السيدة سكينة، وبعض مجالسها

Share

سيدة عصرها ، وعلم من اعلامه ، وهب الله جمالا ، محاطا بسياج من الرزانة والفضيلة ، من أظرف النساء وأحسنهن أخلاقا ، وأعلاهن مقاما ، وأوفرهن ذكاءو عقلا وكانت ذواقة فأحررت قصب السبق في مضمار الادب والنقد ، وكان يجتمع بمنزلها الشعراء والرجاز والادباء ، وكان لها شغف الى سماع الموسيقى ، وقد أثرت تأثيرا بالغا في جميع أهل عصرها الذين كانوا يحذون حذوها في جميع ما تصنعه من الفن والجمال ، والفن يشرح تأثير الجمال ، والجمال عندها ب الفضيلة وسمو النفس ورقي الروح ، وقربها من الكمال ، طبقت شهرتها الآفاق شهرة في ذوقها ، وفي اختراع الازياء ، شهرة مكنتها من الادب العالى والمعارف ، وحسن المحاضرة والتف حولها الفقهاء والعلماء ، وقد قلدتها نساء الطبقة العليا المسلمات في ذلك العصر ، وكانت تستقبل الزائرين الذين يفدون على منزلها لالتماس الصلات ، أو طلب المساعدات أيضا ، فمن ذلك ما يحكى أنها أكرمت الذى أرسله يزيد مع أهل البيت الى المدينة بعد مقتل والدها الحسين رضى الله عنه ، وكان المرافق أمينا .

قالت السيدة فاطمة لاختها سكينة : قد أحسن الرجل الينا فهل لك أن تصليه بشئ ؟ فقالت سكينة : والله ما معنا ما نصله به الا ما كان من هذه الحلى .

فقالت أختها : فافعلى . . فأخرجت سوارين

ودملجين وبعثت بهما اليه ، فردهما وقال : لو كان الذى صنعته رغبة في الدنيا لكان في هذا كفاية ، ولكنى والله ما فعلته الا لله ولقرابتكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

سرعة جوابها وحضور بديهتها

حضرت مأتما وجدت فيه بنت سيدناعثمان رضى الله عنه ، فقالت بنته : أنا بنت الشهيد فسكتت سكينة حتى أذن المؤذن وقال : أشهد أن محمدا رسول الله . وقالت : هذا أبى أم أبوك ؟ فقالت بنت عثمان : لا أفخر عليكم أبدا .

بعض مجالسها الادبية :

كانت مجالسها تزدان بحسن أدبها ووفرة ذكائها وطرح الاسئلة العديدة على الادباء والشعراء الذين كانوا يحسبون لها حسابا

كبيرا ، لأنها كانت نقادة ونفاذة لا تخشى سطوة أديب ، أو صولة شاعر ، و كان الشعراء يسعون اليها عند خصوماتهم ، لترى ما قدموا من حصاد ، ولتحكم على الآثار الادبية التى يقدمونها ، وهى تحس بالجمال الشعرى وتعرف مكامنه وأماكنه .

اجتمع في ضيافتها جرير والفرزدق وكثير وجميل ونصيب ، فقالت للفرزدق أنت القائل ( ١ ) :

هما دليانى من ثمانين قامة

    كما انحط باز أقتم الريش كاسره

فلما استوت رجلاى بالارض قالتا :

    احى يرجى أم قتيل نحاذره ؟

فقلت ارفعوا الأسراس لا يشعروا بنا

     وأقبلت في اعجاز ليل أبادره

أبادر بوابين قد وكلوا بنا

وأحمر من ساج تبض مسامره

قال : نعم . قالت : فما دعاك الى افشاء سرهما وسرك ؟ هل سترت عليك وعليهما ؟ ثم قالت لجرير أنت القائل :

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا

   وقت الزيارة فارجعى بسلام

تجرى السواك على أغر كانه

   برد تحدر من متون غمام

لو كان عهدك كالذى حدثتنا

   لوصلت ذاك وكان غير لمام

انى أواصل من أردت وصاله

   بحبال لا صلف ولا لوام

قال : نعم . قالت : أولا أخذت بيدها وقلت ما يقال لمثلها . . أنت عفيف وفيك ضعف .

