لست اشك في ان اولئك الذين يبلون بتقدير الأشياء والحكم عليها ، أولها ، انما يتعرضون لنقد لاذع ، قد يكون مربرا يؤلمهم او يعقب في انفسهم مزيجا من الحسرة والندم ، فما بال اولئك الذين يتصدون - دائما للحكم ؟ وقديما قال الشاعر المشهور :
ان نصف الناس اعداء لمن ولى الاحكام هذا إن عدل
واين العدل وقد غرس الهوى فى قرارات نفوس البشر . . ؟ واين الحكم الصحيح الخالي من الشوائب ، والعاطفة المشبوبة مؤججة فى قلوب بني آدم ؟ تميل الى هذا عن ذاك ، وتؤثر هذا على ذاك ، يدفعها الهوي الى حيث يريد وبرغب ، ولا يستطيع ان يكبح جماحها الا عقل قوى جبار يمترس بها ويسيطر عليها . . واين هذا . . ؟
ومقابيس التقدير تختلف باختلاف المقدرات ، وباختلاف المعايير التى تقدر بها ، وأنا شخص لا احسن التقدير أولا - كما يعرفنى اصدقائى - وتانيا لا استطيع البعد عن الهرى ، فعاطفتى هي التى تسيطر على وهي التى تملك مواقفي ، وكثيرا ما احرجت بسببها ، وثالثا لا أحب ان تسلط على ألسنة حداد يلذعني احد الاحياء الذين أقدرهم ، وابسط في هذا المقال الاسباب التى أقدرهم من أجلها .
أما الاموات فان لا شك أقدر كثيرا منهم ولكن مؤلفات المؤلفين وكتابات الأقدمين لم تترك لي شيئا ، ولست اريد ان احشر نفسي في زمرة اولئك المؤلفين فاكتب عن احد اولئك الأموات الذين بقى ذكرهم وسيبقى ما دام في البشر من يقرأ ويتعلم .
ولو فعلت ذلك لما أتيت تجديد ، أو طريف ، ولما تورع قلمي عن اعادة قول سجلته اقلام المؤرخين الذين كتبوا واحصوا حركات وسكنات من اريد ان اكتب عنه كلمة اعجاب وتقدير ...
وصديق الاستاذ الأنصاري نشط دؤوب على أن يحتل منهله الذروة من المكان السابق بين المجلات الأدبية الراقية لا يضيره احراج زميل قضى معه فترة من عمر كانا فيها مثال الاتفاق والائتلاف .
ولقد احببت أن انذره بان ما كان بيني وبينه من وفاق ووئام ستقوض دعائمهما بما اختاره لى من عنوان مقال لا يمكن ان يتلاءم وما يختلج في نفس من عواطف متضاربة . ولكن عدت فاقررت بان للزميل على الفضل وما على إلا احراجه ، والعناوين المحرجة كثيرة وسأطلب اليه ان يكتب في " الحج " وسأعطيه عنوان مقال ارجو أن يخرج منه بسلام وأمان .
حينما تسلمت رسالة الصديق الأنصاري ، تناولها مني زميلي الأستاذ السرحان فسألته عن أى الرجال اكتب ؟ فكانت اجابته لى بانهم كثير ، وما عليك إلا أن تختار أحدهم وتكتب عنه ، فأجبته بأنني ساكتب عن أبي " صفوان "
وليكن فهذا شخص أعرفه جيد المعرفة ، ويلازمني ملازمة الظل للظل وان صح هذا التعبير مع احد فانه الصق بما انا فيه من قول عن أبي صفوان .
عرفت أبا صفوان وليدا . ثم طفلا . ثم يافعا . ثم غلاما . ثم فتى ثم شابا . ثم رجلا ، ان امكن ان تعطى الرجولة من لم يبلغ الأربعين ، ولقد خبرت فيه صفات قدرته من أجلها ، ورأيت منه اعمالا اعحبت به لصدورها منه . . جمع المتناقضات ، فهو نسيج وحده ، يهوى فيدفع في هواه ويحب فيجرفه تيار الحب حتى النهاية ، وكم مرة نكب من جراء ذلك ولكن طيبة
قلبه ، ونقاء سريرته يشفعان له فيعود إلى قواعده - كما كان - سالما آمنا قربر العين بمن يحب هادىء البال مطمئن الخاطر ، وتكون وقفة فى حياته يتأمل فيها نفسه ، وسرعان ما يعود .
يبغض ، فيكون بغضه جارفا عارما كالسيل أو كالبحر الهادر المتلاطم . كتب عنه أخوه مرة الى قريب لهما يصفه ، ويستغرب منه فقرأ ابو صفوان ما كتب عنه ذلك الأخ فابتسم ...
