ما ظنك فيما نكتبه عن الدكتور طه حسين ! . والدكتور طه حسين كما تم كان وما زال موضوع بحث الأدباء والنقاد ؛ يجرى ويتحري فيه الأدباء النقاد التصوير الجيد الرائع والقول الرصين ؛ أقدموا على نقده ؛ وهم فى إقدامهم مأخوذون بادب الدكتور وطلاقة منطقه ؛ وفي تحريهم القوة والجودة محاولون الوصول إلى مكانته فى الأدب والفن .
لعلك لا تجد فيما نكتبه عن الدكتور طه حسين فى هذا الفصل ما يشبعك وتقنع به ، فاننا لا نحاول دراسته ، واستعراض جميع ما أنتجه . فان هذا لا يكون فى المامة بسيطة ؛ وكلمة موجزة كهذه ؛ فما سنتكلم فيه ظاهر من العنوان الذى وسمنا به هذه الكلمة .
ونظنك تعلم كما نعلم ويعلم الكثير معنا أن للدكتور طه حسين آثارا كثيرة ؛ ومع كثرتها هي قيمة جيدة ، ليس كتاب حافظ وشوقى بأجودها أو الفذ فيها . نعترف بذلك واعترافنا بهذا يحتم علينا بيان السبب الذى حدا بنا أن نتكلم عن الدكتور طه حسين الأديب النابغ الذى عرف بأدبه وظهر به أكثر مما عرفه أدب غيره وأظهره ؛ وأن نعنى فى بحثنا بكتاب حافظ وشوقى دون غيره ، مع أن غيره ليس بدونه .
أنه سبب نخاله يصلح لأن يكون عذرا لكتابة موضوع لا ندرى أنوفق فيه ونفيد منه ؟ ! أنه الرغبة فى معرفة النقد . النقد الذى يقول عنه الدكتور طه حسين قوله هذا : -
(( النقد صنيعة يسديها الناقد إلى الكتاب والشعراء ، لان هؤلاء الكتاب والشعراء يستفيدون من النقد أكثر مما يخسرون ؛ يعرفون رأي الناس فيما يكتبون ويقولون . وليست هذه المعرفة قليلة الفائدة ، يعرفون رأي الناس الاخصائيين فيقفون على مواضع القوة والضعف فى فصولهم وقصائدهم ، فينفعهم هذا ويزيدهم قوة إلى قوة ويعصمهم من السقوط والاسفاف ؛ ثم فى النقد إقرار الحق فى نصابه ، ودفاع عن الفن وتبصرة لما فى الاثار الفنية من جمال وعيب )) نعم هذا أثر النقد في الادب والادباء ، إذا تبصر الناقد فيما ينقده ، وإذا رفع عن الغش واعتدل . هذا أثر النقد فى الادب والادباء ، بل فى كل فن ومع كل فنان . هذا أثر النقد إذا كان موضوعيا وسليما من التهتك والسخرية والسفسطة والاسفاف والغرض الشخصي ، وكان رائد الناقد خدمة الفن وإصلاح الفنان .
أما النقد الذى ألفه أدباءنا وكتابنا ، فما هو من النقد فى شئ ، ونحن نجحف بالنقد أن سمينا هاتيك البذاآت التى تنشر بحث عنوان : النقد الصريح والنقد النزيه ، والنقد الحر ؛ إلى غير ذلك مما يتستر به الكاتب ليبلغ أربه فى انتقاص الاديب المنقود وتسفيه أدبه . قد يكون خصام أدبى بين أديبين ، يحمل تحت نقيعه ذاك على هذا ، وهذا على ذلك أشد الحملات وأقساها ؛ ولا يتعفف كلاهما أن يتعرض للشخصية كما يتعرض للأدب . . كذلك كان الخصام الادبى ، أو الهجاء بين جرير والفرزدق والاخطل ؛ أما اليوم فهو نادر قليل ؛ وهو منبوذ ممجوج .
على أن المخاصمة الادبية شئ ، والنقد الادبى شئ آخر ، تلك مشادة بين واحد وآخر كل منهما يطمع فى الانتصار على الثاني مهما يكلفه هذا الانتصار . أما النقد الادبى فهو كما يقول الدكتور طه حسين : (( إقرار الحق فى نصابه ودفاع عن الفن وتبصرة لما فى الآثار الفنية من جمال وعيب )) .
