التجارة - فى بلادنا - لا اسلوب لها ولا ضمير، اما انه لا اسلوب لها فأمر يعرفه التجار، قبل غيرهم ذلك ان اسلوبهم فى طلب الاشياء من الخارج، يتبع قوة الطلب عليها هنا، وهذا معقول ومقبول، ولكن غير المعقول، ان هذا الطلب يجىء منهم جميعا وفى وقت واحد ، فتكون النتيجة ان ما طلبوه . يصل فى وقت واحد ايضا !! فيبدأ بذلك الهبوط فى الاسعار ، هبوطا يعنى الارتفاع السريع الى اثمان غير معقولة ، نتيجة الاستهلاك الداخلى ، فيعاودون الطلب جميعا على نفس الاسلوب السابق، وهكذا دواليك ، فى جميع الحاجيات الضرورية منها والكمالية.
أما أن التجارة لا ضمير لها فلذلك اسباب تبدأ وتنتهي فى نقطة واحدة، هى ان التجار او اكثرهم - على الاصح - ما يزالون تجار حرب، يريدون الثراء العاجل من أقرب طرقه، فالارباح فى حسابهم يجب ان تكون على اقل تقدير، خمسين فى المائة فاذا ماجاء هبوط طبيعي، فى اسعار بعض الحاجيات اسرعوا الى الشراء لتتحرك القوة الشرائية، فيحفظون على انفسهم اموالهم التى بذلوها فيما اختزنوه من بضائع وحاجيات .
وفقدان الاسلوب والضمير فى تجارتنا يعنى نضوب العاطفة وفراغ النفس وشىء اخر يتصل بالحديث عن التجارة فى بلادنا، واعنى به حالة الاستيراد فالتجارة فى بلادنا تقوم على الاستيراد، وعدد المستوردين اليوم اكثر منه فى أى وقت مضى - بمرات ومرات، على رغم ما تستلزمه حالة التجارة اليوم - من حيطة وحذر .
وزيادة المستوردين، نتيجة طبيعية لتوفر النقد فى ايد قانونها - الشراء اليوم، والربح اليوم - فهي لا تستطيع ان تتجه الى غير الشراء، وليس فى البلاد مصارف تجارية او شركات استثمار ، تستطيع ان تمتص النقد ، لتوجهه توجيها
صحيحا كما هى القاعدة فى خارج بلادنا ومن اجل هذا تطرق الفساد الى تجارة الاستيراد، وبدأت اعراض الضعف الخلقى فى حركات وتصرفات كل تاجر، ولدى كل واحد قصص منها، وزاد الطين بلة فقد ان التخصص فى الاسيراد، اذ أصبح كل تاجر تاجرا فى كل شىء، فى الحبوب والسيارات وادواتها والآلات المختلفة، والادوية والعطارات، وغير ذلك مما قد يتطلبه السوق فى نوبة عارضة، وقد اثبتت التجارب خسارة المستورد الجديد، وضرر المستورد المختص، والنتيجة الطبيعية لهذه الفوضى الاستيرادية - التى قد تبدو لدى النظرة القصيرة الخاطفة حالة مرغوبا فيها، اختفاء رؤوس الاموال الصغيرة، بعد عديد من الخسارات فى امد قصير او طويل، يقرره حظ التاجر وحده .
ان ضعف رؤوس الاموال الكبيرة، واختفاء رؤوس الاموال الصغيرة، معناه تبخر النقد من البلاد وتصديره الى الخارج فى غير مقابل، وأخيرا قلة تداول النقد او فقدانه. وهذا يستتبعه اختفاء الاعمال العمرانية والانشائية، وشيوع البطالة بين افراد الطبقة الصغيرة والمتوسطة ثم اجرة العامل وانخفاض راتب الموظف، مما ينتجه ضعف - القوة الشرائية - التى يمثلها العامل والموظف، باعتباره المستهلك الاساسي. وهذه النتيجة التى تصيب الفقير فى النهاية، هى التى حفزتنا الى بحث الموضوع، رغم ان هذه النهاية تبدو بعيدة الوقوع فى ظن من تخدعهم مظاهر الثروة البادية على كثير من الافراد .
