لما كان الادب مرآة الحياة الانسانية وصدى أحداثها ولسانها المعبر وترجمانها الصادق ، كان لزاما ان يتأثر بعناصر الحياة من أحوال العيش وأطوار المجتمع
فالاددب ما هو الا التعبير الصادق عما تختلج به نفس الاديب وما يجيش به خياله وما تنفعل به عاطفته من آلام واحلام وعواطف وجدانات وما ينطبع في مخيلته من صور ورسوم .
وبناء على هذا فان من اهم العوامل المؤثرة على ظهور ظاهرة من ظواهر الادب هو العامل الطبعي الذي يؤثر على ميول الاديب والشاعر واتجاهاته وأفكاره وميدان مشاعره
وعلى هذا كانت نشأة ظاهرة الاطلال التى نشأت نشأة طبعية في البادية القفراء ورقعة الصحراء العربية التى وضعت العرب بين حل وترحال وأبعدتهم عن الرفاق والاحبة نتيجة للحياة العربية المتحركة حتى ما كاد يرى العربى موطن أحبته ومهد لقائه بهم ومعهد غرامه ومرتع ذكرياته ومجتلى خيالاته الا ويقف ويستوقف الصحاب ويبكى ويذكر أيامه السعيدة الماضية التى قضاها معهم
ومن هنا كل شاعر يتحدث فى معرض
أقواله الفنية عن الذي كان منه واقعا بمن أحداثه ومواقفه وعن ذكرياته ومأسيه جنتى اصبح هذا الحديث أهم ظاهرة من ظواهر الادب والفن في الشعر العربي وسارت هذه الظاهرة على منوالها المعروف في تاريخ الشعر العربي ، حتى اصبحت هذه الظاهرة الفنية موردا للخواطر ومبعثا لانطلاق المشاعر ومجالا حيويا للفن والفكر يستلهم الشعر من المواطن الدارسة والطلول . آيات الحياة . ومن سمات الفناء ، امارات البقاء تلتقي عندها أفكارهم ولا يمنعهم من هذا اللقاء اختلاف العصور والزمن . ومن هذه الجهة نستطيع ان نقول : ان هذا اللقاء الفكرى قد ولد وحدة فكرية انسانية كما ولد وحدة فنية تضم تحت لوانها صبغوة من الادباء والشعراء
لأن الشاعر أو الاديب يستلهم الإفكار من أعماق الماضي ومن الاحداث التى مضت فيسير بخياله عبر مفاوزه ومنعرجاته ومرتفعاته ومنحدراته ويستجمع خفاياه وأسراره معتمدا على فكره فى تصوير ذكرياته وآهاته ورهافته ، ومستثيرا ذكرياته بتصوير وقائع الماضى وأحداث الايام ثم ينفث من فيضان روحه تيارا من الحياة في حياة ماضيه التليد ويبعثها حية نابضة متجلية في أقرب صورها الى ما كانت عليه في الماضي
ولذا فان المدلولات على هذه المواضي من الاطلال والرسوم ، الدراسة التي تشير الى تلك الحياة السعيدة هي الكائن الحي في ذاته ويؤسسه وشقانه وظروفه وأوصافه ، هي الحياة بذاتها . والشاعر بروحه الفياضة الشاملة يقف عند هذه الطلول الدارسة ويعبر عن أفكاره ومشاعره عن حوادات
الايام وتقلب الاحداث والزمن ، بكل م يملأ نفسه من عواطف واهتزازات ومشا وأفكار ليعطي ما له وما عليه .
