يرجى معها النجاح التام .

ان التحرر المادى من الاستعمار الاقتصادى لا ينبغي أن يذهب ضحيته استقلالنا الفكرى والروحى فاستقلال الفكر والعقيدة أولى من الاستقلال السياسي ، وجلاء النفوذ الاجنبى عن وطننا لا يتم الا اذا جلا نفوذه المعنوى من قلوبنا كما قلت :

لا يغرنكم جلاء ظاهر  

ان في القلب احتلالا قد رسب

(للمحاضرة بقية في العدد القادم ان شاء الله)

اشترك في نشرتنا البريدية