ثم قالت لكثير ألست القائل ( ٢ ) :

وأعجبني يا عز منك شمائل

     كرام اذا عد الخلائق أربع

دنوك حين يدفع الجاهل الصبا

     ودفع بأسباب المنى حين يطمع

فوالله ما يدري كريم مماطل

أينساك اذ باعدت أو يتصدع

قال : نعم . قالت : ملحت وثكلت . ثم قالت لنصيب : أنت القائل :

ولولا أن يقال صبا نصيب

   لقلت بنفسلى النشأ الصغار

بنفسى كل مهضوم حشاها

    اذا ظلمت فليس لها انتصار

فقال : نعم ، قالت : ربيتنا صغارا وهدحتنا كبارا . ثم قالت لجميل : والله مازلت مشتاقة الى رؤيتك منذ سمعت قولك :

ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة

    بوادى القرى انى اذن لسعيد

لكل حديث بينهن بشاشة

    وكل قتيل عندهن شهيد

جعلت حديثنا بشاشة وقتلانا شهداء .

فانظر الى براعة سكينة وحذقها في أنها صرفت أضيافها المتخاصمين الى منزل لصيق بالعواطف لم تترك خلجة لنفس أو لمحة لعقل وكل لمحة من لمحات وجهها تفيض بشرا .

. ومن موازنانها (٣) :

وازنت بين شعر كثير عزة وشعر امرئ القيس وهما على مذهب شعرى متفق ، ومعنى واحد ، وان اختلف عصر كل منهما :

قالت لكثير أخبرنى عن قولك :

وما روضة بالحزن طيبة الثرى

    يمج الندى جثجاثها وعرارها

بأطيب من أردان عزة موهنا

   وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها

ويحك وهل على الارض زنجية منتنة الابطين توقد بالمندل الرطب نارها الا طاب ريحها ؟ ألا قلت كما قال عمك امرؤ القيس :

ألم تريانى كلما جئت طارقا

  وجدت بها طيبا وان لم تطيب

رأيها في جرير :

سألت الفرزدق : من أشعر الناس ؟ قال : أنا . قالت : كذبت ، صاحبك أشعر منك .

فتأمل معى صدق نظرتها ، ودقة احساسها ورقة ذوقها ، وصواب رأيها وتذوقها عاطفة الجمال الشعرى وهل أحسست روعة تأثيرها التى تلت علينا الحواس وبلغت الى الوتر الحساس من قلوبنا ، فضربت علينا نغما قد حلا ايقاعه ، هشت له خواطرنا وخفقت قلوبنا .

هذه بعض الصفات الادبية للسيدة سكينة وبعض أعمالها ليكون في ذكرها قدوةللسيدات والفتيات يسرن على طريقها : طريق الفضيلة ، وشرف النفس وروح العدل ، والغيزة على الادب ، والاتجاه الى نطاق التذوق الجمالى الصرف في وصف حالات من التغريدالذى درج عليه كثير من الشعراء يتعابير مختلفة من الشعر المنغم والعذب المرنم ، فهذا يمدح ،

وذاك يقدح فيلقى في فجاج ذياك النقد ، فيصفى فكرته من شوائب العيب وينقيه مما علق به فتنتج الفائدة المثمرة .

فوائد مجالسها الادبية للنقد :

وقبل أن أختم مقالى لا بد أن ألمح الى فوائد مجالسها الادبية للنقد ، فقد أكسبته كثيرا من الحيوية ، وأضافت اليه عديدا من الآراء والافكار النقدية ، وكثير من هذه المجالس قد شاهدها الخلفاء والامراء والقادة الامويون ، وأخذت صورة جدية ، لذا كانت حافلة بالكثير من المطارحات الادبية التى تحرك الهمم ، وتقوى الحس وترهفه ، وكان لها تأثير في أبناء الامة ، فكانوا يشعرون وينفعلون ونلمس فيهم قوة الحس وسلامته ، ورهافة الشعور ، ويقظة الوجدان .

وكانت مجالسها في أيام بنى أمية فاتحة النقد الادبى ، وارساء قواعده ، وبناء صرحه ،

فرجم الله السيدة سكينة بنت الامام الحسين وحفيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، صدعت بالحق كاملة الهيبة ، قوية الجانب مالكة للزمام ، وأعرضت عن الزيغ فبقيت آثارها ، وخلد اسمها بمقدار ما ثغلغل فيه من مضاء العزم ، وذكاء القلب ونقاء الفطرة وما يسرى في دمها من شجاعة ، ويوجهها من ايمان بالله واسعصام بالفضائل وكانت - أبرها الله - نبيلة فوق النبل ، شريفة في قمة الشرف ، مجاهدة في سبيل الله والحق ، طيب الله ثراها وأكرم مثواها فهل من سكينة أخرى بين بناتنا وسيداتنا ؟

اشترك في نشرتنا البريدية