لبيك اللهم لبيك :
منذ بوأ الله سبحانه وتعالى مكان البيت لخليله - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - أمره بأن يؤذن في الناس بالحج . . وقد اختلفت الروايات في كيفية أذان ( ابراهيم ) في الناس بالحج ، فمنها انه وقف على حجر (( المقام )) المعروف باسمه ( ١ ) ، ومنها انه صعد على جبل (( أبى قبيس )) ( ٢ ) .
ولبى النداء كل من كتب له أن يحج (( لبيك اللهم لبيك . . نبيك لا شريك لك لبيك . . ان الحمد والنعمة لك ، والملك لا شريك لك )) .
تذكرت تاريخا قديما حبا هنا له الفلك الدوار ما زال واعيا تذكرت ابراهيم اذ قام وابنه ، يساعده كي يرفعا البيت عاليا
فأنشأ بالتقوى بناء مكرما
وأذن في الدنيا إلى الحج داعيا
فلباه من أقصى البلاد ركائب
تسابق ركبانا اليه نواجيا
يخف اليه الناس من كل بلدة
وقد تخلوا من دعوة الله حاديا ( ٣ )
في الحج يظل المحرم يردد التلبية والأدعية المأثورة يوم وقوفه بعرفة ( ٤ ) . وكلمة حج في رأي ( الامام الغزالى ) تعنى رفع الصوت بالتلبية .
فلسفة الاحرام :
وفي الرحلة الى الحج ، يرتدي الحاج غير المحيط والمخيط من الثياب .
و ( للشيخ عبد الرحمن الجديلى ) فلسفة في الاحرام يجدر بنا ذكرها هنا وهى انه : كبت للأهواء واطراح للمظاهر الكاذبة الخادعة . وانه تجرد عن الثياب المخيطة الموشاة المحبوكة الانيقة التى تحجب حقيقة الانسان وتجعل من بنى آدم صنوفا وطبقات . لكل شعار ، ولكل دثار ، ولكل شارة ، ولكل علامة . فاذا ما أحرموا في أزرهم وأرديتهم , ورؤوسهم عارية وأقدامهم حافية ، فقد ردوا الى حقيقتهم ورجعوا الى أنفسهم وأدركوا مقدار ما يكفيهم من العيش ، وما يواريهم من الثياب .
وليست الزيادة على ذلك الا جلبا للهم وتنغيصا للعيش واثارة للتناحر والتناهب والكيد والعدوان ( ٥ ) ، فهذا هو المراد من
الاحرام . . فاذا ما بدت النفوس على حقيقتها حيث ليس هناك ما يميز بين سيد ومسود ، فالكل عند الله وفي نظر أنفسهم سواء ، أمروا بأداء فريضة الحج فأدوها تحقيقا لقوله تعالى : (( وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون )) . ( ٦ )
عند المشعر الحرام :
قال تعالى : (( فاذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام )) .
بعد أن تقضى مواكب الحجيج سحابة يومها بعرفات تؤوب الى (( المزدلفة )) ( ٧ ) لتقف أمام رب هذا الجمع الحاشد الذى جاء من فجاج الارض - وغايته واحدة . . وهدفه واحد . .
وتحت راية الاسلام - وفي هذا المشعر الحرام ( ٨ ) كما وصفه الله ، يذكر ( الله ) كل من وقف يوم عرفة . . يذكرونه أن هداهم لأداء هذه الشعيرة بنعمة منه وتوفيق . وما هي الا ساعات حتى تتحرك المواكب قاصدة (( منى )) .
الله أكبر . . الله أكبر :
وفي (( عرفات )) ( ٩ ) ترتفع الأصوات المرة تلو المرة بالتكبير : (( الله اكبر . . الله أكبر ، لا اله الا الله . الخ )) . وحقا : الله أكبر . . فالله أكبر . . والله متصرف في الكون أجمع ( ١٠ ) .
(( ولن يجتمع مع هذه الكلمة الرائعة : ( الله أكبر ) في قلب مؤمن كبرياء أو جبن أو نفاق أو تردد أو يأس أو قنوط )) .
ويشغل الحاج نفسه بالتكبير أيام التشريق مع القيام بأعمال الحج المتبقية من ذبح وفدية ، ورجم العقبات الثلاث . . وفي الذبائح ، يقول تعالى : (( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها . . ولكن يناله التقوى منكم )) ( ١١ ) وكذلك الحال بالنسبة لرجم العقبات فهو اتباع لسيدنا ابراهيم الخليل ، وفي الرجم رمز لخزي الشيطان .
أركان الاسلام تجتمع في الحج .
يقف الحاج أمام ربه مصليا مستغفرا ، موليا وجهه شطر المسجد الحرام . ويحج الى أول بيت وضع للناس ببكة وفي رحلة قد تطول وقد تقصر . .
من دروس الحج :
وفي الحج يتمرن المسلم على الطاعة المطلقة لربه . . والا فكيف نفسر التلبية في الحج . .
والصلاة التى هي ثانية أركان ديننا . الحنيف الذى ارتضاه الله لنا . . الصلاة هذه يؤمر فيها الحاج بالجمع والقصر - جمع تقديم ، وجمع تأخير - فلا يكون أمامه خيار ( يلبي الامر ) لأنه عبد لربه .
فيا رب تقبل من المسلمين حجهم ، واجمع شملهم في مجالات الحياة ، كما جمعتهم في العقيدة . . تحت راية الاسلام
( مكة المكرمة )

