ننشر فمايلى الخطاب الملكى الجليل الذي تفضل به جلالة الملك سعود المعظم بمناسبة المهرجان الخالد لافتتاح مجلس الوزراء بالرياض . وقد ألقاه نيابة عن جلالته معالي الشيخ يوسف ياسين .
نحمد إليكم الله الذى بفضله تتم الصالحات وبعونه وقدرته تنجح المساعى وتتحقق الآمال ونصلى ونسلم على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين الذي جاءنا من عند الله بما كفل لنا خير الدنيا والآخرة.
أما بعد فكل منا قدر ويقدر مقدار الفاجعة العظمى التى فجعنا بها بوفاة مجدد مجدنا وبانى أسس دولتنا الوالد العزيز عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل قدس الله روحه وتغمده برحمته وجعل مثواه جنات النعيم فلقد أعاد لنا بفضل الله مجد آبائنا واجدادنا وأسس دولتنا فكان لها مركزها بين العالمين كما كان له _ رحمه الله _ من المنزلة فى العالم ما تعلمون ، وان ما تركه لنا من التراث ومن السمعة العظيمة فى محافل العالم نعتبره ركنا من اركان مفاخرنا تتحدث به الأيام والعصور ، ولقد كان عزاؤنا الوحيد بعد هذه الفاجعة ما من الله به علينا إذ وهبنا فضيلة الصبر والتجلد فى ساعة الفاجعة فلم يذهلنا هول المصاب عن الواجب للسير فى الخطى التى رسمها لنا رحمه الله ، وقد واسى جراح قلبنا ما رأيناه من التفافكم حولنا وشدكم أزرنا ومبايعتكم لنا بقلوبكم قبل أيديكم وما احاطنا به الشعب من تأييد ومبايعة على السمع والطاعة على سنة الله ورسوله وهذا يذكرنا بما فعله أصحاب رسول الله من الخلفاء الراشدين فكان
ذلك العزاء الوحيد لنا ولكم ولشعبنا وكان حافزا جديدا حدانا الى مواصلة الليل والنهار للعمل على ما فيه النهوض ببلادنا وإسعاد شعبنا.
لقد كان همنا منذ تولينا مقاليد الأمور ان نعتصم بكتاب الله ونهتدي بهدي رسول الله وسنة خلفه من السلف الصالحين، نتبع سيرة والدنا العظيم فى السياسة والإمارة وفى كل مجال من مجالي الإصلاح سلك سبيله وفتح لنا طريقه لنتعهد ما شيد ونتم ما بدأ فيه من أعمال ونقوم بكل ما نستطيعه لما فيه مصلحة بلادنا وشعبنا . لقد جعل الإسلام الأمر شورى بين المسلمين فأول ما عقدنا العزم عليه هو أن نجعل منكم اخواننا وأبناءنا ووزراءنا موضع ثقتنا ومشورتنا لنتعاون معكم على النهوض بأعباء الحكم فى هذه البلاد فأنشأنا هذا المجلس ( مجلس الوزراء ) ليكون مصدرا لجميع اعمالنا التى تقوم بها فى خدمة هذه الدولة ، وسيكون أى عمل فى الدولة مصدره ومرجعه منكم واليكم على اساس ما يقوم به كل منكم من أعباء وكلنا الأمر فيها اليه طبقا للأنظمة المقررة له . وإننا لننتهز هذه الفرصة الأولى لافتتاح هذا المجلس الموقر لنرسم لكم ونبين المنهاج الذى سنسير عليه فى حياتنا المقبلة بحول الله وقوته .
١ - إن أول ما يهمنا جميعا هو الاعتصام بحبل الله المتين وان نتخير من الوسائل فى داخل بلادنا ما يمكن روح التوحيد الخالص فى قلوب أفراد الشعب كافة حتى يخلص الجميع العبادة لله وحده وسنسير فى ذلك بهدى كتاب الله فى الدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة فى كل مجال وعلى الأخص فى المدارس وسنحرص بحول الله على مراقبة ذلك وحث الناس على كل ما يأمر به الشرع الإسلامى ومنعهم عن كل ما ينهى عنه لأن فى ذلك خير الدنيا والآخرة ولأنه ليس شىء من الخير إلا دعا له الإسلام وليس شىء من الشر إلا ونهى الإسلام عنه.
