حلت " الشعوبية " مكان " الاحتلال " فالغزو الثقافي الذي قام به الاستعمار خلال اقامته فى وطننا في مدى قرن كان تقريبا خلف قوى تعمل بعد جلائه العسكري والسياسي . هذه القوى تعمل لتبقى النفوذ الاجنبي ولتقضى على مقومات امتنا حتى ، نستطيع ان نجمع فكرنا ونتوحد لنواجه الحياة قوة ضخمة ذات نفوذ وليبقي له به ذلك سيطرته الاقتصادية .
والشعوبية الفكرية الحديثة انما تحاول القضاء على ( ١ ) شخصيتنا (٢) قيمنا الفكرية والروحية ( ٣ ) تراثنا ( ٤ ) لغتنا العربية الفصحى ( ٥ ) تاريخنا .
وقد تشكلت هذه الشعوبية منذ الثلاثينيات من هذا القرن في صورة احزاب وهيئات وجماعات ذات طابع براق . على مستويات مختلفة : قومية واقليمية ، سياسية وفكرية ، وحاولت ان تشق طريقها وتجمع حولها الشباب الغض تصنعه وفق مخطط دقيق مدروس .
وقد مهد الاستعمار لها الطريق بدعوات مختلفة :
١ - العودة الى الثقافات والحضارات القديمة كالفينيقية والفرعونية والبابلية والاشورية .
٢ - التفرقة بين عناصر الامة الواحدة والدين الواحد فانبعثت قضايا البربرية والكردية والصراع بين المسلمين وغير المسلمين وبين السنة والشيعة .
٣ - كشف الآثار القديمة واستغلالها في هذه الدعوات .
- رفع صوت الاداب الاقليمية واللهجات الاقليمية والتراث الاقليمي .
وليس كيد الشعوبية موجها الى العرب كامة فقط ولكنه موجه اساسا للقضاء على مقومات الفكر العربي والاسلامي الذي هو المصدر الاول للحياة العقلية والروحية لهذه المنطقة ، فى محاولة لاثارة الشكوك وخلق التفرقة . والانتقاص من التاريخ والتراث وتشويه الماضى وهدم اللغة والانتقاص من فضل العرب والمسلمين على الحضارة مع الإعلاء من شأن الفكر الغربي والحضارة الغربية اعلام الغرب وابطالهم في مجال السياسية والفكر والاختراع . والعمل على
تجزئة الفكر العربى الاسلامى والفضاء على روح وحدته . والفصل بين الماضي والحاضر وفرض النظريات الغربية عليهم في مجال القومية ودراسات التاريخ والأدب وتقويم التراث . واذاعة الفلسفات والنظريات والمذاهب الغربية المتعددة المتضاربة ، التى انطوت في الغرب ولا تزال وضع النظر كانما هي قضايا مسلم بها . وابرز المذاهب فكرنا : النظريات المتصلة بالتشكيك فى القيم الروحية والمثل الانسانية والتي تحاول تعرية الانسان وابراز حيوانيته . وتصويره فى صورة المندفع وراء غرائزه وذلك فى سبيل القضاء على القيم الاساسية للفكر العربى الانساني القائم على تكريم الانسان والسامي به ودفعه الى مجال " الانسان الكامل " .
وقد اعتمدت الشعوبية الفكرية الحديثة وهي تستهف القضاء على المقومات الاساسية لفكرنا العربي الاسلامي على تراث قديم لها فى اواخر القرن الثاني الهجرى محاولين اعادة بعثه من جديد . وكان الشعوبيون القدامى قد جروا في محاولة ضخمة لتزييف قيمنا . واثاروا عديدا من الشبهات حول مختلف القضايا وقد استغلت الشعوبية الحديثة المتحركة في حضانة الاستعمار والغزو الفكرى هذه الاراء واخذت تعيدها من جديد . كما وجد المستشرقون والمبشرون الذين يتسمون باسم العلماء في آراء الشعوبية القديمة زادا استعانوا به في حملتهم الضارية .
وقد ساير كثير من كتابنا ومفكرينا هذا الاتجاه على غفلة منهم او متابعة ورضى تلقاء
نفوذ وجاه ومال . كما امكن النفوذ الاجنبي للقائمين بالحركة الشعوبية الحديثة فى العالم العربي فرصة السيطرة على منابر الصحافة والجامعات ونوافذ التوجيه للراى العام .
وعندى اننا لسنا في حاجة الى مراجعات علمية أو قاموسية لتحديد معنى " الشعوبية " فنحن نعتقد ان كل من يهاجم مقومات فكرنا وشخصيتنا ويزدرى تاريخنا ولغتنا بالتشكيك فيه او تعتيره او انتقاضة انما هو شعوبي يتحرك في فلك التغريب والغزو الثقافي .
وكل محاولة لتغليب العامية او هدم عامود الشعر او انتقاص التاريخ والتراث والدين انما تجرى في هذا التيار .
ولسنا نريد ان ندخل في مجادلات حول القضايا المثارة كالعروبة والاسلام الى الدين والعلم وحرية الفكر وتقويم التراث . فليس هناك من يمنع من ان يمارس الباحث حقه كاملا فى النظر والبحث ما قامت مفاهيمه اصلا على نفس الاسس التى ارتضتها هذه الامة اساسا لقيمها ومفاهيمها ، ولا بد ان يتوفر صدق النظرة واخلاص النية والإيمان الاكيد لقيم هذه الامة .
ولا يدعونا هذا الى المبالغة في تقدير فكرنا او النظر اليه نظرة الاستعلاء او المبالغة فهذا ما لا نقصد اليه . وانما نحن تتطلع الى قدر واضح من الثقة بامتنا وشخصيتها وقيمها . هذا القدر لا يسمح بازدراء ، واريثها ومقوماتها . وعلى هذا القدر وحده نحكم على سلامة الرأى الفاحص والرأى المثار .
اما الغلو في التقدير - فهو عندنا كالغلو فى الغض - كلاهما منبوذ مكروه بعيد عن مقاييسنا على اساس مفهوم " وسطية " الفكر العربى الاسلامي ، في نظرة لا افراط فيها ولا تفريط . فكلاهما بعيد عن الحق والواقع .
فاذا لم تكن النظرة على هذا النحو ، اتهمت بانها شعوبية وعدت من اعمال التقريب والغزو الثقافي ، في محاولة لتدمير قيمنا وشخصيتنا ومقومات فكرنا .
ونحن نعرف ان الدعوة " الشعوبية " تنبعث من مصدرين اكيدين هما :
- خصومة الغرب للفكر الاسلامي
العربي والامة نفسها ، ومحاولة لمنعها من القوة والوحدة والغلبة .
٢ - حقد عناصر كثيرة مختلفة في داخل وطننا العربي لهذا التيار القوى ومحاولة لمقاومته والغض منه .
واذا كان من المؤكد ان هذه اليقظة الفكرية التى تتألق في آفاق الامة العربية والعالم الاسلام اليوم ستجد طريقها الاصيل عندما تؤمن بقيمتها الاساسية وتتخذها قاعدة لها فان الشعوبية تعمل جاهدة على التاثير في هذا الخط وتضليل السارين اليه واثارة الشبهات والعقبات حوله ، ابقاء على النفوذ الاجنبى ونفوذهم الشخصى .