ولعمر الحق أن الادب الحجازى يحتاج لان يقومه النقد الصريح الحر ؛ فان شعراءنا وادباءنا لجد محتاجين لان يسدى بعضهم لبعض النصيحة بنقد نزيه ، فيشترك الكاتب والناقد فى تعديل الفكرة وتوجيهها نحو الخير والجمال الآن نحسبك توافق على ذلك الظن الذى بررنا به كتابة هذا الفصل ، والآن نحسبك تريد منا البحث فى أصل الموضوع . فلنعرض عليك شيئا مما في كتاب حافظ وشوقي ، ولنطالب بعد ، نحن وانت ، نقادنا بان يأتونا بمثله إن كانوا ناقدين ؛ ولا نعنى بمثله جودة وروعة ، فان ذلك على الكثير عسير ، أو قل غير ممكن . إنما نعني بمثله اعتدالا وقصدا كاعتدال الدكتور فيما نقده ؛ وكقصده فى ذلك النقد الذى عنى باظهار براءته .
وانه ليحق علينا قول الدكتور طه لحافظ ابراهيم : (( كلا ياحافظ لم تقرأ الكتاب )) فاننا لم ندرس كتاب حافظ وشوقي دراسة من يريد تحليله ، واننا لم نطالع فيه غير نبذ من نقده ، وأخرى من مخاصمته ، راقنا أن يتخذ نقادنا من الاولى مثلا يسيرون عليه ، فنحن إذن لا نريد مناقشة كل ما ضمته دفتا الكتاب ، ونحن لا نريد أن نزن الدكتور أو نكيله ، فيكفينا من الكتاب ما له مساس بموضوع النقد والخصام الادبى ، ويكفينا من هذا وذاك المثل .
نقد الدكتور طه حسين قصيدة شوقى التى حيا بها الدستور ، نقدا علميا مشبعا بالاخلاص والصدق ، فأظهر فرائد أبياتها ووضع بجانبها ما لم يرقه ، وتجلى هذا فى نقده لبيت شوقى من قصيدته تلك :
وأخذك من فم الدنيا ثناءا وتركك فى مسامعها طنينا
أعجب بالصدر فشاد به وأثنى عليه ، ولم يعجب بالعجز فعابه وانتقده ! أفلست ترى صدقه في هذا النقد ، أولست تلمس ضخامة المعنى فى الصدر كما لمسها الدكتور طه ؟ أولست توافق على أن معنى المجز لا يماثل ضخامة وعظمة صدر البيت ؟ أولست ترى أن ( طنينا ) أفسدت العجز كما رأى الدكتور ؟ ؟ !
فأذن هو مصيب فى اعجابه بالصدر الى حد بعيد ، واذن هو محق فى نقده العجز الى حد بعيد وهو فى نقده واعجابه منصف لم يجامل شوقى ولم يغمطه حقه فاين (( الطنين )) من (( الدوى )) الذى ذكره ابو الطيب المتنبي :
وتركك فى الدنيا دويا كأنما تداول سمع المرء انمله العشر
على مثل هذا الاسلوب يجب أن ينهج الناقد ، وبمثل هذه الطريقة يجب أن يعالج ما يريد نقده . ان الناقد ليس بهاج ولا يمخاصم ، وان الناقد ليس بمداح ولا هو بمقرظ . انه حكم عدل ، ودليل امين ، يحكم للجيد بانه جيد ، وعلى الغث بانه غث ، ويدل فى أناة وبنور الى مواطن الضعف والقوة .
وكذلك كان شأنه مع حافظ فى فصله ( رثاء حافظ ) لم يسغ بعضه ، وخلب ببعضه ، وانا نحيلك الى ذلك الفصل ، وانا نعتقد أن نظرة منك فيه تعطيك صورة جلية عن النقد الادبى ؛ وكيف يجب أن يكون . ولقد كانت خصومة بين الدكتور طه حسين والشعراء صرح بها الدكتور فى مقدمة كتابه حافظ وشوقى ؛ وقال بها فى غير تحفظ : -
(( ونشر بعضها وأنا اجاهد الشعراء واخاصمهم )) لقد صدق الدكتور ، أنه خاصم شوقى وحافظ ونسيم فى نقده لقصائدهم التى نظموها فى كتاب الاخلاق لارسطاليس وشدد فى خصامه وساعده بيانه الساحر وبلاغته الطلقة فشوش القصائد ، وافسد كثيرا من ابياتها ومعانيها ، ولعله بضم نسيم الى الشاعرين يرمى الى غرض في نفسه .
طالب الدكتور طه الشعراء بالنجديد فى الشعر ، وطالبهم أن يحطموا القيود التى تقيد بها الشعراء الاقدمون فى سبيل ذلك التجديد ؛ فهو يسخر من شوقى وحافظ حينما تضطرهما القافية فيأتيان بكلمة لا تعجبه ويهيب بهما فى شئ من المداعبة أن يشذا عن الاصول ، وينفكا من قيد القافية .
