أوشكت أن انصرف عن هذا الموضوع الى غيره ، بل لقد انصرفت عنه فعلا ، و تركت الكتابة فيه أياما ، وإن شغلت بالتفكير فيه طيلة تلك الأيام .. ثم عدت فوجدتنى أكتبه على غير رغبة ، ذلك أنى لم أكد أفكر فيه ، حتى تكشف لى رأى سلبى فى تطورنا الاجتماعى ، حسبته - لأول مرة - إسرافا منى فى التفكير التجريدى . الذى أنكره على غيرى ولا أعرفه فى طبيعة تفكيرى .
وجماع الرأى الذى انتهيت اليه .. أن ما نظنه تطورا فى حياتنا الاجتماعية
وهم لا حقيقة له وما يبدو من تطور فى بعض نواحى حياتنا إنما هو - فى الواقع -
تطور فردى محض ، سينتهى به الزمن - بعد سنوات - الى التطور الاجتماعى المأمول ، ولكنه الآن ليس كذلك ..
ومنطق تفكيرى فى هذا الذى أقوله .. أن الحياة الاجتماعية لجماعة ما - قبيلة أو أمه - انما هى الأثر المباشر لما وصلت اليه حياتها ؛ السياسية والأدبية ؛ والاقتصادية ، والعمرانية والعقلية .. مضافا الى كل ذلك تراثها من التاريخ والتقاليد ، والعادات ، والوراثة .
فالحياة الاجتماعية - إذن - هى الصورة التى تنعكس عليها مرائى الحياة العامة بما فيها من قوة وضعف ، ونماء وقحط ، وجمال وقبح ، تتجانس فيها الاضداد وتجتمع المفارقات ، كما تجمع الصورة الشمسية ، شتى المرائى المتنافرة ، والمناظر المتغايرة ، لتكون سجل تلك المناظر ، وعنوانها المعبر عن حقيقتها الصادقة ..
وحياتنا الاجتماعية ، لا يمكن أن يند قانونها عن قانون الحياة الاجتماعية العام .. ونحن اذ نحاول تعرف الأثر المباشر لكل لون من ألوان حياتنا فى (( الجمعية العربية السعودية )) سنجد أن ((الفردية)) أو البروز الفردى .. وهو قوام كل حياة من حيواتنا ، وركازها الذى ما تزال تقوم عليه .. ولا أثر للجماعة فى بناء كيان حياة ما . والنتيجة بعد كل هذا .. أن الفردية هى الغالبة المسيطرة .. وأن أثر الجماعة - ان جاء فى شئ منها - يجئ تابعا (( للفرد )) وتوجيهاته .
وقبل أن نستعرض أثر (( الفرد )) فى بعض صور حياتنا ، نقول .. ان غلبة الفرد ؛ وفقدان الأثر الجماعى ، طبيعى ومنطقى ومعقول .. فقد بدأت حركة الحياة فى بلادنا .. مع مطلع فجر العهد السعودى ، أو ما قبله باعوام لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة عدا .. نتيجة الصحوة الذهنية فى البلاد العربية المجاورة .
وكانت الجماعة فى جهل .. مع تعدد جماعات المسلمين من (( بخارى )) و (( الهند )) و (( جاوى )) و (( افريقيا )) و (( مصر )) و (( سوريا )) وغيرهم ، واحتفاظ كل جماعة من هؤلاء بخصائصها الاصيلة ، وطبائعها الخاصة ؛ وازيائها التقليدية ..
كل هذا قام سدا دون قيام (( جماعة واحدة )) متحدة الاحساس والشعور ؛ ذات طابع واحد فى تقاليدها وعاداتها ، فكان لابد من سنوات طويلة للاندماج الجماعى . وهو وان بدأ فعلا الآن .. الا أن استمرار الهجرة سيعوق - الى سنوات - قيام تلك الجماعة الموحدة فى السمت والطابع والخصائص والشعور العام ..
وهذا استطراد لبيان سبب فقدان وحدة الجماعة . أعود بعده الى حديث (( البروز الفردى )) وأنه قوام كل لون من الوان حياتنا . لأقول ان هذه (( الفردية )) طبيعية ومنطقية ومعقولة - أيضا - لأنها أ كسبت البلاد تقدما وتطورا ما كان فى الامكان كسبها بالجماعة (( الجاهلة )) المتباينة الاحساس والشعور ، والآمال ، والآلام .
وأوضح الامثلة وابرزها على نجاح (( الفردية )) وأنها ركاز الحياة عندنا .. (( شخصية )) جلالة الملك عبد العزيز .. فالمركز السياسى الفريد للبلاد السعودية
فى الواقع ، وفى الذهنية السياسية العالمية . انما هو المركز الشخصى لجلالته ؛ فهو بشخصيته النادرة المثال ؛ وعبقريته الفذة ، استطاع أن يقيم لبلاده كيانا سياسيا ذا طابع استقلالى فريد بين البلدان العربية .. وما يشك أحد فى أن اسم (( ابن السعود )) اليوم ، فى السياسة العربية ؛ وما يتصل بها من الشئون العالمية .. قوة ايجابية فعالة ، محركة .. يشيل بها الميزان السياسى العربى وترجح كفته ..
