التشريع الاسلامي أساسه الكتاب والسنة والقياس والاجماع . ولما كان المسلمون فى الصدر الأول للاسلام هم اعلم بحكمة القرآن واسراره وادرى بأسلوبه وأسبابه واقرب إلى فهم مضامينه وتعابيره ذهبوا ينظرون فيه بتدبر وتفهم فما كان صريحا قاطع المعنى لا يعدلون عنه وإلا فينظرون إلى بيانه فى الحديث الصحيح القاطع المعنى فلا يحيدون عنه فيقيسون الاشباه بنظايرها من الكتاب والسنة او الاجماع فاذا لم يوجد فالاجتهاد بعد بذل الجهد لماجاء في
حديث ساذين جبل رضي الله عنه لما أرسله النبى صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فجاء التشريع الاسلامي كاملا ملما بحاجة الامة كافلا لحقوقها لاعوج فيه ولا امت ، يغترف منه المؤمن فيأخذ منه ما يلزمه بما يوافق حاجته ويقضي به لبانته بلا عنت ولا حرج .
ولما انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها فسار على منهاجه وهديه الصدر الأول ثم القرن الثاني والثالث وهم خير العروق كما قال عليه الصلاة والسلام ثم تقاصرت الهمم وتضاعفت النفوس وتحجرت العقول رويدار رويدا حتى وصلت الحالة الى التخاذل والتنابذ وتصدر في مجالس العلم من ليس له خل الصدارة وافتى من ليس له حق الفتيا وذلك مصداق لقولة عليه الصلاة والسلام : إن الله لا ينزع العلم انتزاعا من صدور العلماء الخ الحديث على ان الله الذي نزل الذكر وكفل حفظه جعل طائفة من هذه الأمة تقوم بالحق لا يضرها من خالفها إلى يوم القيامة كما جاء فى الحديث الشريف .
انظر الى فهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه للقرآن وروحه فانه لم يقطع يد السارق في عام الرمادة لان الناس كانوا في ضنك ومجاعة وقال لسيد السارق لو لم أعلم انكم أجعتموه لقطعت يده ، كما امر بعدم قسمة السواد فى العراق ، ولما اعترض عليه قال لهم : تقتسمون والذين يأتون بعدكم لا يحصلون شيئا . فوافقه الصحابة رضوان الله عليهم اجمعين . ومبادرة أبي بكر رضي الله عنه لقبول البيعة في السقيفة مع ان الموجود من المهاجزين قليلون وقبل دفن النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه رضي الله عنه أن لو تأبى عن قبولها لحصلت فتنة ولتزعزع مركز الاسلام . قال الله تعالى : " واذا جاءهم امر من الأمن او الخوف اذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الامر منهم لعلمة الذين يستبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان الا قليلا "
واننا نرى حركة اصلاحية عامة فى الجزيرة العربية وفي جميع الاقطار الاسلامية تبشر بالخير وتسر الخاطر ، على اننا نرى من الخير العميم ان يجتمع الممثل ويوحدوا التشريع الاسلامي ليعمل به فى معاملاتهم واحكامهم وهذا ليس بعسير اذا تضافرت الهمم واجتمعت الكلمة وقام ملوك الاسلام ورؤساؤهم
وزعماؤهم على العمل بذلك وبالأخص صاحب الجلالة المصلح الأعظم ملك المملكة العربية الذي له الايادى البيضاء على هذه الجزيرة مما هو مشاهد وظاهر للعيان .