٢ - أما سياستنا الخارجية فإننا نترسم فيها خطى والدنا العظيم وأول ما يهمنا فيها هو العمل على جمع كلمة العرب وتأييد مصالحهم فى جامعتهم ضمن ميثاقها وضمن معاهدة الدفاع المشترك وقد ابلغنا الوفد الذى مثلنا فى جامعة الدول العربية فى اول اجتماع لها بعد تسلمنا مقاليد الحكم ان يعلن عزمنا الأكيد على مناصرة العرب والتعاون معهم فى أى ميدان وفى أى مجال ممكن لمنع العدوان عنا جميعا والتعاون على تحقيق ما فيه الخير والمصلحة لنا جميعا ونحن سنسير بعون الله فى دعوة البلاد العربية كافة لجمع كلمتها وتوحيد قواها بما يجمع شمل العرب ويحفظ استقلالهم ويرد غائلة العدوان عنهم من أى جهة كانت . وقد تسابقت وفود أكثر الدول العربية الشقيقة الينا لتعزيتنا وتهنئتنا ومشاركتنا فى الضراء والسراء فلاقينا من مواساتهم ما اشعرنا بأن المصاب كان مصابنا جميعا وقد انتهزنا هذه الفرصة فتبادلنا الآراء والافكار معهم لما فيه مصلحة العرب وكان آخر ذلك ما سعدنا به من زيارة حضرة صاحب الجلالة أخينا الملك حسين الذي اجتمعنا به فى ( بدنة ) حيث واسانا فى مصابنا وهنأنا٣ بتوليتنا عرش مملكتنا وتبادلنا شعور المودة والإخاء بيننا وكذلك فاننا نشعر فى قرارة نفسنا بالسرور العظيم للعلاقات الودية القائمة بيننا و بين الدول الإسلامية الصديقة وأخص بالذكر منها دولة الباكستان التى قام رئيسها العظيم السيد غلام محمد بزيارتنا لمواساتنا فى مصابنا وتهنئتنا بارتقائنا عرش هذه المملكة ولتأييد صلاتها الودية وتعاوننا مع حكومة باكستان الصديقة العزيزة وإنه ليسرنا أن نقوم بكل عمل فيه جمع لكلمة الإسلام والمسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها .
كلنا يعلم ذلك السرطان الذي أنشئ في جسم البلاد العربية فقام بأفظع ما عرفه التاريخ من الإجرام حيث قتل وشرد ما يقرب من مليون مسلم عربى .
من فلسطين . . ذلك السرطان هم الصهيونيون من اليهود الذين عرف التاريخ اجرامهم منذ القدم حتى اليوم وهم لم يكتفوا بما قاموا به من اجرام بل انهم يعدون العدة لعدوان جديد على البلاد العربية تمثلها اعتداءاتهم المتكررة على حدود البلاد العربية المجاورة لهم وهم فى وضعهم الحاضر لا يهددون البلاد العربية المجاورة لهم فحسب بل يهددون العرب في بلاد العالم كله ونستطيع ان نقول اكثر من ذلك فإنهم يهددون الإسلام والمسلمين فى اقطار الأرض كافة ونحن عاملون مع الدول العربية ومع من يتفق معنا من الدول الإسلامية للدفاع عن انفسنا ضد هذا العدوان والله ناصرنا بحوله وقوته .
ان سياستنا العامة خارج نطاق الدول العربية هي السعى الدائم لتحسين علاقاتنا السياسية مع الجميع وإنا بعون الله عاملون على تقوية هذه الصلات الودية مع كل الدول التى تظهر الصداقة وترغب فيها معنا .
