الامم المستعربة فى القرن الاول الهجري, اساورة الفرس

Share

إن هؤلاء الفرسان ) الأساورة ( ليشبهون إلى حد عظيم فرسان انجلترا [ The Knights [ فى استعدادهم على قدم وساق عند داعى الوطن إلى ميادين الهيجاء ، وهم جماعة من فرسان بواسل كرسوا حياتهم للدفاع عن بيضة الوطن فى طليعة الجيوش العادية المعهودة ولهم مكانتهم السامية في قلوب سواد الشعب والمؤرخين ككماة حماة وابطال يهبون إلى الذود عن الوطن المحبوب فقد نعتهم إبراهيم البيهقي بالأبطال الاساورة ) ١ ( ووضعهم الجاحظ في مصاف الملوك يامرون وينهون فيطاعون ويهابون ولا يقوم بامر من الامور الجليلة فى أيوان كسرى إلا ابناؤهم فهم الموكلون بستائر كسرى والسير معه انى ذهب ومشى ويجلسون معه على مائدته الخاصه التى لا تضم سوى ثلاثة مع الملك هم : موبذل سويذ . والد يبربذ وراس الأساورة ) ٢ ( لكن كسرى نفسه ما كان يراهم سوى آلة تحطم وتدمر من دون وعى اوشعور ليس لهم من الاهداف فى الحياة سوى طاعتهم لكسرى وخضوعهم لأوامره خضوعا أعمى : " فكان ملوك فارس إذا انفذوا جيشا انفذوا معه وجها من وجوه كتابهم وامروا صاحب الجيش ان لا يحل ولا يرتحل إلا برأيه ، يبتغون بذلك فضل رأى الكاتب وحزمه ، ثم يقول

الملك للكاتب المندوب للنفوذ معه " قد علمت ان الاساورة سباع الانس وانه لا عقوبة عليهم إلا فى خلع يد من طاعة وفشل عن لقاء او هرب من عدو وما سوى ذلك فلا لوم عليهم فيه وعليك اعتمد فى تدبير هذا الجيش " ) ١ ( .

وهؤلاء هم " الابناء " تلك النجدة الفارسية التى طردت الجيش من اليمن وأقرت سيف بن ذي يزن على ملك اجداده تحت رعاية كسرى انو شروان بعد ان تشرد حقبا من الزمان ، واستنجد بقيصر ملك الروم فى استرداد ملك ابائه فلم يجبه لطلبه إلا مرسل هذه النجدة : كسرى .

ولعلك تتعجب كيف سمحت لنفسي أن أصفهم بكلمة " الأبناء " وماذا أقصد بها فمهلا ، انها ليست لى وليس لى حق فى استعمالها انما استعملها اديب كبير منذ قرون عدة فى مؤلفه الشهير " الأغاني ولا ضرر على ابي الفرج الاسفهاني فى استعمال هذه الكلمة رغم غموضها لأنه فسرها فى موضع اخر بقوله : " الأبناء : هم الفرس الذين قدموا مع سيف بن ذى يزن وكانوا يسمون بصنعاء : بني الأحرار ، وباليمن : الأبناء وبالكوفة : الآحامرة ، وبالبصرة الاساورة ، وبالجزيرة : الحضارمة ، وبالشام الجراجمة " ) ٢ ( .

وربما يقول معترض : كيف تعزو إلى هؤلاء أفعال الشجاعة والايثار وهم الذين خانوا وطنهم فيما بعد بله تجاوزوا ذلك بان اشتركوا مع المسلمين فى حصار حصن للفرس على قول بعض المؤرخين أو فى حصار تستر اعتمادا هى رواية المدائن ) ٣ ( فأجيب على ذلك بأن اعتناقهم الاسلام ما كان عن خوف أو جبن أو

طمع فى الاسلاب والغنائم لا أكثر انما كان خالصا لوجه الله فحسب فالأساورة آخر من يرهب فى الامة الفارسية من اى عدد كان لما تقدم لك من اخبار بطولتهم واستخفافهم بحياة الذل والضيم بعد ان كانوا فى مصاف ابناء الملوك الاكاسرة واليك حادثة اسلامهم