ومن هنا نرى أن البكاء على الاطلال يرتبط بنفسية الشاعر وعواطفه الخاصة وانطباعاته الذاتية ، وان وقوف الشاعر على هذه الطلول والدمي وما يتصل بها . الرفاق والاحبة ونزوح أهلها عنها يستنب ذكريات الشاعر فيعبر عما يجول بخاطره وينثر دموعه وعباراته ويناجى تلك الديا وآثارها وما يرى فيها وينقل ذلك نقلا ذا طاب فنى حيث لا نملك حين قراءة نماذجهم وخاصة نماذج شعراء الجاهلية الا ان نشبارك الشباعر بكاء ومواقفه المحزنة الاليمة . مشاركة وجدانية يبتغيها الشعر والفن لاننا نحس بعواطفه المضطرمة من حيث تصويره اياها فى اشعاره الطلية ، ونحن لانزال حتى اليوم ؟ وبيننا وبين اولئك الشعراء القدامى قواصيل بعيدة من الازمنة
وبينا وبينهم هذه القرون فى اختلاف البيئات واختلاف الاحوال وخاصة فى الانتقال من البداوة الي الجضيارة المزدهرة ، اننا لا نزال رغم كل هذه الابعاد الزمانية والمكانية نحس بجاذبية ورابطة تضمنا اليهم مثاركبة طبيعية لهم فى العواطف والمشاعر متأثرين بما تأثروا به استجابة للروابط والاواصر التى تجمعنا بهم . لان هذه الاشعار وهذه الظاهرة تنطوى على العاطفة الانسانية حيث ان الشاعر يعبر عن عواطفه الخاصة او عواطف جماعة معينة ، محدودة النطاق محصورة السنة ، ولكنه في رأينا يعبر عن القدر المشترك من العواطف الجماعية للانسانية عامة .
وعلى الرغم من أن الشاعر ينتزع هذه الصورة من محور البينة الصحراوية الا انه يتجاوز كل الفروق لكي يستثير نفوسنا جميعا بصرف النظر عن انتمائنا إلى أية بيئة كانت وانتسابنا إلى أي جماعة كانت وهذه الظاهرة انما هي تعبير عن عواطف الافتراق للشاعر والتباعد بين الاحبة وهي بالتالي مرتبطة بعواطفه الذاتية غير أن اطاره الواسع يحمل في طياته معاني انسانية مشتركة .
ومما لا شك فيه ان الاشعار الطللية وخاصة الشعر الطللي في الجاهلية صدرت عن نفوس رقيقة دقيقة تمتلك رهانة الاحساس وجمال الطبع كما تمتلك ايضا مثل هذه القدرة في حسن البيان وجمال الأداء .
وعلى هذا فنحن حين نقرأ هذه المعاني المنبثقة من الحس المرهف فإننا لا نتمالك الا ان نحلق مع خيال الشاعر في الجو الرفيع ، فتلتقي الانفس في أجواء هذه الخيالات وهكذا فان التفاعل بيننا وبين هؤلاء الشعراء باق . وتمتد الينا مؤثرات عواطفهم ومشاعرهم وانفسالاتهم فنعيش معهم وحم يعيشون معنا . والأمر يعود الى واقعية الشاعر ومدى صدقه الفني ولهذا كان حظها من التأثير فى النفوس حيث يدق أجراس النفوس من خلال رسمه لتلك المواقف التى انفعل بها فنصبح متفاعلين مع صورته المحزنة مشاركة للشاعر ثم تتركنا هذه الصور مع الشاعر فى تجاذب وتدافع
وهكذا نرى الشاعر يحيلنا إلى عالم نشاركه فيه ونواسية به ، ونتآسي ونبكى ونقف فى مواقفه المحزنة . ولهذا كانت هذه الظاهرة الفنية للبيئة البدوية ولكنها اصبحت اهم
الاغراض ومن أهم الظواهر الفنية فى تاريخ الشعر العربي
والدارس للقصاند الطوال المسماة بالمعلقات يجدها مفتتحة بالوقوف على ديار الحبيبات وعلى الدمن والآثار وبكاء الديار . ويندر أن يحيد الشاعر عن هذا المنهج " حقا أن هذا الوقوف والامعان في البكاء لم يكن من السخف والكلفة ، بل كانت هذه الديار صورا رمزية تثير فى نفوس أصحابها أعنف الذكريات وأجملها وأشدها مضاضة وحسرة لمن أقاموا بها وتخلوا عنها ، (١)
وما نلاحظه أن الفراغ لعب دورا أساسيا فى ظهور هذه الظاهرة الفنية فى الشعر العربى حيث نرى ان العرب كانوا ذوى فراغ ، فى أوقاتهم سعة ، وفي أعمالهم دعة ، وهذا الفراغ في هذه البيئة ، كان لا بد أن يملأ بشئ ، حتى لا تمل الحياة ولا يسود الاحساس بالضياع فى هذه الصحراء المترامية الاطراف . ولذلك نرى العربى نتيجة التفاعل بين البيئة والحياة الاجتماعية ، اتخذ اتجاهات عدة لملء هذا الفراغ في الحياة الجاهلية ، ويمكن حصرها فى ثلاثة اتجاهات رئيسية :
١ - الخروج الى الصحراء للرحلة . ٢ - الالتقاء بالاحباب في محافل المسامرة .