وانني ذاكر لك بعضا من التشريع الاسلامي وهو : الشورى فى الاسلام . قال الله تعالى : ( وشاورهم فى الأمر ) . أمر الله رسوله أن يشاور اصحابه فى الدنيا والحرب لانهم اعلم بمصالحهم ودنياهم تربية لهم وتعليما بأن الشورى أس من أسس النظام العام تسترشد به الأمة فتجتمع كلمتها وتتوحد غايتها ، فان رأى الواحد ليس كرأي الاثنين ، وهكذا كلما زاد العدد زادت الفائدة ، ويدالله مع الجماعة وحكمة المشاورة أن صاحب الرأي يدافع عن رأيه ولا يتملص من الغاية إذا جاءت غير موافقة لرأيه والا فانه قد لا يبالي بالعمل الذي لا رأى له فيه نجح أم اخفق ، بل ربما يضع العراقيل فى سبيل العمل الذي لا رأي له فيه ، لهذا كان الرسول يجمع كبار الصحابة ويستشيرهم ففي غزوة أحد جمع النبي اصحابه وقال لهم : ان رأيتم ان تقيموا بالمدينة أو تدعوهم حيث نزلوا فان هم أقاموا أقاموا بشر مقام وان هم دخلوا علينا فيها قابلناهم فيها . فقال رجال من المسلمين ممن فاته يوم بدر يا رسول الله اخرج بنا الى اعدائنا لا يرون انا جبنا عنهم وضعفنا . وقال آخرون : يارسول الله أقم بالمدينة لا تخرج اليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط الا أصاب منا ولا دخل علينا إلا أصبنا منه فان أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وان رجعوا رجعوا خائبين . فانقسم المسلمون الى فريقين وقد نظر النبى عليه الصلاة والسلام فرأى الاكثرية فى جانب الذين يريدون الخروج من المدينة فوافقهم فذهب الى داره ولبس لأمته فندموا على مخالفته فجاؤه يعتذرون فقال لهم لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته ان ينزعها . لان القائد اذا حزم الامر لا ينبغي أن يتردد والا ففي ذلك الفشل للجيش واصطراب حبله . ففي هذه القصة الاستشارة والاخذ برأي الاكثرية وارتكاب أخف الضررين . وقد استشار اصحابه فى أسرى بدر ورأى ابو بكر رضي الله عنه أن يطلقهم ويمن عليهم ورأى عمر رضي الله عنه قتلهم لأنه ارهب للعدو وأخذل ، له فوافق النبي أبا بكر رضي الله عنه لما فطر عليه من الرحمة والرأفة ، فنزل القرآن الكريم موافقا لرأى
عمر رضي الله عنه ومعاتبا النبي صلى الله عليه وسلم في رفق ولين ، قال تعالى : ( ما كان لنبي ان يكون له أسرى حتى يثخن فى الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم )
ولما نزل النبي صلى الله عليه وسلم في بدر على غير ماء جاءه الحباب بن منذر وقال له : يا رسول الله اهذا منزل انزله الله ام هو الحرب والخديعة ؟ فقال الرسول ليس بأمر من الله . فقال له ننزل على الماء ندفن جميع القلب فنكون نحن على ماء والعدو ليس عنده ماء فنزل النبى صلى الله عليه وسلم على الماء فكان الغلب .
وفي غزوة الاحزاب لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم كثرة العدو وقوته اراد ان يفرق بين بعضه والبعض ويصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة ، وعرض ذلك على سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فقالا له : يا رسول الله ان كان امرا من السماء فامض له وان كان لك فيه هوى فسمعا وطاعة وان كان هو الرأى فمالهم عندنا سوى السيف . فقال لهما : لو أمرني الله لما شاورتكما ثم اختار النبى ما اشارا به ورجع عما اختاره من الصلح . وشاور اصحابه يوم الحديبية فى الحرب . فقال أبو بكر رضي الله عنه : انا جئنا معتمرين لا للقتال ، فصالح قريشا على ان لا يدخل مكة ويرجع الى المدينة ويأتى معتمرا فى العام القادم ، بل حتى فى اموره الخاصة كان يستشير اصحابه ففي قصة الافك استشار عليا وغيره فى أمر عائشة ولما نزل القرآن ببراءتها ترك ذلك . وقد امتدح الله المسلمين بقوله ( وامرهم شورى بينهم ) فقد كان ابو بكر رضي الله عنه يستشير اصحابه وهكذا سائر الخلفاء الراشدين - فان امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما ذهب الى الشام وقبل دخوله بلغه ان بها طاعونا جمع كبار المهاجرين والانصار واستشارهم فى المضبي او العودة ، فقال ابو عبيدة رضي الله عنه : أتفر من قدرالله ؟ فقال له لو قالها غيرك ! نعم نفر من قدر الله الى قدر الله . فاشار المهاجرون والانصار علي الرجوع الى المدينة فجاء عبد الرحمن بن عوف بعد قرارهم وروي لهم حديثا سمعه من رسول الله مؤداه إذا سمعتم بالطاعون فى ارض فلا تدخلوها وان كنتم بها فلا تخرجوا منها وهذا هو " الحجر الصحي " الذي يعمله الاوربيون اليوم
ويفتخرون بانه من حسنات مدنيتهم فقد عمله المسلمين من قبل اربعة عشر قرنا ولو اردنا ان نستوفى جميع الاستشارات التى وقعت لاحتجنا الى صفحات كثيرة ويكفى ما اوردناه من التدليل على ان الاسلام جاء بالشورى من قبل اربعة عشر قرنا ، فاستطلاع الآراء نافع في كل امر وهو فى الحرب والامور الدنيوية احق بان لا يستنهان به ، فان رأي الجماعة ابعد عن الخطأ من رأى الفرد لذا عني القرآن الكريم بالشورى فقال تعالى لرسوله الكريم المؤيد بالوحى ( وشاورهم فى الامر ) . والمراد من الامر في الاية امر الحرب ونحوها من امور الدنيا التى يدركها الناس من طريق التجارب والممارسة . أما كيفية الشوري ومن هم اهل الشوري ؟ وحل هي بالتصويت العام ام بالتعيين من اهل الحل والعقد ؟ فهذا ما لا تسعه هذه العجالة الصغيرة . وعلى الله قصد السبيل .

