العبقرية، هل هى هبة أم اكتساب ؟

Share

الخصائص النفسية الأصيلة شيء آخر غير الخصائص المكتسبة . والفرق بينهما - مبدئيا - كالفرق بين من يعمل الشئ بوحي الشعور الطبيعي ، ومن يعمله بدافع الانسياق المشترك .

فقد يذهب الجبان إلى ساحة القتال - بدافع العاطفة المشتركة - وهو أكثر تحمسا من الشجاع المقدام ؛ فلا تستطيع إلا أن تعده فى قائمة الابطال المستميتين ؛ ولكنها لحظتان أو ثلاث ، فاذا كل شئ قد تغير ؛ واذا هو في أول الهاربين كما كان فى أول المهاجمين .

والآن وفى ضوء هذا فلنسال ؛ هل العبقرية هبة أم اكتساب ؟ وبتعبير آخر ؟ هل خصائص العبقرى خصائص طبيعية أم اكتسابية ؟ .

من أوضح ما في العبقرى استقلاله الذاتى أو شذوذه الذى يتمثل فى خروجه عن القواعد المألوفة ، والمعايير المصطلحة ؛ وانك لا تجد عبقريا يخضع لعوامل الارادة الأجنبية ، أو يقيد نفسه باغلال القواعد المرسومة ؛ دون أن تكون له فيها نزعة مستقلة توحي بها فطرته الخاصة ، وطبيعته الذاتية .

وهذا الاستقلال الذى نسميه شذوذا ؛ هو السمة الظاهرة فى العبقريين فى كل زمان ومكان . ومن هذا يمكننا أن نفهم أن العبقرى ليس نسخة آدمية مألوفة ولكنه صورة مستقلة تستطيع أن تفهمها من بين مئات الصور والاشكال .

وهذا يدل بوضوح على أن خصائص العبقرى من الاشياء التى تولد معه ثم تتفتح متى آن لها ذلك . ولو أن تلك الخصائص من الامور التى تكتسب بالدرس والتحصيل ، لما كان ثم هذا الفارق العظيم بينه وبين مئات الآدميين امثاله .

أضف إلى هذا أن العبقري يعيش فى داخل نفسه بعيدا عن هذا العالم الذي مرتع فيه ألوف الناس ، هو يعيش داخل نفسه لأنه يجد في انفساحها عالمه المحبوب الذى يهيء له نماذج تأملاته ، يجلوها صورا تفيض بالروعة وتنبض بالحياة .

فحياة العبقريين حياة فذة ، لأنها تقوم على شاطئ النفس بعيدا عن صخب الحياة المألوفة التى لا لذة فيها ولا شعور .

على شاطئ النفس يخلو إلى حياته لبتكر ويبدع غير متقيد بمراسم معلومة أو حدود مرسومة وعلى شاطيء ذلك البحر المسجور يستريح إلى دنياه ؛ بينما عرائس البحر يتواثبن تحت قدميه على المروج الخضراء يلعبن بالحصى والرمل . هنالك المتعة الفنية ؛ وهنالك الاستغراق والتأمل .

ولربما اعترض على ما سبق آنفا ، بأن من العبقريين من لا تظهر فيهم دلائل العبقرية إلا بعد تقدم ملحوظ فى السن ! . والجواب على هذا أن العبقرية تعتمد فى أغلب الاحيان على المهيئات والاسباب ؛ فحينما اكتملت تلك المهيئات ؛ آن للعبقرية أن تتفتح بين أحضانها كما تتفتح الوردة فى أحضان نسيم السحر .

ولو تهيأت الاسباب لجميع عباقرة العالم لتبدل شئ كثير فى التاريخ ، ولتقدمت المدنية الى الامام اشواطا بعيدة . فكما تتأخر العبقرية إلى ما بعد فسحة من العمر بذلك قد تموت العبقرية احيانا حين لا تنتها لها الاسباب ومن يدرينا ان العالم قد خسر كثيرا من العبقرية بانعدام المهيئات التى تنضج فيهم تلك الموهبة لاستثمارها لخير الانسانية جمعاء ويحضرني الآن فصل مختصر فى هذا الموضوع -

ترجمته مجلة الهلال - يقرر فيه كاتبه انه كثيرا ما يكون الاباء سببا فى قتل هذه الموهبة فى ابنائهم بالوقوف دون رغباتهم وأمنياتهم . فان فى تمهيد السببين امام رغبة الاطفال على العموم نفعا كبيرا للعبقرية التى قد تكمن في افراد منهم ، يكون على ايديهم سعادة المستقبل باسره .

ولا يفوتنا ونحن نقرر هذا الرأى فى العبقرية ان نفرق بينها وبين النبوغ فالعبقرى يعيش داخل نفسه - كما قدمنا - وليس كذلك النابغة ، فما هو الا نسخة مألوفة لا ميزة لها الا البراعة والتفوق والقرب من الكمال المنشود

فان كان ثم ما يكتسب بالدرس والتحصيل فهو النبوغ . اما العبقرية فموهبة لا سبيل الى دركها بالتحصيل ، ولكن الى صقلها بعد ثبوت وجودها الطبيعي المكين          مكة

اشترك في نشرتنا البريدية