الطائرات فيما قبل التاريخ، وأمور اخرى، اذيع هذا الحديث ليلة ١٣٧٣/٥/١٧ ه

Share

-١-

الطائرات فيما قبل التاريخ

لا جديد تحت الشمس . . عبارة كنا نسمعها فنتخيلها من خيال الشعراء أو تفننات الكتاب . وكلما تقدم العلم وتقدم البحث اكتشفت البشرية مدى انطباق هذه العبارة على عالم الواقع بالنسبة للمدنية الحاضرة والغابرة خاصة فيما يتعلق بناحية التقدم العمراني في خططه ومواصلاته وعماراته ومدنه ومرافقه

المختلفة وقد اشار القرأن المجيد إلى شئ من هذا حينما قال عن الامم الخالية : ( وعمروا الأرض أكثر مما عمروها ) وحينما تحدث عن المدنيات البائدة وشموخها وتقدمها . أقول هذا بمناسبة بحث طالعته حديثا فى تاريخ ابن جرير الطبرى عن بعض آثار المدنية العمرانية فى الجيل البشرى القديم الذي اصطلح المؤرخون المحدثون على تسميته بما قبل التاريخ

فقد تحدث هذا المؤرخ بأن احد ملوك فارس فى الزمن الموغل في القدم بالنسبة لحياة البشر قد امر فصنعت له مركبة من زجاج بعجل وامتطاها جويا من بلد ناء الى بلد آخر ناء فى مملكته ، ووصل الى هذا البلد فى يومه وحينما هبطت به المركبة من الجو الى الأرض قوبل من

شعبه بمنتهى الحفاوة والتكريم تقديرا لهذه الصنعة الغريبة ، وهذه المفاجأة العجيبة واتخذوا بعد ذلك اليوم واياما بعده اعيادا سنوية يحيون بها هذه الذكرى المجيدة .

أو ليست هذه المركبة ذات العجل هى نفس الطائرة ولكن بتصميم لم يفصل لنا بعد ، ولكنها على كل حال طائرة لقد امتطت متن الجو وسارت تمخر عبابه كما تفعل كل طائرة اليوم ، واسرعت فى سيرها وطوت مسافات شاسعة فى أمد وجيز كما تصنع طائرة اليوم وهبطت بسلام الى سطح الارض كما

تصنع طائرة اليوم ، وخرج منها الملك سالما نشيطا كما يخرج ركاب طائرات اليوم وبعد اتقان مستمر فى الطيران والطائرات ثم كان لهذا الحدث العجيب اثره فى نفوس شعبه كما حدث فعلا مثل هذا فى أول عهد الناس المعاصرين بالطيران . واحتفى الشعب بمقدم مليكهم راكب الطائرة كما احتفى

الناس في الغرب والشرق حديثا بأوائل رواد الجو . . تماما تماما . . ومن شدة اعجابهم بالحادث وانبهارهم به اتخذوه عيدا سنويا واتخذوا معه وبعده بضعة ايام اعيادا حتى تتذكر البشرية فى قادم الاجيال هذا الحادث العظيم وحتى تخلده فى سجلاتها لمقبل الايام .

-٢-

بين التاريخ واللغة .

علمتني الحياة وكثيرا ما علمتني وأنستني وكثيرا ما علمتني وذكرتني ، أن نجاح المرء في الحياة يتوقف على مدى تحمله لاعبائها الخفاف والثقال ويتوقف خلال هذا التحمل على استطاعته كبت عواطفه الجياشة من فرح وترح وحبور وكدر عن عامة الناس وحتى عن خاصتهم في كثير

من الاحيان . . فالمرء الذي يريد أن يشق لنفسه طريقا سويا فى الحياة الى قسم النجاح سيصادف فى سيره كتلا من العقبات والعراقيل فاغرة افواهها كاشرة عن انيابها تهم بابتلاع جهوده كلها وبترديته من حيث أتى .

