الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

الرياضة، أو، الحياة بين الواقعية والريادة

Share

أود فى مستهل كلمتى أن أعبر عن اعتزازي بالمشاركة فى هذا الحفل الذى تنظمه جريدة " لاكسيون " لتكريم نخبة من الشبان التونسين الذين تألقت أسماؤهم فى ميدان الرياضة اثناء السنة المنقضية لما اظهروه من تفوق فى حسن السلوك وبراعة فنية فيما يتعاطونه من الرياضات

وإني أود أن أشكرهم وأشجعهم وان أبين لهم أن هذا الاحتفال شاهد على العناية التى توليها إياهم الدولة التونسية على وجه الخصوص والعديد من المسؤولين بصورة عامة . وإنى أدعوهم أن يستمدوا من هذا ما يشجعهم على  المثابرة ومواصلة النضال فى سبيل تجاوز الذات والتوفيق بين الرغبة فى النتائج الباهرة وبين الخلق الكريم والسلوك المستقيم اذ الرياضة - وهذا ما لم افتا أكرره - هي سلوك واخلاق وهى صداقة وتقارب وتواصل وهى تجاوز للذات وبذل وتحد للمستحيل وهى تحدى الانسان وتحدى الشباب الذي آمن منذ مليارات السنين أى منذ أن ظهرت البشرية على وجه البسيطة بأن نبل انسانيته ومجدها يتجليان فى العمل على تجاوز الذات والاحراز على  قصب السبق وتحطيم هذا الرقم القياسى أو ذاك وتحقيق هذه النتيجة أو  تلك والشعور بأن روعة الحياة لا تنحصر فى التمتع بما يزخر به الكون من نعم مادية

أردت  أن أبين لكم أن الحياة التى ينبغى أن نحياها هى التى  نحقق فيها  ذاتنا وهى  التى نعيشها بين آخرين مع الاحتفاظ بمميزاتنا وطابعنا الشخصى  فمثل تلك  الحياة يستمد منها المرء تلك النشوة الفكرية وذلك  الاحساس المنعش ، ذلك الاحساس بانتمائه الى طبقة السادة ، المرتفعة عن التفاهة ، المتسامية عن لغو العامة ، المشغولة عن المعالي بسفاسف الحياة اليومية

أن يحقق المرء ذاته ويتجاوزها وان يتغلب على حيوانيته وان يشعر بتميزه عن  الآخرين في الوقت الذى يكون فيه انسانيا فى تصرفه معهم كل ذلك يتحقق  بممارسة الرياضة وبالتمرين ، إذ الرياضة ليست مسألة هرج ومرج وصخب  أمام مشهد من المشاهد

بل هى مجالدة يومية للانتصار على عامل الثقل وتحقيق الذات وتجاوزها .  وكم اتمنى أن يتذوق الشباب هذه النشوة المنقطعة النظير ! بالرغم مما يكلفه  ذلك من عرق واتعاب ومن عناء التمارين وقساوة الانضباط . اذ هكذا ينبغى  . ان يكون الانسان الذي جعله الله خليفته في الارض كي يفرض وجوده على  بني حنسه ، وعلى الحياة بما اكتسبه من خصال شخصية

ان الواقعيين من بينكم سيهزون اعطافهم مستهزئين لما أقوله لكم ولسان  حالهم يقول : ان هذا إلا أحلام مثاليين ، وخواطر رومنطقيين ، اذ الحياة هى  بالدرجة الاولى واقعية ونجاح مادي ! وأنا ما قلت قط : إن النجاح فى المجالات الرياضية يتنافى مع النجاح فى المجالات المادية ، وانما انا موقن بأن الحياة  تعنى قبل كل شئ - البحث عن السعادة والسعادة لا تقاس بحجم الحسابات  المودعة فى البنوك . بل هي الشعور بالارتياح والطمأنينة الذاتية . بينما كثير  من الاغنياء الذين يملكون السيارات الفخمة والقصور الشامخة هم فى الحقيقة  تعساء لانهم يعانون من نقائص بدنية  

فهذا التوازن هو المبتغي الذي أرادت الفلسفة الاولمبية بلوغه . وان الصراع القائم على مستوى الانسانية قاطبة وليس على مستوى تونس فحسب يدور بين الواقعيين وعددهم كثير أولئك الذين يحنون ظهورهم تحت اعباء مشاكل الحياة اليومية ويرضون بالتحمل وبأن يكونوا عجلة خامسة لحياة تتجاوزهم ويتركون دولاب الحياة يجرهم جرا ، وهم مخطئون فى ذلك ، وبين أهل الطلبة والرواد أولئك الذين هم حقيقة بشر والذين يعتقدون أن الحياة نضال

وصراع داخل النفس لمغالبة النفس والسيطرة على الغرائز حتى نغلب الجانب الملائكى  الجميل الوضاء في أنفسنا على الجانب الحيوانى المظلم منها . ذلك أن  الانسان ليس ملاكا صرفا ولا حيوانا صرفا .

