الحركة الصناعية، فى البلاد العربيه السعودية، ونتائجها فى الماضي والحاضر والمستقبل

Share

- ١ -

الحياة تقتضى الكفاح ، ووسائل الكفاح لا تتأتى لامة الا بالصناعة ، فالصناعة قوام حياة الامم والشعوب وما الحرب والاستعمار الا وسيلة لتدعيم بناء الصناعة وتركيز دعائم الانتصاد فى هذه الامم . ليعمل العاطلون وليسعد الشعب برواج التجارة وتشغيل الايدى العاطلة من ابنائه .

هذا موضوع طريف جيد تفرضه مجلة ( المنهل ) الغراء علي فرضا لا أتخطاه ولا أحيد عنه ؛ تريدنى أن أعرض فيه البحث عن الصناعة فى الحاضر والمستقبل ؛ فأبيت إلا أن أعرض الماضى كتمهيد للبحث ، وتريد أن أنوه بما نرجوه من تقدم فى عهد حكومة صاحب الجلالة الملك المعظم ( عبد العزيز ابن السعود نصره الله ) فلها الشكر على أن أتاحت لى فرصة أبحث فيها عن ( الصانع ) وصناعته فى بيئتة كانت قبل الاسلام لا تعرف قدرا لهؤلاء الصناع ، اذ كانوا يعيشون عيشة القبيلة ؛ التى ما كانت تقدر الصانع ، وهذه نقطة الضعف التى غمز فيها جرير الفرزدق والتى تعرف منها ومن أشباهها الشيء الكثير من نظر العرب القدامى نحو الصناع ، ذلك النظر الذى يدل على ضعف الاجتماع بينهم ؛ وقد أزاله الاسلام ، بل كادت تزيلة قريش قبل الاسلام ان لم تكن أزالت الكثير منه بسلوكها طريق التجارة التى قد تعيبها بعض قبائل العرب ؛ ولكنها حين رأت قريشا القبيلة الشريفة

تسلك سبل التجارة وتحمى الصناع حمدتها بعد عليها ، كما حمدها الاسلام . كانت العرب فى جاهليتها تنظر إلى الصانع نظرة ازدراء ، فاذا حمته فانما تحميه بداعي جواره لها وبسبب انتفاعها به فحسب . ولكن المرأة البدوية كانت تزاول بعض الصناعة البدوية فهى تصنع السمن والجبن والاقط ، وهى تغزل أوبار الابل واشعار الغنم خيوطا تنسج منها بيوتا تقيهم حر الصحراء الشديد وبردها القارس . . هذا صحيح واقع يوم كانت الامة العربية لا تعرف دينا قويما ولا اجتماعا صحيحا . أما وقد عرفت بعدئذ حياة الجماعة ، وتكونت من هذه القبائل أمة واحدة يوحدها النسب واللغة والقومية إمامها القرآن الكريم ، والعاملون بهديه يهدونها الطريق ، فقد تبدلت النظرة الشزراء إلى هؤلاء الصناع فأصبحوا عنصراىهاما يرونه ضروريا لبناء الأمة ورفعة الوطن ؛ ولولا أن شغلوا بالفتح والجهاد لكان حال العمران فى الجزيرة غير ما كان ، فالاسلام يقدر جهود الفرد فى أية ناحية من نواحى الحياة ما دام الفرد يعمل فى حدود الشريعة . فخباب بن الأرت المولى الحداد رفعه الاسلام إلى مرتبة لا يرقى اليها كثير من شيوخ قريش وصناديدها ، لم تحل صناعته دون أن يكون فى الذروة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم . يقطع الأمور فيجاز ويؤذى فينزل لأجله قرآن : ( آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) .

هذه نظرة الاسلام غير أنه وهو فى مبدإ أمره ؛ وقد شغل المسلمون بنشره انصرفوا إلى ما كان مؤيدا للفتح ، ومعينا للجيش ؛ لكنهم حينما استقروا رأيت ما صنعوا وما عملوا ؛ فقد برزوا فى كل ناحية عمرانية . اشتغلوا واشتغل مواليهم وصنعوا وصنع عبيدهم وتكون اجتماع وان كان خليطا لكنه زاخر بالانتاج نابض بالحياة ، واكتر ما كان هذا في العراق والشام وما اليها ، اما الجزيرة العربية فقد منيت هذه الام والرؤم الولود بإنصراف ابنائها عنها أنصرافا يعرفه التاريخ ، ويعرف الأثر البالغ الذي أحدثه فى هذه الجزيرة

من هذا كله نعلم ان طبيعة السكان فى هذه الجزيرة كانت لا تميل الى اشادة الصناعة فى عصور التفرقة ، والارتباك ، شأن اكثر الشعوب التى هذا حالها فى تلك العصور .

قبائل رحل اضطرتها الصحراء ان تسير وترحل ، تتطلب مواضع الكلا ومنازل القطر ومن هذا شأنه لا تستقيم معه الصناعة . اضف الى ذلك ان الذين تولوا شؤون هذه الامة فى القرون الخالية بعد الفتوح الاسلامية الخالدة صرفوا اهلها الى ما يشتهونه لهم فوفروا لهم المال الى حد محدود واغر وهم به حتى تحطمت الهمم وخارت القلوب وتبلدت العزائم ؛ هذا فى الحاضرة . أما فى البادية فقد رجع البدوى الى صحرائه يغني حينا بالغيث فى الربيع ، ويدهر احيانا فتراه كئيبا حزينا لا يعرف حيلة ، ومن اين له بالحيلة ؟ وليس له ما ينمى به ملكاته من علم تعلمه ، أو عمل يعمله ؛ أو يشاهده . . . والعلم والعمل ينميان الملكات فى العاملين مباشرة مما هو محسوس وملموس ، وينميانها ايضا فى غير العاملين بالمشاهدة والملاحظة . هذا ما قرره العلم وعرفه المربون ، وهو ما سنعرض له فى سلسلة هذه الكلمات بعد .

هذه مقدمة عن الماض كتمهيد فى البحث عن الحاضر والمستقبل ، وعما نرجوه من تقدم فى الصناعة في عهد صاحب الجلالة الملك المعظم الذى لمسنا مساعدته لدور الصناعة والعلم لمسا ، وشاهدناها مشاهدة ؛ مساعدة كفيله بالنجاح والتقدم وتنم عن مقدار ما يريده جلالة الملك من رفعة شأن الامة والوطن وعسى ان نوفق فى عرض قائمة من الصناعات التى يزاولها الافراد ، والتى لو جمعت الايدى العاملة لنتج منها نتاج كبير يغنى ويشبع . فالبلد غنى بالمواد الاولية للصناعة من جلود ولحوم واصواف وتمور واراض خصبة تنتج احسن الزرع وخير التمر . أراض لو وجدت العامين لاغنت السكان عن الكثير مما يستوردونه ويحتاجونه .

اشترك في نشرتنا البريدية