للا جنينة : زوجة خير الدين فى غرفتها تحيط بها خادماتها يمشطن لها شعرها ويجملنها .
زين البهاء : ( مسرحة لها شعرها ) للا . . . ما أرحب شراع شعرك وما أرقه عندما تغزوه الرياح الولهى فينتشر ويورق على مدى الارض فكأنه رحلة الى الاقاصى او ليل للعاشقين ليس له صبح .
قمر : ( تكحل لها اهدابها ) للا . . . عيناك موضع سر البحار ومودع ذخائره فيهما شدت النوارس هزجا وخفقت اجنحتها حمدا للرب العظيم .
حسن الوجود : ( تلون لها اظافر ساقيها ) للا . . . ما احقر البحر وهو ينهزم على صرح قوامك فكأنه العبد وكأنك السيد .
قمر : للا . . . ما اروع النهار عندما يستشف نوره من مصابيح وجهك فيغمر هذا البيت بهجة ونعمة .
زين البهاء : للا . . . ما أجملك ، ما أجملك ما أجملك وما ابشع هذا العالم وما اخسه يموت فيه الضعيف والفقير والكادح غلبا وجورا .
حسن الوجود : للا . . . ما أرحب صدرك . . . وما أضيق هذا العالم ، يكبو فيه الفرس الفحل فى أوج فحولته ويقدم طعاما للأسياد - الكواسر فى حلبه الدم .
قمر : للا . . . . ما أصفى سريرتك وما أرهب اليوم الذي يثور فيه المستضعف فتنتشر النار خيرا وبركة وتتمخض ارحامها عن بعث جديد.
للا جنينة: إنى حزينة ... حزن البحر وعمقه. إنى أشعر وكأن كل شئ يرمقنى ويعرينى كل شئ ... هذا الكرسى ... هذه الستائر، هذه الطاولة (يرتعش صوتها) هذه المرآة .. (تنظر فى مرآتها) ولا مهرب لى من نفسى الا نفسى فحزنى وشفقتى على هذه الايالة يزيدان اللهب الذى فى صدرى استعارا.
ما عساى ان افعل ... ما عساى ان اقول ... انى ضعيفة ... لكننى لست عاجزة ... (تتحرك فوق الركح) لست عاجزة ... لست عاجزة آه لو تهب الرياح عاصفة مزمجرة على هذه الايالة المتآكلة المتناحرة فتحرك ما خمد فى النفوس من توق ... آه ... لو يزمجر البحر ويفيض عن حوضه ويبتلع هذه النفوس الخبيثة الساعية فى الدنيا سعى الدابة الاكول ... آه لو ينتشر ملحه فيمحو الوجوه المقنعة ويكمد جراح هذه البلاد الخارجة من عواصف الماضى كسيرة الطرف مهيضة الجناح ... آه لو كان لى صوت لصرخت ...
زين البهاء: كلنا توق الى ذلك اليوم العظيم الذي تتحرر فيه الرياح من عقالها وينعتق فيه الجواد الفحل من مربضه ويرتفع فيه عاليا وضاحا صوت البحر ... وتعلو الهمة فى نفوس الناس.
حسن الوجود: لك للا ... فى سيدنا خير الدين خير ناطق بهذا الصوت وخير مؤمن به.
للا جنينة: ان خوفى عليه لشديد ... انه يركض فرسه وسط عواصف عاتية هى أقوى من ان يهزمها ... إنى عليمة برغبته الجامحة فى الانصاف والابداع والتغيير لكنى موقنة بانه يسعى الى نهايته على قدميه وهو عليم بذلك ... أنى له ان يستأصل الداء وهو كامن فى اصل الشجرة ... وكل المأساة ان يعلم الانسان بموضع الداء ويروم استئصاله فلا يستطيع.
قمر: أعينيه ... افتحى له بصيرته ... شدى ازره.
للا جنينة: انه اعلم من ان اعلمه ... ومأساته انه عالم ... منذ ان زففت اليه وانا اتقدم فى طريق ملتوية صعبة ليس لها آخر ... لا ادرى ايهما أحق ولاء ووفاء: أبى مصطفى خزندار أم زوجي خير الدين؟ آبقى على ولائى
لأبى الذى انا من صلبه وهو الذى جار على الناس فاستعوذوا منه وشاعت وظالمه فى انحاء البلاد أم أعرض عنه وأشد أزر زوجى فى مكافحته لصنيع أبى؟ أأغمض عينى امام مشاهد الظلم أم أقف الى جانب الحق.؟
زين البهاء: الحق يعلو ولا يعلى عليه ...
