هبطت الى جدة ذات يوم . وقد ازمعت ان تكون رحلتى اليها ذات طابعين : طابع علمي . وطابع ادبي فاما الطابع العلمي فيتمثل فى التأمل فى احوالها ومدى تقدمها . وطبيعة هوائها ، وما طرأ عليها من تبدل فى العمران . والاناسي . والحركة . . وطرق الحياة . وكل ما يتعلق بهذا من الشؤون . واما الطابع الأدبي فيتمثل في استجمام الفكر باجمل منظر في جدة على ان يكون بعيدا عن الضوضاء . جامعا لاطراف الهدوء الذي نحن احوج ما تكون اليه .
وسارت بي السيارة فى طريق مكة - جدة . سيرا يكون تارة حثيثا حتى لا أكاد انظر ما حوالى الا وهو ممعن في السرعة الى وراء ، امعان السيارة في السرعة الى أمام . . .
ومن ثم كنت أوميء الى السائق ان يهدئ من بعض هذه السرعة التى تقترب من محيط السرعة الجنونية الرعناء . فيضغط على جهاز تخفيف السرعة فتعود السيارة بنا الى سير مريح جميل . وتأملت ما يقع حوالينا فاذا اراض سندسية مبسوطة مملوءة بالاعشاب النامية منبسطة الجوانب فيحاء واسعة يمتد البصر الى كل اطرافها فلا يرى الا اخضرارا ويرى من بعد بعيد جدا تلك الجبال النحاسية التى تحيط بالفضاء احاطة السوار
بالمعاصم او السور بالبلد . فقلت فى نفسي : ما أجمل هذا المنظر الذي يشاهده المرء حينما يدعو من الحديبية قاصدا جدة . ثم قلت لنفسي لا شك فى خصب هذه الارض خصبا عجيبا مدهشا . والا فلماذا حينما نزلت عليها بعض الامطار . وكانت من قبل جرداء قاحلة . استحالت فى الحال إلى هذه الروضة الانيقة التى تذكرنا بقول ابي تمام :
دنيا معاش للورى حتى إذا
جاء الربيع فانما هي منظر
يا صاحبي تقصيا نظريكما
تريا وجوه الارض كيف تصور
تريا نهارا مشمسا قد زانه
زهر الربا فكانما هو مقمر
ومضينا بعد ذلك وتجاوزنا الحديبية
فاذا بعشرات الشجيرات تقوم على
أطراف الطريق وتغطى أراضى المنطقة
التى تمتد من الحديبية الى جدة . لا شك
اذن في اخصاب هذه الارض وقرب
المياه الجوفية هنا ايضا . ومضينا
فى خبت جميل بعد سهل بحرة الافيح
نصعد انجادا ونهبط وهادا وما كدنا
تقترب من ( ام السلم ) حتى صاح بى
قائد السيارة واشار الى ناحية اليسار
قال : هذا الطريق يؤدى الى منجم
الرخام الرائع الذي اكتشفته الحكومة
حديثا والذى رصفت به مماشى المسجد
الحرام . قلت له انى اعلم ذلك . . وولجنا مداخل جدة والشمس فى صدر السماء ان صح هذا التعبير المقصود به انها كانت فى أول وقت الأصيل وما كدت اصل الى الكيلو الثاني عشر بالنسبة للقادم الى جدة من مكة حتى رأيت اراضى محددة بعلامات بيض . فتذكرت ان هذا هو بدء
امتداد الثغر العظيم من ناحية الشرق حتى يتصل العمران بمكة ان شاءالله في القريب العاجل . ووصلت الكيلو العاشر فاذا حديقة فينانة ومقهاة حديثة . وكراسي مبثوثة . فنزلنا وتناولنا بعض المرطبات المثلجة . .
