الرماني ورسالته :، (( النكت فى إعجاز القرآن ))

Share

تمهيد :

كان القرآن الكريم السبب الاول في نشأة معظم العلوم العربية مثل النحو والصرف والحديث والتفسير والبلاغة . . الى غير ذلك . وقد وضع عدد كبير من العلماء العرب المسلمين رسائل وكتبا تحدثوا فيها عن اعجاز القرآن وبحثوا نواحى الاعجاز فيه من الناحية البلاغية خاصة وقد تطورت تلك الدراسات لتصبح فيما بعد علما قائما بذاته .

والمكتبة العربية غنية بالكتب التى بحثت في النواحى البلاغية في القرآن الكريم وتمتد جذور التأليف في هذا المجال الى عهد مبكر فقد تعرض أبو عبيدة والفراء لبعض هذه الفنون في أسلوب القرآن في كتابيهما : (( مجاز القران )) و (( معانى القرآن )) ، كما تعرض الجاحظ لكثير منها في البيان والتبيين وفي الحيوان ، عندما عرض لنصوص من القرآن .

وقد ظهر التأليف في هذا المجال بصورة واضحة عند الرماني ( ٣٨٦ هـ ) في رسالته (( النكت في اعجاز القرآن )) وعند الخطابي المتوفي ( ٣٨٨ ) ، في رسالته (( بيان اعجاز القرآن )) .

وبلغ التأليف في هذا المجال ذروته عند الجرجانى ( ٤٧١ هـ ) الذى وضع (( أسرار

البلاغة )) و (( دلائل الاعجاز )) . و (( الرسالة الشافية )) .

وامتد التأليف في هذا المجال حتى عصرنا الحاضر حيث وضع الرافعي رحمه الله ( ١٩٣٧ م ) كتابه القيم (( اعجاز القرآن )) وهو الجزء الثانى من (( تاريخ آداب العرب )) ووضع المرحوم سيد قطب (( التصوير الفني في القرآن )) ، ولا شك ان هناك مؤلفات أخرى كثيرة لم أذكرها .

وسأعرض فيما يلي لعلم من أعلام الدراسات البلاغية القديمة وهو الرماني صاحب (( النكت في اعجاز القرآن )) .

حياته :

ابو الحسن علي بن عيسى بن علي بن عبدالله النحوي ، ويعرف بالرماني ( ١ ) , واختلف في سبب تلقيبه بالرمانى ، فقيل : نسبة الى بيع الرمان ، وقيل : نسبة الى قصر الرمان ، وهو بنواحى واسط القصب التى بكسكر وهو واسط العراق . . ينسب اليها أبو هاشم يحي بن دينار الرمانى ( ٢ ) . ويرى الدكتور مازن المبارك ، ان نسبة الرمانى . الى قصر الرمان المعروف بواسط بين البصرة والكوفة لأنه كما نسب الى هذا القصر سبب الى واسط نفسها فقيل : هو الرمانى الواسطى ( ٣ ) . ويعرف ( الرمانى ) أيضا بالأخشيدى لأنه (( كان تلميذا لابن الأخشيد المتكلم أو على مذهبه . . )) ( ٤ ) ، ولم تنسبه المصادر التى تحدثت عنه الى قبيلة من قبائل العرب مما يدل على أنه كان من الموالى .

وكان مولد الرمانى في بغداد سنة ست وتسعين ومائتين ( ٥ ) ونشأ بها وكانت بغداد في تلك الفترة من المراكز الحضارية الهامة في العالم ، وكان العصر الذى وجد فيه

الرمانى عصر ازدهار وتقدم بالنسبة للحضارة العربية الاسلامية .

وكان الرمانى مؤهلا منذ صغره لاحتلال المركز المرموق الذى احتله فيما بعد في ميدان العلم ، ولعل من أهم المميزات التى امتاز بها والتى ساعدته على الوصول الى ذلك المركز العلمى الممتاز - الذكاء وحدة الذهن والجلد والصبر . ومعظم المصادر التى تحدثت عن الرمانى لم تذكر لنا شيئا عن طفولته لذلك لا نعلم عن تلك الفترة من حياته ما يفيدنا حتى هذه الدراسة .

ولما بلغ الرمانى سن الشباب اتصل بعلماء عصره فأخذ عنهم ودرس عليهم مختلف العلوم ، وكان ممن تلقى عنهم : ابن السراج ، وابن دريد ، والزجاج ( ٦ ) . وقد أخلص الرمانى للعلم فانكب عليه ينهل منه بشغف منقطع النظير حتى بلغ درجة عالية من الثقافة ، وشهد له مجموعة من العلماء بالبراعة والتفوق فقال أحدهم : انه (( لم ير مثله قط علما بالنحو وغزارة في الكلام وبصرا بالمقالات واستخراجا للعويص وايضاحا للمشكل ( ٧ ) .

وقال عنه ابن النديم : (( من افاضل النحويين والمتكلمين البغداديين ، مفتن في علوم كثيرة من الفقه والقرآن ، والنحو

والكلام ، كثير التصرف والتأليف )) ( ٨ ) .