ولسنا نطلب - بهذا - تقييد حرية التجارة، أو حصرها فى بيوت وافراد عرفوا التجارة، ولكننا نريد ان نلفت نظر، الى أن فى استمرار فوضى الاستيراد، هدما لكيان الامة الاقتصادى، الذى هو عصب الحيوات الاخرى وليس لنا من الخبرة التجارية، والثقافة الاقتصادية الواسعة، ما نستطيع معه معالجة هذا الموضوع، بادويته التى لاعلاج له بغيرها، ولكننا نشير الى صيدليات، فيها الدواء الناجع .. واولى هذه الصيدليات الغرفة التجارية - سواء فى مكة او جدة - فإنها تستطيع ان تبحث وتقترح، وتقر وترفع الى الجهات المختصة ما من شانه وقاية البلاد، من غوائل التدهور الاقتصادى فى المستقبل، والا فما هو عمل الغرفة ان لم يكن هذا ؟؟
ثم صيدلية الحكومه - فانها تستطيع ان تراقب الاستيراد، وتستأنس برأى المختصين كعادتها الرشيدة ، وان تفرض من القوانين والانظمة ما يساعد الحياة الاقتصادية على النمو والازدهار !!
ثم صيدلية الشركات - فانها تستطيع ان تعرى اصحاب رؤوس الاموال بالاشتراك فيها، او فلتؤسس شركات مساهمة جديدة، وبذلك يمتص تلك الشركات كثيرا من رؤوس الاموال وطريقة ذلك ان تدار الشركات الحالية بغير ماتدار به اليوم !! فتبدأ بالاستغناء عما تستورده من الخارج، وفى بلادها مادته الخام، وتنتهى الامتيازات المختلفه فى مجالات اقتصادية مختلفه، وتأسيس معامل للصناعات الخفيفة كصناعة الصابون، والروائح والكبريت والزجاج وما لا آخر له ، مما يسهل اتقانه وعمله .
وأخيرا فان الحقيقة المؤلمة اننا حين نلتفت الى ما يصلح ان يكون مظهرا - اى مظهر كان - لحياة او نائمة حياة اقتصادية . لا نجد شيئا يستحق الذكر وهذه الشركات المائت منها والمتحرك، حركة تمثلة محضة لا تصلح ولن تصلح لان تكون عنوانا - او ذيلا - لمظهر اقتصادى مشرف او غير مشرف .
هذه حقيقة مؤلمة ، ولاشك ، سببها فيما اعرف، ان الاتجاه العام - او لعله الخاص - اتجاه فردى محض سداه ولحمه ووسائله وغاياته للثراء فردى، كل واحد يعمل جاهدا ليؤلف - لاكتبا وابحاثا - وانما يحاول ان يؤلف الجنيهات، ويملين الريالات، وهو دافع طبيعي معقول، لا انكره على احد، ولا ينكره احد ، انما الذى انكره اشد الانكار، وينكره كل عاقل مفكر، هو هذه الوسائل الشاذة الى الثراء، هذه الوسائل الرخيصة، التى عطلت التفكير واماتت الجهد، واذوت الروح، وضيعت الكفاءات اولا والبلد ثانيا. وكانت النتيجة بعد كل ذلك .. ان قال كل شاب وكل شيخ - متعلم او غير متعلم فى ظل الواقع المؤلم - نفسى نفسي، ولاشئ قبل ذلك او بعده .
وكان فى الامكان ان يقولها كل واحد لانها طبيعية ومعقولة ولكن بوسائل العصر الذى نعيش فيه .. وسائل الجهد والطاقة والانتاج، والمجال الحيوى، والتعاون وكل ما فى قاموس العصر من وسائل، اغنت الافراد ورفعت قيم الامم.
خذ أى امه تحركت فيها شهوة الحياة فعملت لها أين يومها من امسها ؟ ولن أبعد فاضرب مثلا بامريكا وبريطانيا، بل هى من قريب جدا من الشاطىء الآخر للبحر الاحمر: مصر اين هى اليوم من امسها ؟!. ولا تقل لى ان مصر هبة النيل، الذى وهبه الله لها فقد كانت حتى عشرين عاما وفى سنه ١٩٣٢ بالتحديد امة زراعية تخشى المجال الصناعي لان مواده الخام فى غير بلادها؛ ولكنها غامرت وتعاون العلم والمال، فكانت النتيجة ما نعرفه اليوم عن صناعاتها وانتاجها الذى هو فى سبيل كفايتها الداخلية .
ما اجدر الشركات - على ضعف ايماني بحقيقتها الاقتصادية - بالتفكير، وما اجدر القائمين على امرها ان يذكروا هذه السنوات الطوال. التى اضاعتها هذه الشركات فى غير شىء الا شيئا واحدا، هو النفور العام من التعاون الاقتصادى، عن طريق الشركات وغير الشركات .
وبعد أفلا يجدر بالغرفه التجارية فى مكة وجدة ، ان تعالج هذه الفردية التجارية ، وان تعمل على قيام اشياء - ولا اقول حياة اقتصادية - تصلح لان تكون حقيقة تنتفع بها البلاد .... ومعرض يعرض مع العارضين فى المعارض الدولية كما فعلت جميع الامم العربية فى المعرض الزراعي والصناعي بمصر ؟؟