للا جنينة: هذا كلام ... اما الواقع فشئ آخر، وان معرفتى بهذه الحقيقة تؤلمنى شديد الايلام.
الايام تتالى متشابهة بيضاء فاقعة واشعر بغربتى فيها وبفراغى .. لم تأت بعد العاصفة التى ستدك الصمت وتجمع الشتات ... إنى انتظرها منذ احقاب ... منذ قرون كما انتظر ميلاد طفل من ارحامي الساخنة .. انها آتية لا محالة ... فدويها يتناهى الى سمعى من بعيد ... واشعر بها فى نبضى تلم شتات انفاسها وتمتطى صهوة جوادها البرق ... انها آتية ... (يظهر خير الدين على يسار الركح، يقف ينظر الى زوجته).
قمر: للا ... سيدى خير الدين جاء.
للا جنينة: (وكانها أفاقت من اغماءة) ليست هى ...
(يظهر خزندار على يمين الركح يقف وينظر الى ابنته).
قمر: للا ... سيدى مصطفى جاء.
(لا تتحرك جنينة من مكانها) لحظة صمت.
(تنسحب حسن الوجود وزين البهاء تتجه قمر الى خلف الركح من حيث تتابع الموقف. خير الدين يتحرك فوق الركح دون ان ينظر الى مصطفى خزندار او يخاطبه مباشرة).
خير الدين: علمت ان مبعوثا خاصا الى الساحل يدعى الجنرال احمد زروق ارتكب من الشنائع ما ثور علينا حفائظ الناس وذكى النقمة فى نفوسهم.
مصطفى خزندار: (بعصبية) لست من الحظوة والمكانة ما يؤهلك لمحاسبتى.
خير الدين: (فورا) لى قدر من الضمير يدفعنى الى اعتبار اعمالك فسادا فى الحكم وضعفا فى التدبير وخشونة فى التسيير.
خزندار: (حانقا) كيف تجرؤ ... انا رئيسك ...
خير الدين: (فورا) لست مرؤوس احد ولا انت رئيس احد ... انما يخيل اليك ... لست الا بيدقا تافها تحركه اصابع رجل مريض فى جولة شطرنج خاسرة.
خزندار: لو لم تكن زوجا لابنتى لـــ ... (يضع يده على مقبض سيفه).
خير الدين: (بصرامة) اعلم اذن انه لا يوجد اى شئ يمنعنى من معارضتك أى شئ ... مهما كانت قيمته .. سأكافحك حتى النهاية .. ساقطع عليك السبل .. سأضيق عليك الخناق ... سأعلم من لم يعلم بأنك ورطت البلاد فى اتفاقات مع بلدان لا تنوى الا ابتلاعنا وإلحاقنا بها ... سأطلعهم على فحوى صفقاتك مع القراصة والتجار الاجانب التى تقدمها على انها تخدم المصلحة العامة وما هى فى الحقيقة الا طعنة فى ظهر الايالة ... وخيانة للمسؤولية وتجاوز للسلطة وتعلق جشع بالثروة وسعى اليها.
سأقول للذى لم يسمع ولا يسمع انك انت مصطفى خزندار الوزير الاول الذى نصحت الباى بارسال الجنرال احمد زروق الى الساحل حيث ارتكب أكبر مجزرة فى تاريخ هذا الحكم .. سأقول لهم كل شئ .. كل شئ لا تشك فى ذلك ...
خزندار: هذه اللعبة التى تستنكرها هى لعبة الجميع.
خير الدين: انى ارفضها من الاساس ..
خزندار: ستمحقك اذن ...
خير الدين: سنرى .. انها حرب بيننا .. قد اربحها وقد اخسرها لكنى سأخوضها، سأخوضها.
(ينطفئ الضوء على خزندار وخير الدين تبقى جنينة بمفردها وسط الركح. تهرع اليها قمر).
قمر: للا .. للا .. افعل شيئا ما .. انى اشتم رائحة الدم.
للا جنينة: هو كالعادة الثمن الرهيب للحكم والنفوذ والسلطة فى هذه الايالة ...
ما عساى ان افعل انا المرأة الضعيفة المستضعفة الجلابة للمتعة والانس والطرب ... ما عساى ان افعل سوى ان ارى وان اسمع واصمت واصمت واصمت ...
الطور الثانى عشر
(خير الدين واقفا وسط الركح فى حالة تداع وقد اسدل عليه ثوب ابيض يستمع الى صداه وكانه يستمع الى صوت القدر).