وليس لاية جماعة - كثرت أوقلت - أثر مباشر أو غير مباشر ، فى بناء هذا المركز السياسي للبلاد أو تركيزه بل لعلها لو وجدت - على أى صورة من الصور - الما استطاعت أن تحقق بعض ماحققته (( الفردية اللامعة الجبارة ))
والحياة الاقتصادية خير دليل على فشل الجماعة فى محيطنا وبيئتنا فهى - أعنى الحياة الاقتصادية - ماتزال تتسكع فى يد (( جماعة الشركات )) بل لعلى
أستطيع أن أقول - دون مبالغة - انها تحتضر الآن ... حتى لقد غدا شعار الناس وقانون أموالهم وثرواتهم (( ان العمل الفردى انجح من عمل الجماعة )) ..
والضئيل الناجح فى قوامنا الاقتصادى .. انما هو من صنع (( الفردية )) المتمثلة فى بضعة أفراد قلائل .
والحياة الادبية .. لا تتمثل عندنا فى مجامع ، أو اندية أدبية ، إنما قامت فورتها الاولى - وما تزال تقوم فوراتها الصاروخية .. التى تقذف بالضوء عاليا ثم تخبو - على جهود فردية .. وقد يكون هذا طبيعيا فى الادب ، ولكن غير الطبيعى الا توجد جماعة لرعاية هذه الجهود الفردية . من (( جماعة الادباء )) أو من غيرهم ، لتكوين ادب محلى له طابعه الذى يميزه عن الآداب العربية الأخرى أو يدل عليه ..
ومن اجل هذا اختفت اكثر الاسماء ، وتقلص النتاج الادبى الى صور من المقالات الصحفية المكرورة ، وبعض قصائد فى المدح ، والغزل ، والرثاء ، وشكوى الزمان ! أما (( القصة )) و (( البحث )) و ((الترجمة)) و ((تراجم الشخصيات)) مما بمعنى الجماعة العامة فأشياء ما تزال فى دور المخاض ..
وما اريد أن اتتبع كل لون من الوان حياتنا بالحديث .. فان هذا تطويل لاغناء فيه . وكله سيؤدى الى أن العمل الفردى هو طابع حياتنا اليوم ، وان
النتيجة المحتومة لذلك هو أن يظل تطورنا الاجتماعى بطيئا .. تمضى عليه السنون دون قيام مظهر جديد من مظاهر وجوده .. حتى الصحافة - بما فيها جريدة البلاد السعودية التى اتشرف برئاسة تحريرها - ما تزال كما كانت قبل عشر سنوات - أو هذا هو رأيى الشخصى عى الأقل - يغمرها ادب المقالة ، وينقصها الخبر الطازج ، والتعليق الملئ . والطباعة الممتازة ، والأخراج الأخاذ .
ولست بهذا أقول بفقدان حياة اجتماعية ، أو أنى أنكر بروز الفردية .. إنما أردت بهذا أن اقول : ان الجماعة عندنا ما تزال أضعف من أن تعيش على نمط متحد ، او فى سمط متقارب ، له طابع خاص ، وسمت معروف ، وعلامة فارقة . وأن لهذا عوامله واسبابه الطبيعية والتاريخية .. وأن النجاح الفردى اليوم .. هو نجاح الجماعة وبروزها فى الغد ، فالجماعة - فى واقعها - هى تمدد الفردية .. وواقع النجاح الفردى يدل دلالة طيبة على مستقبل حياة الجماعة وتطورها .. بعد ان ترسخ دعائم البناء الجماعى . وأن إشاعة التعليم بين جميع الطبقات هو الخطوة الاولى - وليست الوحيدة - فى سبيل إقامة حياة اجتماعية تزدهر فى جوانبها شتى الحيوات ..
والحياة الاجتماعية لكل امة .. انما تجيء فى اعقاب تطور حيواتها الأخرى . ومن أجل ذلك بدأت البلدان التى سبقتنا بالنهوض الى اقامة وزارات للشئون الاجتماعية .. ولم تكن من قبل تشعر بضرورة ذلك .. ولكن تطور حياتها فرض عليها حياة اجتماعية جديرة بالرعاية والعناية .. ولن يطول امد حاجتنا الى هذه الادارة الجديدة .. فنحن فى الطريق .. وما اشك ان خطواتنا الى ذلك ستكون فسيحة واسعة ان صح العزم ، وانضوى التردد .. حقق الله الآمال .