وفي هذه العقبات يقف الاصدقاء والاعداء صفين متوازيين ، الاعداء حاملين الهراوات في الاكف الغليظة الشئنة وبالسواعد المفتولة ومعهم السيوف الفكرية وغير الفكرية المسلولة محاولين صد هذا الصاعد الطامع والقضاء على جهوده بكل الجهود ما ظهر منها وما بطن . . فان فى ارتقائه سقوطا لهم

وفي تقدمه تأخرا لهم وفي صعوده هبوطا لهم وفي نجحه اخفاقا لهم وفي ترديه رقيهم وفي تسفله توكلهم . أما الاصدقاء فيقابلونه باسمين وكثير منهم ممن ينطبق عليه قول الشاعر الحكيم :

إذا رأيت نيوب الليث بارزة

      فلا تظنن ان الليث يبتسم

وهم أثناء ابتساماتهم المرسلة يحبكون الخيوط ويحيكون الشبك ويفتلونها لتكون مصايد من حرير لصديقهم الذي يريد ان يسبقهم الى القمة او يوازيهم في الهمة والمجد وقد يظهرون له الشر في قالب الخير والخير في قالب الشر ويضمرون له

الكيد يقدمونه اليه فى حقائب النصح والصفاء والاخلاص فاذا استأمن واستأنس ونسي طبيعة البشر الراسخة مرة واحدة وأعرض عن الحقيقة القائلة : ( احترس من الناس بسوء الظن ) فقد يهوى نتيجة وقوعه فى احيولة بعض الاصدقاء هويا . ولا يدري من اين ولا كيف حتى يصل إلى القرار .

٣

سمد . . لا صمد

سمد . . لا صمد . . لقد كثر اختلاف الكتاب المعاصرين عندنا وفى العالم العربي حول صحة عبارة ( صمد ) بمعنى ثبت الرجل في موقفه ثبوتا بالغا . فبعضهم قال انهاليست في اللغة بهذا المعنى مطلقا فان معاني الصمود لا تؤدى مطلقا معاني الثبات هى بمعنى القصد فقط وما الى ذلك . ومن كانوا او ما زالوا يستعملونها بمعنى الثبات بحثوا فى اركان المعاجم اللغوية بحثا مضنيا فلما لم يلقوا المعنى الذي اليه يهدفون مطابقا المؤدى الكلمة جنحوا الى ابواب التأويل والتخريج . . وقد بحثت كثيرا فى المعاجم فما وجدت واحدا منها سواء

كان حديثا او قديما يؤيد صحة اعطاء كلمة الصمود لمعنى الثبات المروم ، فعدت الى المعاجم استرها عن الاصل والصحة وتذكرت قرب المخارج وما يؤثر في استبدال بعض الحروف في الكلمات ببعض أثناء النطق . . ومن ثم أعدت كلمة ( صمد ) الى ( سمد ) متذكرا قوله تعالى ( وانتم سامدون) . وسامدون هنا بمعنى ( لاهين ) ولكن الذي وجه نظري ان هناك كلمة تنطق بالسين لا بالصاد وهي ( سمد ) التى اشتقت منها كلمة ( سامدون ) فراجعت كتب اللغة وخاصة أساس البلاغة للزمخشرى فوجدت هذه الكتب تقول ان من

معاني ( سمد ) : " وقف الجمل رافعا رأسه فى ثبات وعناد واصرار " . . و حينئذ ادركت العلاقة اللفظية بين صيغتي ( الصمود والسمود ) وادركت أن صيغة السمود بالسين المهملة ومشتقاتها هى التى تؤدى بحق معنى الثبات المطلوب لا صيغة الصمود ، وادركت أن الصمود انما استعملت في هذا المعنى خطأ ، وان سبب هذا الخطأ يعود الى تقارب مخارج الحروف وعدم تدقيق الكتاب والشعراء في مفردات اللغة حينما يكتبون او ينظمون .

اشترك في نشرتنا البريدية