الصدى: لقد استفحل الامر يا خير الدين وانقلب السيف على حامله فالاهالى ممعنون فى حرق زياتينهم للامتناع عن دفع ((المجبى)) واعوان الباى يعيثون فى البلاد فسادا ونهبا وبلادك أصبحت لحمة سائغة يتناهشها الطليان والفرنسيس والانجليز وعلاقة الاهالى بالدولة بقيت علاقة مرتد ومقتص وهى اسوأ منازل الحكم.
خير الدين: لقد بنيت مدرسة علمية كبرى سخرت لها الاموال وجهد الرجال وجعلتها نافذة مفتوحة على مستحدثات العلوم والمعرفة فى بلدان اوروبا واصلحت مجالس القضاء وأزحت عن الوزارة الكبرى الرجل الذى كاد ان يدفع بالبلاد الى الهاوية وأحكمت نظام الامن انظروا الى هذه الشوارع وقد عاد اليها الامن والى هذه النفوس وقد اطمأنت وانقشع عنها الحزن والى هذا الجيش وقد عمه النظام وانقطعت همته للذود عن البلاد.
الصدى: إنك تتوهم .. إنك تحلم فانت اضعف من ان تغير شيئا يدين له الناس. السلطة فى يد الباى والتجارة فى حوزة اليهود والصناعة بين ايدى الغرب ماذا بقى لك انت ...؟ الكلام ...؟
خير الدين: (مدافعا) ... لقد مكنت الناس من العلم.
الصدى: لكن الافواه ملجومة والجهل ما زال متفشيا فى البلاد.
خير الدين: واصلحت مجالس القضاء.
الصدى: لكن الجور ما زال مستفحلا ..
خير الدين: وضربت على ايدى المستغلين.
الصدى: لكن بقى الثراء ثراء والفاقة فاقة.
خير الدين: ونظمت الجيش.
الصدى: لكن مخالب الغرب منغرسة فى البلاد.
خير الدين: وناديت باقامة مجالس الشورى والاعلان عن الدستور.
الصدى: قلت ذلك ولم تفعل.
خير الدين: لا .. لا .. انى آمنت بان الحكم فى هذه الممالك تعوزه الفضيلة وان الفكر يعوزه الحوار وان العدالة والحرية شرطان لقيام أمة وان فتح أبوابنا على الغرب هو خلاصنا من العزلة والصمت.
صدى آخر: لا تستمعوا الى هذا الرجل ان البحر الذى يدعوكم الى عبوره لا مرفأ له انى أراه يتلوى ويتماوج كجسد أنثى آبقة هى روح الشيطان الذى منه كانت الخطيئة. ويل للذين عبروا فسكنتهم الحيرة والقت بهم فى طرق الضلال والتيه. عودوا الى هذه البقاع المطمئنة وامشوا على ارضها الصلبة وتناسلوا وتكاثروا وكونوا قوما من المخلصين.
صوت 1: إنه عميل للفرنسيس.
صوت 2: متعطش الى السلطة.
صوت 3: متكالب على الحكم.
صوت 4: خائن.
صوت 5: قارض كلام.
صوت 6: قوقازى دخيل.
صوت 7: كافر بالله.
صوت 8: متحد للشرع مارق عن الدين.
صوت 9: ينزع الى البطش فى الحكم والتسلط فى السلوك والاستبداد فى الرأى.
خير الدين: لا .. لا .. لا .. أنا انسان يؤمن بأن العجز ليس قدرا وان الثورة ممكنة إنى أحلم بمدينة يكون العدل قوام حكمها والحرية جوهر فكرها والفضيلة شيمة اهلها. لكنى اشعر بان هناك شيئا ساحقا يعوقنى عن الفعل وان عنصرا غائبا يشل قوتى.
الاصوات باجمعها: انك منعزل ستموت بردا فى قمتك الشامخة حيث نفيت نفسك. انك رجل ميت ..
خير الدين: (جازعا) ميت ...؟ ميت؟
الاصوات باجمعها: لانك جعلت من نفسك بطلا (ينهار خير الدين ويسقط على ركبتيه ينادى بصوت منهك).
خير الدين: قمر .. قمر .. اين انت يا قمر .. (تدخل قمر تأخذه بين احضانها يدفن رأسه فى صدرها جسده يرتعد وكانه محموم) خذينى بين بديك ضمينى بشدة .. بشدة انى اشعر بالبرد .. ببرود حاد يتسرب الى صدرى ويتمدد فيه كالصحراء.