ومضينا وما كدنا نبلغ الكيلو الخامس حتى رأينا بجانبنا مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر . ذات البناية البيضاء المشرقة تعج بها آلات الطباعة الحديثة . لتخرج البلاد الى نهضة طباعية وصحافية شماء . ومضينا قليلا فاذا بالعمارات الشامخة الحديثة الطراز تقف عن يمين الطريق وشماله
والشارع معبد براق لاحب جميل وما كدنا نمضى قليلا حتى دخلنا فى دوامة عجيبة تتكون من مئات السيارات الذاهبة والآتية والداخلة والخارجة . تدور دورانا مدهشا فى مفترق الطرق ، وجندى المرور يقف في وسط الدوامة يحرك باشاراته السريعة المتلاحقة اسرابها المتلاحمة فتذكرت ما كنت اشاهده مماثلا في العتبة الخضراء بالقاهرة وفي ميدان سليمان باشا
بها . . وادركت حينئذ مبلغ سرعة التطور فى جدة . ودخلت قليلا وكانت السيارة عنا تنساب بهدوء وتأن وبحذر ويقظة . فاذا شوارع جدة الحديثة وعماراتها البديعة الطراز . وشوارعها تكاد تضاهى مثيلاتها فى مصر الجديدة خاصة فى شارع المطار . وذهبت الى شارع المطار فاذا مطار جدة مطاربديع . ويعود الفضل فيه
الى وزارة ( الدفاع والطيران ) ودخلت الى المحلة البغدادية فاذا عمارات منسقة الطراز وشوارع بديعة فى طليعتها الشارع العام الذى يؤدى الى طريق المدينة . ودخلت جدة مخترقا لها الى الشارع الفيصلي ذي العمارات الجميلة .
والشارع المعبد والمظلة العالية وسرت من هناك الى مقر مؤسسة النقد فراعنى ما رأيت وقد رأيت المصارف والمتاجر والمعارض والمطاعم واناسا جددا كثيرين من غير الأهلين الأولين وملابس وازياء جديدة طارئة وعمالا متوافرين ومضيت الى الميناء الجديدة فاذا حركة
دائبة ونشاط تجاري عظيم . الاما اكبر كسبنا بهذه الميناء الجاثمة على البحر الاحمر . ومضيت من ثمة الى الجنوب وزرت محطة الاذاعة السعودية فاذا بها شئ سار وداع الى الاعجاب ومضيت الى المحجر الصحي الحديث فهالتي ما رأيت من وثبة صحية وعدت ادراجي ممتلئا بالفرح والاغتباط
وإلى هنا تنتهى المهمة العلمية . . : جاء أران المهمة الادبية . فاشرت الى السائق ان يترك جدة وان يذهب بنا رأسا الى الرويس . ومن الرويس الى البحر لنشاهد جمال البحر عن كثب ولنتمتع البصر والفكر والجسم بذلك المنظر البهيج ولنستنشق الهواء
البليل الصافى مباشرة لنستعيد للجسم والفكر شيئا من النشاط المفقود . واخترقنا الرويس ومضينا الى شمال بغرب . وعانقنا البحر بألسنته البيض الممدودة . وخلجانه الممتدة . . حتى إذا وصلنا الى مكان ذهبى التربة افيح . هو عبارة عن مضيق يكتنفه البحر من ثلاث جهاته وقفنا سيارتنا ونزلت الى الأرض وجلسنا هنيهة هناك نمتع النفس
بالنسمات العذاب التى تهب علينا من البحر الهادئ الرقراق . ثم ذهبت الى البحر وخضته ومكثت به مليا وعندئذ بدأ قرص الشمس المتوهج فى الهبوط الى قاع البحر من بعيد فكان المنظر شعريا خالدا . .
وقد تأملت هذا الموقع الذى هو من بعض مواقع ما يدعى " قبة عشرة " أو " غبة عشرة " فاذا هو مدهش رائع يصلح لاقامة المتنزهات عليه والاستفادة من مياه البحر فيه ومن هوائه العذب للمرتادين والمتريضين كما يصنعه الناس - مع التحفظ من الناحية الدينية والخلقية - فى مثل هذا المكان بالعالم الخارجي ولم لا يكون ذلك . وكل الاسباب متوافرة . وكل الدواعي متضافرة ؟ . .
