الحياة الادبية ، وما لها وما عليها

Share

الزمني حضرة رئيس التحرير بالكتابة تحت هذا العنوان ، ولو تفضل فسألني أن أصف له مبسط ( زلطانى )  أو ( مقلية )  لوجدت المادة الدسمة التى

تساعدني على الوصف فاعرض له ما يحويه هذا المبسط من بيض مسلوق ولحم مفروم ، وبدنجان  اسود ، وفول نابت وما  شاء  الله من الوان الطعام التى يخلطها ويمازج  بينها ليكون منها ما

يسميه ( زلطه )  وهي أكلة لذيذة يسيل عليها اللعاب ؟

وأما أدبنا رغم -  قلته  - فلا اجد المقدرة فى الكتابة عنه بما  يرضى اذ ولد منذ ثلاثين عاما تقريبا ولكنه بقى

مكانه طفلا لم ينهض ولم يشب ولم يترعرع ، وثلاثون عاما تمر على كائن حي قمينة بأن تصل به مهما كان خطوه وئيدا الى مرحلة النضج والعنفوان . الا ان هذه الأعوام التى مرت على الادب اومر بها لم تتجاوز فى حساب الواقع اياما معدودات ويغفر لى اخواني الأدباء اذا وجهت اللائمة والتبعة عليهم قبل كل شىء ، وقل انعدام وسائل النشر ، وعوامل التشجيع ..

ولقد كانت الحركة الادبية قبل عشر سنوات أنشط منها اليوم وهى اليوم حركة معكوسة تسير الى الوراء ويوهمنا غرورنا ان أثرها عظيم فى توسعه أفاق الثقافة ، وأن الذين أصبحوا يقرضون الشعر ويمتهنون الحرفة المباركة من نتاجها ، ولانتورع من أن نقول أخرجنا ادباء ؛ واوجدنا ميدانا أدبيا ، واذا كان مدى نشاطنا محدودا وجهودنا الذاتية مرقورة مبتورة لا تزيد عن صيحة

فى العراء او جمجعة بلا طحن فما علينا الا ان نعترف بالضعف والخور نعبث بخيط الامل فى ايجاد حركة أدبية منظمة قائمة على دعائم متينة حتى تقطع الايام هذا الخيط ، فالخمول مع اليأس خير من حركات بهلوانية  لاتهدف الى غاية .

لاننكر ان الحركة الأدبية وجدت يوم ان وجدت فى جو قائم مريد وفي وسط قليل فيه من يجيد  كتابة اسمه بالحروف الموصولة وفي أيام كان النطق فيها بعبارة مستقيمة أو ترديد مقطوعة او ابيات تحمل  معنى الغزل من اكبر العبوب ، اذ كانت العقلية راكدة ينخر فيها سوس الجهل وغاشيته تعشى البصر فلا يكاد أحد يرى ، أو يستطيع مهما حاول ان يرى بصيصا من نور المعرفة . . فحملات الناشئة يومذاك مشعلا خافت الضوء مشت به وقافلة الحياة حولها جامدة واجمة مكانها ، وراح الادباء يرسلون اصوانا مبحوحة مخنوقة لايكاد يرجع  صداها الا انينا خافتا مخنوقا ، ومع ذلك استطاعوا ان يكونوا لإنفسهم كيانا وان ينظموا من مجموعتهم كتلة واحدة تهدف الى الاصلاح وترمى الى وضع لبنة النهضة الادبية فحقق الله لها بعض ما أرادت . . واصبح لها تاريخ لم يدون بعد فى بطون الكتب الا ان الالسن بدات تتحدث عنه فى المحافل والمجالس معجبة فحورا . .

ومن تاريخها انه عند ماتولى احمد شوقى بك رحمه الله منصب أمير الشعراء واقيم المهرجان بمصر . ودعي للاشتراك مندوبون من مختلف الاقطار العربية وألقى رحمه الله قصيدته العصماء التى يقول فيها .

إفتقدنا الحجاز فيه فلم نعـ  ثر   على قسه ولا سحبائه

ونشرت الصحف تفاصيل المهرجان والقصيدة فغضت الناشئة الادبية يومذاك وثارت ثائرتهم فنظم أحدهم ردا على قصيدة شوقى بقصيدة مشرقة الديباجة دفاقة بالحياة ، واخذت تصدر المؤلفات وهى وان كانت مؤلفات متواضعة ، ليس من ينكر انها كانت اللبنة الأولى . .

واخذ صوتها يمتد ، وكان المنتظر أن يعلو ويصفو عندما اتسع المجال وبعد الافق ، وانجبت الحركة العلمية وأتت اكلها ضعفين وزادت نسبة المتعلمين وتزايد عدد حملة الشهادات العالية وبدأت سحب الجهل المتلبدة تنقشع الا ان

النتيجة كانت على العكس فقد سكت ذلك الصوت ، وبدأت أصوات غيرها تتعالى من هنا وهناك وتتجاوب هنا وهناك ، وفى سائر أنحاء المملكة الناهضة المترامية الأطراف ..

لقد ركدت الحركة الادبية وحمدت مكانها بينما الحيوان الأخرى آخذت تزخر بالحركة ؛ لان الاخلاص للفن فى أنحاء الحركة الادبية من مزاوليه اضعف وأوهن من بيت العنكبوت . ولهذا فالحياة الادبية مجدبة قاحله ؛ وخلو الميدان من أبطاله خير شاهد على أن الادباء هنا يعيشون كالعرب الرحل اذ يراكضون الخصب ويسعون له زحفا وعلى بطونهم ومن يدرى لعل الظروف تفرض على ان . أمشى اليه على أربع ! ؟! .

ومن ينكر على هذا القول أو يزعم باني أسرفت فيه فما عليه الا ان يرجع الى الآثار الأدبية ليلمس مقدار التفاهة بالنسبة - للحركة الادبية ، والمراحل الطويلة التى مرت عليها ، هذا بجانب ان ادباء الطليعة وحدهم قد تجاوزوا المائة عدأ ،  ويستطيعون ولله الحمد ان يرفعوا اصواتهم فوق صوت أغلب الامم العربية المجاورة فما على الأدباء - اذن - الا ان يخرجوا من الظلمات الى النور ويطلقوا لاقلامهم والسنتهم العنان ، ويبرزوا مؤلفاتهم التى طال عليها لامد وهي تتئاءب فى الرفوف وزوايا المكاتب ولا نلتمس التشجيع من القراء لأن الاخلاص لأهدافنا وفننا يضمن لنا النجاح .

فما على الادب الا ان يحاول الحياة دائما فى النور وما له الا أن يعرف مزاولوه أنهم أحق الناس بتشجيعه والاخذ بناصره .

اشترك في نشرتنا البريدية