وإنا آسفون ان تكون هناك مشكلة بيننا وبين الحكومة البريطانية الصديقة لم نتمكن من الوصول الى تسوية فيها حتى الآن ونحن عاملون ما فيه الجهد للمحافظة على كياننا وسيادتنا وحقوقنا الموروثة بالتفاوض مع الحكومة البريطانية لإنهاء المشكلة بالطرق السلمية ولنا وطيد الأمل بالوصول الى حلها بصورة ودية إن شاء الله .
٣ - لقد كان همنا تقوية جيشنا لأنه عماد الدولة وعليه بعد الله يتوقف كياننا واستقلالنا فى الداخل والخارج ولذا فإن الجيش سيخصص له قسم عظيم من الميزانية ونحن نعمل فى كل ميدان لإكثار عدد الجنود وتدريبهم تدريبا فنيا والاستزادة من الأسلحة اللازمة لهم .
٤ - وجهنا عناية خاصة لما فيه خير شعبنا بمحاربة الجوع والفقر والمرض ولقد عانت بعض مناطق بلادنا متاعب اقتصادية بسبب انحباس الأمطار
فعملنا على نقل قسم كبير من البادية الى حواضر المدن وعملنا على تأمين حاجتهم من العيش ونحمد الله الذى حل هذه الازمة بفضله بما من به علينا من الغيث الذى سيكون مساعدا لإزالة هذه الأزمة .
كما اننا اتخذنا من الترتيبات ما يساعد على مساعدة الفقراء فى تأمين معايشهم ، ونأمل ان المشاريع العمرانية التى سنقوم بها فى البلاد ستوجد أعمالا كثيرة تدر الخير على البلاد وتوجد أعمالا واسعة النطاق لسائر أفراد الشعب.
٥ - وقد وجهنا عنايتنا ايضا لرفع المستوى الصحى فى البلاد وقامت وزارة الصحة بإنشاء المستشفيات العامة والمستوصفات وستقوم بكل ما فى استطاعتها لمعالجة المرضى ورفع المستوى الصحى وبناء مستشفيات ومستوصفات فى انحاء المملكة .
٦ - ولقد انشأنا وزارة للمعارف للنهوض بالعمل على تعليم الشعب أمر دينه أولا ثم ما ينفعه فى دنياه ثانيا ، وسنخصص لها فى الميزانية قسطا كبيرا لتقوم بنشر العلم فى كافة أنحاء البلاد .
٧ - وكذلك انشأنا وزارة للزراعة تعمل للنهوض الزراعى فى انحاء المملكة كافة ولدينا ولله الحمد مناطق زراعية غنية لا تحتاج الا الى المعاونة والتنظيم حتى تؤتى اكلها وثمرها حيث تغذى بلادنا ويمكنها ان تعاون فى تغذية بلاد اخرى بعد ذلك إن شاء الله.
٨ - ولقد انشئت وزارة المواصلات وهى دائبة على العمل فى النهوض بما عهد اليها به . وسيكون من مهامها تأمين المواصلات فى انحاء مملكتنا الفسيحة الأرجاء . ولقد تمت دراسة مد خط حديدى من الرياض مارا بالوشم فالقصيم فالمدينة المنورة فجدة ثم ينتهي فى مكة المكرمة .
ولقد وضعت التصاميم اللازمة لهذا المشروع وسيباشر العمل فيه لأهميته الحيوية فى اول فرصة ممكنة . . ولقد كان أهم ما فكرنا فيه تأمين المواصلات بيننا وبين البلاد العربية فاتصلنا بحكومتى الأردن وسوريا الشقيقتين لإعادة سكة حديد الحجاز فاستجابت الحكومتان لدعوتنا ، وعقد فى الرياض مؤتمر ثم الاتفاق فيه على الأسس التي يعود الخط بموجبها إلى سيرته الأولى وبعثنا هيئة فنية لدراسة الخط ووضع تقرير عن تكاليف اصلاحه للتعاون مع الدولتين الشقيقتين على اعادته . وسنضع برنامجا تدريجيا لافتتاح الطرق فى مختلف انحاء البلاد.