فى السنة السابعة عشرة بعد الهجرة اضطر يزدجرد ان يتحصن باصطخر بعد أن كابد الهزيمة وراء الهزيمة وقد ضيقت عليه جيوشهم الخناق بقيادة أبي موسي الاشعري ، فتراجع القهقرى وترك السوس وتستر وغيرها فى يد الاقدار ثم المسلمين ، يفعلون ما يشاؤون فلما استقل به المقام فى اصطخر جمع فلول جيوشه المهزومة ورأى من اصالة الرأى آن يرسل الى كل من السوس والهرمزان نجدة تصد هجمات المسلمين ريثما يتمكن من تكوين جيش قوي يرد غائلة العدو فوجه إلى السوس نجدة نحوى ثلاثمائة فيهم سبعون رجلا من الاعيان والعظماء تحت قيادة سياه الاسواري وأذن له ان ينتخب من كل بلدة يمر بها من رآه صالحا لحمل السلاح ، فمضى سياه الاسواري حتى نزل الكلبانية ، وفي نفس الوقت كان أبو موسي الاشعري قد أجبر أهل السوس على القاء السلاح وطلب الصلح ، ثم كان قد توجه الى تستر يريد فتحها ، فلما رأى سياه شدة باس المسلمين تحول إلى

مكان بين رامهرمز وتستر وكان تقدم المسلمين مستمرا " فدعا سياه الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من اجهان فقال قد علمتم انا كنا نتحدث ان هؤلاء القوم أهل الشقاء والبؤس سيغلبون على هذه المملكة وتروث دوابهم فى ايوانات اصطخر ومصانع الملوك ويشدون خيولهم بشجرها وقد غلبوا على ما رايتم وليس يلقون جندا إلا قلوه ولا ينزلون بحصن الا فتحوه ، فانظروا لأنفسكم . قالوا : راينا رايك قال فليكفني كل رجل حشمه والمنقطعين اليه فانى ارى ان ندخل فى دينهم ووجهوا شيرويه فى عشرة من الاساورة إلى ابى موسى فقال انا قد رغبنا فى دينكم فنسلم على ان تقاتل معكم العجم ولا تقاتل معكم العرب ، وإن قاتلنا احد من العرب منعتمونا منه وننزل حيث شئنا ونكون فيمن شئنا منكم

وتلحقونا بأشراف العطاء وبعقد لنا الأمير الذي هو فوقك بذلك فقال أبو موسى بل لكم مالنا وعليكم ما علينا قالوا لا نرضى وكتب ابوموسي الى عمر بن الخطاب فكتب الى ابى موسى أعطهم ما سألوك فكتب ابو موسى لهم فأسلموا ) ٦ ( .

هذه قصة اسلامهم روى اكثرها ابن جرير فى تاريخه وهى وان كانت تدل فى نفسها بان اسلام الاساورة كان عن خوف او يأس فان لدينا ادلة واضحة اخرى تدعم نظريتنا السابقة ولست آخذك ان أسأت الظن بهم فقبلك أساء المسلمون بهم الظن بادىء الامر ثم لما شاهدوا استبسالهم فى حصار تستر تعجب قائدهم ابو موسى الاشعري فقال لسياه : " ما انت واصحابك كما كنا نظن " فاجابه سياه قائلا : " أخبرك بأنه ليست بصائرنا كبصائركم ، ولا لنا فيكم حرم نخاف عليها ونقاتل ، وانما دخلنا فى هذا الدين فى بدء امرنا تعوذا وان كان الله رزق خيرا كثيرا " ) ٧ ( ولدينا دليل اخر على خلوص نيتهم وصدق طويتهم وحبهم للاسلام والمسلمين وحبهم للنبي العربى صلى الله عليه وسلم ورهطه وعشيرته وذلك انهم بعد أن وضعت تلك الحروب الفارسية أوزارها " صاروا إلى البصرة فسألوا : اي الاحياء اقرب نسبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل : بنو تميم وكانوا على ان يحالفوا الازد فتركوهم وحالفوا بني تميم " ) ٨ ( .

ولك أن تستنتج من ذلك ما شئت لكنني - أنا فى نفسي - أرى ان هذا عمل لا يقدم عليه إلا من كان قلبه مفعما بحب الاسلام ، عمل ليس له دافع سوى الاخلاص والحب لأهل المودة والقرب وهكذا تم اسلامهم اولا ثم سكناهم بالبصرة ثانيا ثم تعريبهم اخيرا واندماجهم فى الشعب العربي المسلم بالعراق مهد المدنية الاسلامية الزاهرة فى ذلك الوقت

اشترك في نشرتنا البريدية