قال عنه أخوه وقد كان - أبو صفوان - ضيفا عنده قرابة سنة او تزيد ، إنه احتار فى أمره ، فهو ساعة ذكى ، وأخرى بليد ، وهو مرة لبق اريب ، ومرة سمج ثقيل ، وهو حينا كريم متلاف ، وهو حينا اخر بخيل لئيم يراه كسولا نؤوما لا يفارق مضجعه إلا فى الرابعة او الخامسة صباحا فيتألم اضياع شبابه وعدم استفادته منه ، ولكنه يعجب اذ يراه يقوم الفجر ويؤدي من الاعمال ما يحار له - ذلك الأخ . ويعتقد انها فلتة لن تعود ، ولكنها تتكرر كلما تكرر نوم الضحى ...
يكلفه مرة بكتابة رسالة إلى صديق له - أديب - فتأتى رسالته اسمج من الشعر الذي عزى الى الأمين ولكنه يسمع أن احدهم كتب يعرض باخيه من وراء سنار فينبري يحرر المقالة تلو المقال فتأتى مقالاته كالساعة على اولئك الذين عرضوا بأخيه . يطلب منه رئيس تحرير الصحيفة التى دافع فيها عن أخيه وانبرى بنقد اولئك الكتاب ان يذيل مقالاته بتوقيعه ، فيأبى الا الابرواء ، فيرضخ رئيس التحرير لطلبه لان مقالاته رصينة قوية لها قيمتها ويتحمل من جراء رضوخه المحاكمة . . ولكنه يبرأ ، وما برئ إلا لأن ابا صفوان هذا أشار عليه وعلى محاميه بفكرة الدفاع ، وقد كانت فكرته قنبلة القيت فى ساحة المحكمة اضطرت المحكمة أن تطلب من المدعي سبب دعواه او تحول مسئولية مشكلة . . يتفرق بسببها قوم كثير ...
قرأ ابو صفوان ما كتب أخوه ثابت ، ونظر فوجد أخاه يتلهى خشية أن يكون الكتاب أساء اليه ، ولكنه سأل اخاه كيف عرف دخائل نفسه
فلم يحر الأخ جوابا ، ومن ثم علم أبو صفوان ان أخاه لم يعلم السر بعد وانه لا زال فى مأمن من ان يعرف نفسيته احد .
له اصدقاء يؤثرهم على نفسه وكثيرا ما يعاودونه في أمر كان قد اتاه تجاههم ويأتى آخرون فتبدر منه كلمة تخالف ما قد كان بينه وبينهم ، ولا يكون جوابه لهم إلا انكم لم تعرفوني بعد .
قال عنه احدهم : انه اذا طرق بابه صديق فبدل ان يتخذ الطريق المألوف يقذف بنفسه من النافذة استعجالا للاستجابة واسراعا لتلبية نداء صديقه الملهوف .
يكره الشهرة ويبغضها . . ولذلك لا يوقع مقالاته ولكنه في نفس الوقت يسعى لها سعيا حثيثا ، وبالحاح شديد ، صريح . . حتى قال عنه احد أصدقائه : إن كلامه كان بمثابة المطارق تنزل على الرؤوس .
وقال عنه صديق له فى قلبه المنزلة الجليلة : ان فلانا به مس فقد كان لا يعرف ماذا يتكلم ...
وهو الى جانب ذلك يميل الى الالتواء ، لا يقول الا ما يستهدف به غاية قد تخطئ ، وقد تصيب .
جريء مقدام . . ويكفى ان اقول عنه : إنه يؤمن ايمانا اعمى بالموت في سبيل الله ، وما اكثر ما سمعته يتمثل بقول الشاعر :
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان فى الله مصرعي
. وهو مع ذلك جبان رعديد ، لا يقدم رجلا الا ليؤخر اخرى ، ومبدؤه ان الشجاعة والبن خصلتان لا بد لكل شاب ان يتصف بهما ، فهما لازمتان من لوازم الحياة يحتاج الشاب إلى احداهما فترة ، كما يحتاج إلى الثانية فترة اخرى
حمول لأصدقائه عسوف عليهم ، وديع مسالم ، ولكنه شكس مناكف . لسن يتفوه بالكلام ويقذفه من فيه حتى إن الذى لم يكن قد سمعه يختلف عليه الكلمات فيحتار مع انه كثيرا ما يصمت صمتا يستغربه منه اصدقاؤه فيداعبونه من اجله ويتذرون عليه .
وبعد - فهذا ابو صفوان ، اعجبت به وقدرته ، أعجبت به لاستقلاله بهذه الشخصية العجيبة ، وقدرته لما تحويه شخصيته من عجائب ومتناقضات ولست اريد الاطالة اكثر مما اسهبت . وان عاد الأستاذ الانصاري عدت الى هذه الشخصية ثانية ، فإنى اعرف من طبائعها ما يجعلني اسهب اكثر ، واوضح أكثر وأكثر ، وارجو المعذرة من ابي صفوان ، وحسبي منه ان لا يجعلني هدفا لنقده لتسجيلي عنه اشياء لا يعرفها عنه احد ، فانا انما كتبت عنه ما كتبت لأنني اقدره وقد ارغمت على كتابة الأسباب التى اقدره من اجلها .
وعفا الله عن الأستاذ الأنصارى الذي اقحمني في هذه الورطة .