٩ - ان العمود الفقرى للدولة لانتظام مصالحها والذي تقوم عليه الحياة العامة والخاصة هو المال وبغير تأمين موارد كافية للدولة وبغير تنظيم صرف هذه الأموال لا يمكن أن يستقيم لنا امر أو ننجح فى أى عمل عمرانى أو تجارى أو اقتصادى وكلنا يعلم كيف تأسست وزارة المالية فى هذه الدولة وما هي الأعباء التى أرهقت كواهلها وقد مر علينا وقت كانت كل اعباء المشروعات العمرانية والاقتصادية و الزراعية والصناعية وغيرها بل وحتى العسكرية أيضا على عاتق وزارة المالية . وهذا بالطبع عمل تنوء به العصبة أولو القوة فضلا عن فرد أو أفراد . . لذلك أخذنا على عاتقنا تخفيف الأعباء عن هذه الوزارة وجعلها وزارة للمالية بالمعنى الصحيح بحيث تتولى جمع كل واردات الدولة كما تتولى صرفها ضمن الميزانية المعتمدة ، وما كان يجوز فى السابق لضيق المورد وقلة المشروعات العمرانية التى كنا نضطلع بها لا يجوز اليوم بعد اتساع الموارد وتعدد المشروعات العمرانية التى ينبغى النهوض بها ، لذلك أمرنا بإعداد ميزانية الدولة تعرض على مجلسكم لمناقشتها واقرارها وأمرنا بجعلها ثلاثة اقسام ، قسم لموازنة دوائر الدولة ومصالحها ، وقسم ثان يخصص للمشروعات أنا
الإصلاحية العمرانية التى ستعرض على مجلسكم لإقرارها ، وقسم آخر للاحتياط والطوارئ .
١٠ - " وبالنظر لرغبتنا فى تعاون شعبنا معنا فى كل ما يتعلق بما له مصلحة فيه ، امرنا ان يكون فى كل بلدة من بلداتنا مجلس ادارى يجتمع برئاسة امير البلدة لبحث الأمور التى تتعلق بمصلحة البلد نفسه ضمن نظام مخصص لذلك .
كما امرنا بتعميم تأسيس مجالس بلدية تنظر فى الشؤون البلدية للنهوض بكل بلدة بما يصلح شأنها ويقوم عمرانها.
وبالإضافة الى ذلك فقد قررنا وضع برنامج مستقل موزع على سنوات خمس للمشروعات الكبرى للإنشاء والإصلاح والتعمير وسيعرض عليكم عند اعداده ، للمناقشة والموافقة عليه إن شاء الله.
ولتأمين سير العمل بدقة أمرنا ان يؤسس بين دوائر هذا المجلس ديوان للمحاسبة العامة سنكون نحن المرجع الأعلى له ، ويتولى امر هذا الديوان مراقب عام بصلاحيات نص عليها فى نظام هذا المجلس ، يراقب جميع واردات الدولة ومصاريفها .
كما أمرنا بتشكيل ديوان تابع للمجلس سميناه ( ديوان المظالم ) وسنحيل اليه كل شكوى ترفع الينا وكل مظلمة نراها او نخبر عنها ، ليقوم بالتفتيش والتحقيق فى كل دائرة من دوائر الحكومة لإعطاء كل ذي حقه وليطمئن شعبنا بأفراده وقبائله ان بابنا مفتوح لسماع شكواه وإنصاف مظلومه.
والذي نبتهل به الى الله سبحانه وندعوه مخلصين هو ان يمدنا بعونه وفضله وتوفيقه للوصول الى اهدافنا فيما يصلح امرنا فى دنيانا وآخرتنا انه تعالى سميع مجيب وهو نعم المولى ونعم النصير . . والسلام عليكم ورحمة الله".
