السعادة

Share

كتب كثير من الناس مقالات وكتبا في بيان معنى هذه الكلمة التى يتمنى كل احد ادرا كها ويرغب في تحصيلها كل انسان ، وكل تكلم بما ادى اليه اجتهاده وظن انه فيما صنع اصاب طريق الحق ودل على ما يوصل الى نيل السعادة التى هى الغاية المطلوبة ، ومن هؤلاء العلامة ابن القيم فقد فصل القول فى ذلك وبسط الكلام في كتابه " مفتاح دار السعادة " وكذلك فى رسالته " التيوكية " وذكر فى هذه الرسالة ان اسباب السعادة ثلاثة : الهكر والصيد والاستغفار فجعل هذه الامور الثلاثة اسبابا لسعادة الانسان وفوزه بالنعيم المقيم

واذا ماتدبر العاقل هذه الاسباب وجدها تجمع للعبد خيري الدنيا والاخرة

وبيان ذلك ان الانسان إذا انعم عليه ربه بنعمة من النعم الدينية او الدنيوية فانه يجب عليه شكر المنعم بقلبه انها من عند الله ويقر بلسانه على مقتضى اعتقاده ويعمل بجوارحه من الطاعات ما اوجبه الله على كل مسلم من العبادات ولا ينبغي للعبد الاقتصار على اداء ما فرضه الله عليه بل يزيد من نوافل الطاعات التى هى من جنس الواجبات فان النوافل تكمل ما اوجبه الله عليه من الفرائض التى ربما حصل فى بعضها نقص وتفريط فاذا فعل ذلك فقد ادى شكر نعمة الله عليه واستحق من الله المزيد وكما انه يجب عليه فعل الطاعات شكرا لما انعم الله به عليه من نعمة الاسلام واقدره على فعل الطاعات بصحة عقله وسلامة بدنه يجب عليه حفظ جوارحه من المخالفات لامر الله فيحفظ يده من تناول الحرام ورجله من المشي الى مواضع الاثم والعصيان وعينه من النظر الى ما حرم الله عليه ويصون لسانه عما يغضب الله وكذلك يحفظ قلبه من الاصرار على الاعتقادات الفاسدة والشبهات المضلة ومن الكبر واحتقار الناس والحسد الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وكذلك من آتاه الله مالا ، وجب عليه شكر ربه بأداء حقوق المال التى اوجبها الله عليه كالزكاة وسائر النفقات التى هي واجبة شرعا على الانسان فانه بفعل ذلك يكون قد ادى شكر نعمة المال فاستحق من الله الجزاء والثواب والاحسان بخلاف من رزقه الله مالا ولم يعمل به صالحا ويسلك به مسالك الخير ويبذله فى طرق البر والمعروف التى امر الله بها بل جعله وسيلة لنيل شهواته المحرمة واسرف ببذله فى طاعة الشيطان ، فهذا المغرور جحد نعمة ربه عليه وصار ماله زيادة فى عذابه وسببا لمقته وحرمانه من خير الدنيا والآخرة حيث استعان بنعمة الله المالية والبدنية على معاصى الله ، فهذا شقي محروم بعيد من السعادة التى يظن الجاهل المغرور انه ادركها ونالها . .

واما السبب الثاني للسعادة فهو الصبر عند نزول البلاء ، وذلك ان الانسان معرض في دنياه لآفاتها ومصائبها ، فيناله منها ما لا يحبه ولا يألفه ولا يرضاه من الاسقام وفقد الاحبة ونقص الاموال وغير ذلك مما يبتلى الله به عموم عباده من مصائب الدهر التى لا منجاة منها ولا مفر عنها وربما صارت ناشئة عن محبة الله لعبده فتكون سببا لسعادة العبد ورضى ربه عنه إذا لزم عند

نزولها حدود الشرع ولم يتجاوزها الى ما نهى الله عنه ، والى ذلك يرشد قوته عليه السلام : " إن الله اذا احب قوما ابتلاهم فمن رضى فله الرضى ومن سخط فعليه السخط " . ولهذا كان الانبياء عليهم السلام اشد الناس بلاء في هذه الدنيا قال بعض الصحابة : كأنى انظر إلى رسول الله يحكى نبيا من الانبياء ضربه قومه فادموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول : " اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون "

فاذا كان الانبياء وهم صفوة الخلق واحب العباد الى الله تنالهم مصائب الدنيا فيصبرون رضي بقضاء الله وطلبا للثواب فحقيق لكل عبد الاقتداء بهم والسير على منهاجهم حتى تحصل له السعادة ويفوز برضى الله عنه سبحانه وتعالى ثانى هذه المصائب التى يجب الصبر عند نزولها إنما تقع بقضاء الله وقدره وقد ثبت فى اصول الدين ان الايمان بالقدر السابق اصل من اصول الايمان يكفر حاجده فلهذا يجب على العبد الرضى بتقدير الله وما اجراه عليه من المصائب في دنياه فيرضى بالقضاء ويصبر على المقضي به من مرض وموت قريب ونقص من الاموال ، ويرضى بما قسم الله له من رزق قليلا كان او كثيرا ، لان قسمة ارزاق العباد سبقت في الازل فلا اعتراض على القاسم بل ربما صار ضيق العيش سببا لصلاح دين العبد كما فى الحديث القدسي . " إن من عبادي من لا يصلح ايمانه الا الفقر ولو بسطت عليه لافسده ذلك " والصبر المحمود هو الصبر الجميل فيحبس لسانه وجوارحه عن كل ما حرم الله من الجزع الشديد المنافى لشرع الله ودينه ويحفظ لسانه عن الشكوى لغير الله فان شكواه الى العباد لا تفيد ولا تجدى شيئا كما قيل :

لا تظهرن لعاذل أو عاذر         حاليك فى السراء والضراء

فلرحمة المتوجين مرارة             فى القلب مثل شماتة الأعداء

وأما السبب الثالث لسعادة العبد وفوزه برضى ربه ومغفرته فهو الاستغفار الذي هو دواء الذنوب كما جاء فى الحديث : " إن لكل داء دواء وان دواء الذنوب الاستغفار " ولما كان العبد مأمورا بالتقوى وهي العمل بطاعة الله وترك معصيته ولكن العبد ربما وقع منه ما يخل بتقواه - ارشده النبي صلى الله عليه وسلم الى ما يزيل هذا من الطاعات ويرده الى تقواه ، لان حسنة الاستغفار تمحو

سيئة الذنوب كما قال عليه السلام واتبع السيئة الحسنة تمحها فمن حفظ هذه الاسباب الثلاثة التى اشرنا الى تفصيلها اشارة موجزة حاز السعادة في الدنيا والاخرة لأنه اتى بأعظم ما يقرب الى الله من العمل بطاعته وترك معصيته .

وأما ما يظنه الجاهل المغتر بشبابه وماله وجاهه وغير ذلك من اعراض الدنيا الزائلة انه سعيد بذلك فيسترسل ببذل ماله فى الحرام ويفني شبابه باتباع طرق الأثام فهذا ظن سئ ووهم باطل ناشئ عن غرور الشيطان وتسويله وتزيين طرق الشر حتى صارت عاقبة امره الى الذل والخذلان والهوان لانه اطاع شيطانه وعصى ربه فهذا هو المخذول وسيسأل يوم القيامة عن جميع هذه الاعراض الدنيوية كما قال عليه السلام : " لا تزول قدما ابن آدم حتى يسال عن خمس : شبابه فيما ابلاه ، وعمره فيما افنناه ، وعن ماله من اين اكتسبه وفيما أنفقه وماذا عمل بما علم .

اشترك في نشرتنا البريدية