٣ - السعي خلف المرأة استجابة للحب .
وبناء عليه فان كل من يتتبع الشعر الجاهلى يطالع بوضوح أن الشعر الجاهلى كان نتاج هذه الدوافع الثلاثة المذكورة وهي نفسها متع الحياة الجاهلية التى كان
البدو ميسون لها ويحرصون عليها وعي الوسائل التى كان الجاهليون يقضون أوقات فراغهم في حياتها ، لكي يحققوا وجودهم أمام هذه البادية .
وقد عد الباحثون هذا الفراغ في الحياة الجاهلية من بواعث الشعر ودوافعه . . ان السر فى شاعريتهم الفراغ من الاعمال التى تعوق عن الكلام والصحراء الساكنة الهادئة التى تملأ القلوب روعة والنفس عاطفة والعقل فكرا وتأملا " ) ٢ (
الحب : يقول استاندل : " منبع الحب الصادق وشعره الاصيل ربوع البدو وخيامهم لان طبيعة الصحراء وعزلة البداوة كانتا السبب هناك في نشأة أسمى العواطف " وقد قال داود الانطاكى : . ان أصل البادية . هم المنفرغون لانهم غير مشغولين بالعوائق ولذا فهم اكثر الناس موتا بالحب " ) ٣ (
ولذلك كان من الطبعي أن ينبت الحب وتمتد جذوره وتنتشر اغصانه على الحياة الجاهلية ، وقد ساعدت عليها فرص اللقاء التى كانت تتاح له فى المراعي فهؤلاء وأولئك من فتية وفتيات يرتادون مواطن الكلأ ويردون مناهل الماء . وعليه فان ظروف الحياة كانت ملائمة للحب ، اذ يبرز الحب لونا مشرقا في الحياة الجاهلية حتى انها اخذت مكانها الاثير فى الشعر العربي فلا تكاد تفتح قصيدة الا وفيها الغزل ومناجاة الاطلال ولهذا نرى انها لم تكن الا نتيجة التفاعل بين البيئة والحياة الجاهلية
وفد فسر الباحثون هذه الظاهرة بأنه . إذا كانت الحبيبة المثير الطبعي لعاطفة الحب فان الاطلال هي المثير المقارن أو الصناعي ويفسر ذلك أن الحبيبة بعيدة عن الشاعر فديارها حلت محلها فى اثاره عاطفة حب لها فحين تثور هذه العاطفة يقبل مقبلا جدرانها فالديار وجدرانها هى المثير الصناعي والذي سوغ ذلك ان الحبيبة كانت تسكن الديار . فوجود هذه اقترن بوجود تلك ومرت على ذلك الايام حتى صارت الحبيبة وديارها وحدة متماسكة الاجزاء فاذا كان جزء قد رحل فان الجزء الآخر قد حل محله ) ٤ (
هكذا نرى ان الاطلال كانت مرتبطة بحياة الشاعر وصفحات حياته وذكرياته وآهاته وان صلة الشاعر بهذه الاطلال لصلة بأحبته تبعا للاحداث التى امتزجت بها فالشعراء يقفون عند هذه الطلول لكي يستثيروا حدة العاطفة بهذا الحديث ويطفئوا لهب الشوق بهذه المتابعة النفسية ولهذا اصبحت هذه الظاهرة الفنية من اهم الاغراض في الشعر العربي . فنراها قد تغلبت على اكثر الشعراء عبر القرون اذ نجد من الشعراء المحدثين من اتخذوا . هذه الظاهرة منفذا للتعبير عن تأثراتهم ومشاعرهم الداخلية العميقة فنرى مثلا عمر أبا ريشة الشاعر المعاصر يقف ويصف بقايا الطلل الذي لا يزال ثابتا رغم عوادى الزمان :
لقد تعبت عنه كف الدما
ر وباتت اذى لمسه
هنا ينفض الوهم اشباحه
وينتحر الموت في بأسه
هكذا نرى من الشعراء القدامى والمحدثين من يقفون على الطلول والرسوم ويستثيرون ذكرياتهم من خلالها