فهذا الكفاح الرائع هو الذي يجعلنا نشعر بالحياة فى حقيقتها أو بحقيقة  الحياة وهو الذى يؤتينا فرصة الاحساس بالسعادة اذ نحقق داخل نفوسنا  وحولها ما هو جميل وعادل وحقيقى ومتزن . ولذلك كنت دائما أدعو الى  ممارسة الرياضة البدنية فكفانا ما عندنا من واضعى الخطط الملازمين بيوتهم  فنحن فى حاجة الى من يجمعون بين القول والعمل أولئك الذين يعطون بسلوكهم المثل ، وهذا ما يرغب فيه الشباب اليوم ، ويطالبون به أولياءهم ومعلميهم وقادتهم سواء على الصعيد البيداغوجى أو السياسي . نحن فى حاجة إلى اناس جديين إذ ان ازمة الحضارة الموجودة حاليا فى كل بلدان العالم سواء كانت رأسمالية أو شيوعية أو منتمية الى العالم الثالث مردها الى ازمة الثقة بن الشاب والكهول التى تولدت عن أسباب عديدة أهمها التناقض بين ما يقال وما يفعل . كذلك فالرياضة تتيح للمرء معرفة نفسه وتجربتها . فان حمل النفس على احترام نظام ما فى حين ينساق الآخرون خاضعين لسيطرة اهوائهم يعود على المرء بالفائدة العميمة فسيطرة المرء على نفسه والتزامه بطريقة من السلوك لا يحيد عنها رغم الموانع والعراقيل كل ذلك مما يولد فى النفس احساسا بالسعادة . اما انا فلئن لم تتوفر لدى ادلة ثابتة على ما اقول ، فان لدى حدسا غريبا يشعرني باننا اذا وصلنا إلى هذا فى الحياة الاجتماعية والحياة الجامعية فان حظنا من النجاح يكون أوفر بكثير

ولا غرابة فى هذا فقد كان النجاح دائما حليف الرياضيين ولا أعني الرياضيين الذين يشاركون فى المباريات لمجرد تقديم عروض تحرز على اعجاب الجماهير ، ولا أعني الفاقدين للروح الرياضية الذين يتبعون فى نواديهم  سلوك المرتزقة أو الذين لا تهمهم الا الهتافات الخالية فى كثير من الاحيان من               مسحة المسؤولية ، وانما أقصد الرياضيين المخلصين لضمائرهم . فهذه  السعادة التى يتحصل عليها المرء بمقارنة الصعاب والسيطرة على الاهواء هي التى يبحث عنها الشباب وهى التى يريدها .

ان الفلاسفة ما انفكوا منذ ثلاثين قرنا يعرضون حلولا ذات صبغة فلسفية أو عقائدية لتحقيق السعادة . وأنا أرى ان الوسائل لبلوغ السعادة عديدة وان الرياضة هى احدى تلك الوسائل . وانى أخاطبكم اليوم معشر الشباب وأخاطب كذلك من تجاوزوا سن الشباب لأتمنى لكم ولذويكم ولكل التونسيين

فى مطلع هذا العام حظا وافرا من السعادة ، راجيا ان تكون سعادتكم أوفر بفضل ممارسة الرياضة . وفي اعتقادى ان الرياضة تمكنكم من ان تنالوا حظا وافرا من السعادة حتى ولو كنتم في البداية غير مكتملى القوى بدنيا أو كنتم في غير توازن نفسانى أو ذهنى . وبوصفي رياضيا قديما وبوصفي الآن رياضيا مواظبا على الرياضة أرى ان هذا هو احسن ما أتمناه لكم . وبما ان رغبتى هى ان ارى الناس من حولى سعداء فالذى أتمناه لكم من صميم الفؤاد هو أن تعيشوا سعداء وان تطول حياتكم وتدوم لكم الصحة والسلامة . ذلك ان الحياة ليست مسألة طول أو عرض وانما هى مسألة ابعاد . فالسعيد ليس من يعيش ستين أو سبعين حولا منقوصة وانما هو من يعيش الامد الذى كتبه الله له في صحة جيدة وذلك هو احد شروط السعادة

وأذكر أني زرت لندن قبل عشرين عاما وهناك اسمعوني فى دار " بادن باول " مؤسس الحركة الكشفية ، تسجيلا باللغة الانكليزية مع ترجمته الفرنسية جاء فيه ما معناه : اني أتمنى لكم أن تعيشوا طويلا . وهذا يتوقف على توفر شرطين احدهما حدثتكم عنه والآخر سأضيفه وهو ان تمارسوا الرياضة لتكونوا فى صحة جيدة . وهناك سبب اخر له صله بالخلق القويم وهو ان تعيشوا لغيركم اى ان تحبوا الآخرين وتولوا من حولكم ما يستحقونه من العطف . وعليكم أن تتساءلوا فى كل يوم عما فعلتم لمد يد المساعدة لاخوانكم وجيرانكم ومواطنيكم من الرجال والنساء وعن أى عمل قام به كل منكم لادخال السرور على أخيه الانسان ولو لمدة ثانية من الزمان

تلك هي الحياة فلا ينبغي لنا ان ننسى ان نقابلها بالابتسام سواء اثناء الحياة أو عند الممات . ولا بد أن يأتي اليوم الذى تغادر فيه هذه الدار ، فلتكن  مغادرتك إياها فى نبل وشمم وبدون زعزعة أو صدام وبمثل النظافة والروح  الرياضية التى دخلت بها فى خضم الحياة . تلك هى الحياة وتلك هى الافكار  الرومامنطقية البعيدة عن النزعة الواقعية التى أتجرأ على الصدع بها فى مثل  سني أمام شبان وأمام كهول . ولتحسبوها مجرد أوهام لكنها أوهام ما زلت  احتفظ بها وأنا فخور بذلك وارثى لحال الذين اضاعوها وهم ما زالوا فى سن  العشرين .

ونصيحتى اليكم ان تحتفظوا بهذه الاوهام فهي تعينكم على ان تكونوا سعداء

اشترك في نشرتنا البريدية