أما ياقوت فقال عنه . (( مات سنة ٢٩١ اماما في علم العربية ، علامة في الادب ، في طبقة أبى علي الفارسى وأبى سعيد السيرافي )) والفرع الذى برز فيه الرمانى بشكل واضح هو النحو ، لذلك عرف بالرمانى النحوى ، وقد وضع مؤلفات كثيرة في النحو (( وكان يمزج كلامه في النحو بالمنطق )) ( ١٠ ) وهذا أدى به الى التعقيد فيما يكتبه حتى قال عنه أبو علي الفارسى : (( ان كان النحو ما يقوله الرمانى فليس معنا منه شئ ، وان كان النحو ما نقوله فليس معه منه شئ )) ( ١١ ) ، وكانوا يقولون في زمانه : (( النحويون في زماننا ثلاثة : واحد لا يفهم كلامه وهو الرمانى ، وواحد يفهم بعض كلامه وهو أبو علي الفارسى ، وواحد يفهم جميع كلامه بلا استثناء وهو السيرافي )) ( ١٢ ) . ولا شك في أن فى هذه الجملة تحاملا على الرمانى فهو لم يكن معقدا الى هذه الدرجة . . ولكن الخصومة والتحييز وتحكيم الميول والأهواء والاختلافات المذهبية كان لها دور في مثل هذا القول المبالغ فيه . .

وميل الرمانى الى المنطق يعود الى كونه معتزلى المذهب ، وتتفق معظم المصادر على ذلك ، وأقدم مصدر يحدثنا عن مذهبه هو

ابن الندم في كتابه (( الفهرست )) حيث يقول . (( كان السري الرضا جارا لأبى الحسن علي ابن عيسى الرمانى بسوق العطش ، وكان كثيرا ما يجتاز بالرمانى وهو جالس على باب داره فيستجلسه ويحادثه ويستدعيه الى ان يقول بالاعتزال وكان سري يتشيع فلما طال عليه أنشد : -

أقارع أعداء النبي وآله

قراعا يفل البيض عند قراعه

وأعلم كل العلم ان وليهم

سيجزى غداة البعث صاعا بصاعه

فلا زال من والاهم في علوه

ولا زال من عاداهم في اتضاعه

ومعتزلى رام عزل ولايتي

عن الشرف العالى بهم وارتفاعه

فما طاوعتني النفس في أن أطيعه

ولا آذن القرآن لى باتباعه ( ١٣ )

ويقول عنه التنوخى . (( وممن ذهب في زماننا إلى أن عليا عليه السلام أفضل الناس بعد رسول الله من المعتزلة أبو الحسن علي ابن عيسى النحوى المعروف بالرمانى الأخشيدى )) ( ١٤ ) .

ويقول ياقوت : (( كان متكلما على مذهب المعتزلة وله في ذلك تصانيف مأثورة )) ( ١٥ )

وكان الرمانى رفيع الأخلاق حكيما حليما ؛ وكان كما وصفه أحدهم : (( نزيها دينا عفيفا )). وكان بعيد النظر حنكته الايام وليس أدل على ذلك من قوله : (( لا تعادين احدا وان ظننت انه لن ينفعك فانك لا تدرى متى تخاف عدوك أو تحتاج اليه وحتى ترجو صديقك أو تستغني عنه ؟ واذا اعتذر اليك عدوك فاقبل عذره ، وليقل عيبه على لسانك )) ( ١٦ ) .               *       *      *

وقد خلف لنا الرمانى مؤلفات قيمة ،

وقد عد له الدكتور مازن المبارك . ١٠٣ كتاب ، ومن أشهر مؤلفاته . ١ - تفسير القرآن . ٢ - كتاب الحدود الأكبر ، , ٣ - كتاب معانى الحروف ، ٤ - كتاب شرح الصفات ، ٥ - كتاب شرح سيبويه ، ٦ - كتاب الايجاز في النحو ، ٧ - كتاب الاشتقاق الكبير ، ٨ - كتاب اللغات في القرآن ، ٩ - كتاب شرح معاني الزجاج ( ١٧ ) .

ومما يؤسف له انه لم يطبع من هذا العدد الهائل من المؤلفات التى وضعها الرمانى غير ثلاثة كتب كما أشار الى ذلك الدكتور مازن المبارك وهى : ١ - كتاب الالفاظ المتقاربة أو المترادفة المعنى ، ٢ - كتاب معانى الحروف ، ٣ - النكت في اعجاز القرآن , وواضح ان هذا العدد ضئيل جدا ، ولعلنا نجد في المستقبل من يقوم باخراج الموجود من مؤلفات الرمانى الى القارئ العربى .

بعد حياة مليئة بالكفاح والعمل والانتاج المثمر توفي الرمانى ، وكان ذلك (( في حادى عشر جمادى الاولى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة في خلافة القادر بالله )) ( ١٨ ) .

اشترك في نشرتنا البريدية