الشعر، يسبق الى حقائق العلم وأشياء أخرى، اذيع هذا الحديث ليلة ١٣٧٣/٦/٩ ه

Share

- ١ - الشعر والعلم

عرف العرب في جاهليتهم ان السحاب انما يعطى مما يأخذ بمعنى انه بقدرة الله القادر الحكيم حينما يفرغ مافى جوفه من الماء على الاناسى الظماء والارضين اليابسة يعود الى منهله الملح فيهبط عليه من اجوائه ويتصل به اتصالا مباشرا بوساطة خراطيم خلقها الله فيه وبها يمتص من ماء البحر حتى يمتلئ فيصعد الى الجو ثانية شبعان ريان ويرسله الله بوساطة الرياح الى حيث يشاء فيفرغ ما حمله من ماء . .

قال احد شعراء العرب يصف السحاب فى هذه العملية العجيبة :

شربن بماء البحر ثم ترفعت

       متى لجج خضر لهن نئيج

وأنا هنا لست في موقف تحليل هذا البيت الفنى الجاهلى بالنظر الى اعرابه وتوضيح ان معنى ( متى ) عنا هو ( من ) الخ ما اوردته كتب القواعد العربية عنه . . وانما أريد أن ابين مآل البيت من الناحية الفنية التى لاحظها الشاعر العربى الجاهلى منذ القدم فنطق بها شعره نطقا واضحا كشف عن مدى عمق

التفكير العربى الحكيم منذ اعرق الاجيال بما لا يخرج عما اكتشف في العصر الحديث عن كيفية ارتواء السحاب من مياه البحار . . . فلله در العرب فى قوة اذهانهم وشفوفها

ولمعانها . . وما احرانا ان ندرس تاريخهم دراسة واعية مستوعبة حتى نصل الى فهم امجادنا فلا ندع مجالا للخنوع للغرب فى آدابه وتفكيره يتسرب الى آفاقنا فيطمس فيها القوة واللماحية والابتكار . . والاعتزاز بالاسلاف اساس المجد إذا كانوا ذوى مجد باهر ، ومن لا ماضى له لا حاضر له ولا مستقبل . .

-٢-  تجميل مكة

بمناسبة مشروع الجسر الذي تزمع الحكومة اقامته على الجانب المعروض لسير السيارات من المسعى وددت أن أقول : ان هذه فرصة حميدة لمشروع تجميل مكة بتجميل اهم شارع فيها وهو الشارع العام الذى يخترق المسعى والذى تمر به افواج كل الحجاج ذهابا وايابا ولا يكلف التجميل المنشود سوى ازالة بعض النواتئ واصلاح بعض الشوارع وتوسعتها

وتنسيق بعض الدور وتعمير بعض الخرائب . . وما ذلك على حكومتنا المصلحة بعزيز

-٣- التسول والمتسولون

لابد لى من وضع بعض مواد اللغة فى الاوعية والغلال فأنا من المؤمنين بأن اصلاح اللغة من أهم ادوات الاصلاح الاجتماعى وقد قال بعض الحكماء المعاصرين بهذا القول فى بيان موفق جميل وانا هنا سأتتناول صيغة ( التسول والمتسولين ) الكثيرة الورود فى النظم والقوانين والمشروعات الاصلاحية الحديثة المتعلقة بمكافحة صناعة التكفف والسؤال . . وقد

نبهنى أولا الى مافى هذه الكلمة من خطأ جوهرى الاستاذ اسماعيل الانصارى وراجعت المعاجم القديمة والحديثة فبرهن على ان لا اساس لهذه الصيغة المستعملة الآن في معنى صناعة السؤال والشحاذة والتكفف . ولا يصح استعمالها من اى باب لا من باب الحقيقة ولا من باب المجاز . .

وحينئذ فكرت وقدرت فى الامر ورأيت ضرورة الجهر بتخطئة من يستعملونها ليكفوا عن هذا اللفظ الواضح الغلط والخطأ . .

ولقد فكرت فى أصل استعمالها وكيف تسربت الى لغة الكتابة حتى شاعت وذاعت ومن أى باب دخلت ومن اية نافذة تسورت على البيان وتذكرت كثرة التحريف الواقع في كلام العامة وان كثيرا من انصاف المتعلمين واشباه

الادباء والكتاب يتبعونهم فى اصطلاحاتهم المنحرفة عن جادة الصواب وتشيع اللفظة كتابيا وتذيع حتى لا يكاد احد يمترى فى صحتها وثبوتها فاذا أريد لها السند من اللغة ولم يوجد الجم المصححون بلجام : ( خطأ مشهور خيرمن صواب مهجور ) وتلك مثل كلمتى ( صمد ) المعرفة عن ( سمد ) . و ( قصد ) المحرفة عن ( قسط ) و ( الاقيام ) المحرفة عن ( القيم ) و ( العايدى ) المعرفة عن ( العادى ) .

وتذكرت بعد التأمل ان الاصل فى صيغة ( التسول ) هذه قد يكون ( التسفل ) فان معنى التسفل هو الانحطاط من اعلى الى اسفل . ومن يمتهنون السؤال ينطبق عليهم هذا الوصف اى انطباق . وقلت لنفسى لنفرض ان صيغة التسفل ليست أصل صيغة التسول افلا يجدر بنا

وقد ادركنا خطأ استعمال صيغة ( التسول ) فى هذا المعنى كما ادركنا وندرك ان صنعة الشحاذة والتكفف هى تسفل حقيقي . . افلا يجدر بنا اذن ان نجمع على استعمال لفظتى ( التسفل والمتسفلين ) على هذا النمط من الناس ولو من باب العظة والاعتبار والزجر حتى يقلعوا عن اتخاذ هذه المهنة السافلة مهنة لهم ؟

انني أرجو الجواب من حضرات القراء الكرام . .

اشترك في نشرتنا البريدية