وتلمس الدكتور فيما نظمه شوقي وحافظ ونسيم فى كتاب الاخلاق نقدا مثل نقد الناثر الفنى فلم يجده ، فثار عليهم ثورة شعراء ، وحاول جهده أن يرى القارئ كما يرى هو : أن لزاما على الشاعر اذا شكر مؤلفا أو مدح مترجما أن يستعرض ما يشكره ويمدحه كما استعرض الدكتور طه حسين ابن خلدون وأبا العلاء وأن يحلله ، كما حللهما . ثم هو عاب شوقي فى أبياته هذه :
ورسائل مثل السلا ف اذا تمشت فى النديم
قدسية النفحات تسكر بالمذاق وبالشميم
يا لطف أنت هو الصدى من ذلك الصوت الرخيم
عاب أبيات شوقي هذه فيما عابه من هذه القصيدة ، وقال فى تعرضه للبيت الاخير منها (( ومن ذا الذى يستطيع أن يزعم أن صوت ارستطاليس كان رخيما ؟ )) عاب هذه الابيات فى الوقت الذى يقول عنه أنه كان يجاهد الشعراء ويخاصمهم فهو يعيبهم مجاهدا ومخاصما ، لا ناقدا محققا ، يرجع الحق إلى نصابه . ونظن الوطيس بينه وبين الشعراء اذ ذاك حاميا فأسرف فى حملته . ونظن أيضا أن حافظا رحمه الله برثائه لمصطفى كامل ملك على الدكتور الناقد شعوره وتسلط على حسه وهيمن عليه فاغدق المدح والاعجاب واشرك معه فى الاعجاب ارستطاليس صاحب الخطابة ومنشئ علم البيان .
أفلا ترى معنا بعد أن قرأت نعت الدكتور لارستطاليس بانه صاحب الخطابة ومنشئ علم البيان - أن الدكتور كان حانقا على شوقي غضبان ؟ أولا ترى معنا
أن ما عابه الدكتور على شوقي في أبياته تلك جاء به هو ، فمن الذى لا ينعت صاحب الخطابة بالصوت الرخيم ؟ ومن الذى لا يشبه رسائل منشئ علم البيان بالسلافة تمشى فى النديم ؟ أولا تقول معنا أن اسلوب الشعر غير اسلوب النثر ؟ وان الذى يروق الشاعر فينظمه فى قصيدته قد لا يروق الناثر فيذكره فى مقاله وان استعارات الشاعر ومجازاته وتشبيهاته اصبحت غير مألوفة للناثرين والدكتور طه ناثر ليس بشاعر
لم ينقد الشعر الدكتور طه حسين انقياد النثر له ، فلم يجل في ميدان القريض غير جولة قصيرة غير موفقة ، بابيات نظمها لا تقاس جودتها فى قليل ولا كثير بجودة غيره . حفظها عليه اناس خاصمهم الدكتور وخاصموه ؛ فحارب الشعر والشعراء حربا عوانا ، وأخذ يستهزيء به وبهم ، ويعيبه ويعيبهم ، ولولا ما لحافظ وشوقي من الجيد الرائع ، ولولا ما فى الشعر العربى من الحكم الخالدة لما صرح الدكتور طه حسين بمدح شاعر ، ولما ذكر شعرا بخير .
استعصى الشعر على الدكتور طه فعاداه ؛ وعادى معه الشعراء ؛ وربض لهم وله ، ينتظر الفرصة لينقض عليه وعليهم انقضاض الصاعقة . ومن أشد حملاته على الشعراء رسالته الدكتور هيكل باشا التى تحت عنوان . (( شعر ونثر )) .
تلك التى يجلى فيها الغرض المحض فشوهها ؛ برغم أسلوبها الفاتن وبيانها الفصيح فلئن وفق الدكتور هيكل فيما كتبه كما يقول الدكتور طه فاننا نقول . ان الدكنور طه لم يوفق ولعل الابتسامة التى يبتسمها كما يقول فى سخرية ورحمة واشفق حين كان يلقى كلمة بين يدى القصيدة ؛ ابتسمها ويبتسمها كل من قرأ ويقرأ مقاله (( شعر ونثر
فالدكتور طه حسين فى هذه المواضع من كتابه (( حافظ وشوقى )) لم يكن ناقدا ؛ انه كان مخاصما ومجاهدا على انه قد يكون فى جهاده وخصامه اعدل من كثير في نقده النزيه الحر .