قمر: كن شجاعا يا خير الدين .. انت رجل مسؤول.
خير الدين: انى رجل انتهى.
قمر: لا تقل هذا يا عزيزى ... قمت بواجبك واعطيت لهذه الاياله الامل.
خير الدين: لم أعطها شيئا سوى الوهم .. الوهم .. لنرحل يا قمر لنرحل فى اول باخرة.
قمر: الى أين ..؟
خير الدين: حيث يكون البحر ماجنا والهواء طلقا والجبال شامخة والجياد جامحة ... خذينى بين يديك .. انى احن الى سماء القوقاز الرحبه والى ملاقاة اترابى الذين ركبت معهم الخيل على سفح الجبل. كان أبى يقول لى: ((لا تبتعد عن المزرعة هناك أناس اشرار يختطفون الاطفال)) وكنت أجيبه: لا يمكن أن يختطفونى فأنا نابت مع الاشجار فى تربة القوقاز وجذورى ممتدة فيها)) وامتطى فرسى الاشهب الفحل وامر على المزارع حيث تكون ((مرجانة)) حبيبتى بصدد جنى الازهار مع أمها فتختلس نفسها وتجرى تحت الاوراق العالية وتصعد ورائى فوق الفرس وننطلق ونضحك ونشرب قطرات الماء المتلألئة كالدمعات على وجنات الاوراق واقطف لها حبات التوت المتدلية واصنع لها تاجا من الاوراق واسرق منها قبلة فتمسك بيدى وتقول إلى ... ((اذا كنت تريدنى زوجة فاصعد الجبل واقطف لى تلك التفاحه المتدلية من اعلى تلك الشجرة)) ... وكانت الشجرة فى اعلى الجبل فهمزت فرسى وركضت وفجأة احساسست بحبل يلف جسمى ويجذبنى الى الخلف فاسقط وأتدحرج على العشب وأرى فارسا يركض نحوى ويجذبنى فوق فرسه ويكمم
فمى ويركض ويبتعد بى وأسمع ((مرجانة)) تنادينى وأراها تجرى خلف الفرس مادة ذراعيها نحوى ثم تبتعد وتصبح طيفا وتغيب وتغيب ويغيب (يمد خير الدين ذراعيه وكأنه يريد أن يمسك بالطيف يصمت برهة ثم ينتبه ويلتفت يمنة ويسرة وكأنه يريد التعرف على ما حوله) لماذا انا هنا ..؟ ماذا أفعل هنا ...؟ (مخاطبا قمر) من أنت؟ (يتحسس جسده) ما هذه الالبسة ما هذا الانهيار وما هذا الليل؟؟ (يرتد الى الخلف هاربا) هذا ليس قدرى ... ليس قدرى ليس قدرى ... تلحق به قمر وتمسك به تأخد رأسه بين يديها).
خير الدين: إن ذاكرتى تؤلمنى .. إنها كالهوة السحيقة وأنا ساقط فى ظلمتها كالجواد الكابى (تضع راحتيها على صدغيه).
قمر: لا تجزع يا حبيبى .. لا تجزع، أغمض عينيك وافتحهما ستجدنى أمامك مرفأ تهجع اليه بعد طول سفرك ولوحا ينجيك من الغرق بعد تمزق شراعك. كن بحارا لا تثنيه العواصف ولا تهزمه الرياح كن قادرا على امتطاء البحر من جديد ... لنبحر .. لنبحر يا خير الدين وسأكون لك السفينة التى تحملك والفراش الذى يحتضنك والمرفأ الذى به تستريح.
(يغمض خير الدين عينيه ويستسلم لقمر) سنرحل غدا عند انبجاس الطلائع الاولى للفجر الى اسطنبول حيث نبنى منزلا صغيرا على ضفاف البوسفور نربى فيه الازهار النادرة وننشئ فيه أطفالنا فى مأمن من نداء البحر .. وسأضع لك كرسيا فى شرفة المنزل تجلس عليه وتتأمل إمتداد الماء وهو ينساب باردا عميقا فيمسح براحته الندية على ذاكرتك (تمرر أصابعها على رأسه) ويحمل اليك هسهسة الغاب البعيد فتغمض جفنيك وتنام وتحلم وتحلم وتحلم ..
(عندما تنتهي قمر من الكلام يكون خير الدين قد انحل بين ذراعيها وتراخت أعضاؤه ونام ..).

