بحث الرمانى في هذه الرسالة وجوه اعجاز القرآن وركز حديثه على الناحية البلاغية حيث خصص لها القسم الأكبر من رسالته ، وأما بقية وجوه اعجاز القرآن فقد أفرد لها قسما صغيرا في آخر رسالته .
(( وقد أضاف الرمانى ، في حديثه عن البلاغة اضافات جديدة الى من سبقوه ، فقد حدد بعض فنونها تحديدا نهائيا ، ورسم لها أقسامها رسما دقيقا )) ( ٢٧ ) . . ومما يلاحظ ان أسلوب المؤلف في معالجة موضوعه علمي منطقي يحتاج في كثير من المواضع الى الجهد في فهمه وتتبعه ( ٢٨ ) . . والواقع ان المؤلف كان يستعين بالمنطق لتقريب فكرة معينة الى ذهن القارئ ، أو لتأييد فكرة معينة يقول بها ، وقد حالفه التوفيق في بعض المواضع ، وجانبه في مواضع أخرى مما أدى الى تعقيد أسلوبه وغموض فكرته التى أراد أن يعبر عنها في بعض الاحيان ، والتعليلات المنطقية كثيرة في ثنايا الرسالة منها : -
١ - ما جاء في باب التلاؤم حيث قال : (( والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع ، وسهولته في اللفظ وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليه من حسن الصورة وطريق
الدلالة ، ومثل ذلك مثل قراءة الكتاب في أحسن ما يكون من الخط والحرف . وقراءته في أقبح ما يكون من الحرف والخط . فذلك متفاوت في الصورة وان كانت المعانى واحدة )) ( ٢٩ ) . . وقد حالفه التوفيق هنا فقرب لنا الصورة ووضحها .
٢ - ما جاء في باب التصريف حيث يقول : (( أما تصريف المعنى في الدلالات المختلفة فقد جاء في القرآن في غير قصة ، منها قصة موسى عليه السلام ، ذكرت في سورة الأعراف وفي طه ، وفي الشعراء وفي غيرها ، لوجوه من الحكمة ، منها التصرف في البلاغة من غير نقصان عن اعلى مرتبة ، ومنها تمكين العبرة والموعظة ، ومنها حل الشبهة في المعجزة , وذلك ان الاشياء على وجهين : منها ما لا يدخل تحت الممكن فيه معارضة ، ومنها ما يدخل تحت الممكن ، فالاول كالتحدى بعدد يضرب في عدد فيكون منه خمسة وعشرون غير خمسة في خمسة . . . . )) ( ٣٠ ) .
٣ - ما جاء في باب البيان حيث يقول : (( ولو قال قائل ، قد انتهى تأليف الشعر حتى لا يمكن أحدا أن يأتي بقصيدة الا وقد قيلت فيما قيل لكان ذلك باطلا ، لأن دلالة التأليف ليس لها نهاية كما ان الممكن من العدد ليس له نهاية يوقف عندها لا يمكن ان يزاد عليها . . . )) ( ٣١ ) .
ويظهر أثر المنطق في التقسيمات العديدة
التى يستخدمها الرمانى . . فمثلا قسم الايجاز الى قسمين فقال : (( الايجاز على قسمين أحدهما اظهار النكتة بعد الفهم لشرح الجملة ، والآخر احضار المعنى باقل ما يمكن من العبارة )) ( ٣٢ ) . ثم قسمه الى ثلاثة أقسام ، فقال : (( والايجاز على ثلاثة أوجه . . )) ( ٣٣ ) ، وكذلك فعل بالتشبيه وفي أبواب أخرى من أبواب البلاغة .
