العمالقة الاقزام

Share

كتب الى الاستاذ صاحب " المنهل " يطلب كتابة مقال هذا موضوعه لعدد مجلته الممتاز الذي اعتزم اصداره ، وقد فكرت طويلا في الاسباب التى دعته الى هذا الاختيار العجيب - اختيار الموضوع واختيار كاتبه فلم يوفقني الله الى معرفتها .

والموضوع ليس عجيبا من الناحية الموضوعية ولا من الناحية الشكلية كما يقول القانونيون ، ولكنه عجيب من ناحية واحدة فقط ، هي ان يمارسه الكتاب في بلادنا اي لم تألف بعد هذا النمط من الدراسة والتحليل والنفاذ الى اعماق النفس الانسانية ودروبها ومنعرجاتها بمصباح كشاف لا يحتمي منه شئ بالظلام ولا بالحجب .

والنفاق الاجتماعي سجية في كل الشعوب ولكن اثره البغيض يخف بالتدريج في الشعوب التى ترتفع فيها نسبة التعليم ، لان المتعلم يحترم نفسه " غالبا " فما يقدم على عمل من اعمال الضعة والصغار الافي اقسى حالات الاضطرار والوسط المتعلم الذي يضطرب فيه يمكن لخلة الاباء في نفسه فينشأ قويا رشيدا معتدا بنفسه أنوفا ان يمرغها فى حمأة الهوادة .

ومن أجل ذلك كان التعليم من أقوى الاسباب في ارتفاع المستوى الخلقي بين الامم وان لم يكن هو السبب الوحيد .

والجهل يزيد الطباع الموكوسة وكسا ، ويفسدها حتى ماتطاق وحتى يضيق الناس بها ذرعا فينبذونها نبذ النواة . ولكنها تظل هي ما تتغير وما تستحيل الى شئ صالح لان ذلك ليس في مكنتها . والأنكى من كل ذلك انها ترى نفسها شيئا ذا قيمة ومكانة ونفع ، غفل عنه الناس وانكروه محسدا منهم وغباوة ، فما يزيدها الاغفال والانكار الا لؤما وذحولا وصفاقة وتماديا .

والعمالقة الاقزام موجودون في كل أمة . وانما تتفاضل الامم قلة وكثرة منهم بمقدار حظها من التعليم والمتانة الخلقية . فحينما وجدت هذا الصنف المقيت من الناس منتشرا بكثرة كاثرة بين طبقات أمة ما فاعلم ان تلك الامة فقيرة الى العلم والى الخلق القويم الذي يوجه الطباع ويقومها وحيثما لاحظت قلته فانك ستلاحظ الى جانب ذلك ثقافة منبئة وتوجبها خلقيا عاما . إلا انك لن تعدمه ولن تفتقده فلا تجده في أي من الامم شئت ؛ لانه ليس وليد الجهالة فحسب ، ولكنه وليد الجهالة والطبع المعكوس والوراثة المتحدرة والبيئة السيئة مجتمعين . ولن تبرأ امة من الامم مهما كان حظها من الثقافة والخلق من افراد يحملون عناصر هذا الطبع الذميم ، لان تلك البراءة كمال اجتماعي وفردي لم يتأت للانسانية في عصر من عصورها ولن يتأتى لها فيما يأتى من العصور ،

وما اشبه العملاق القزم بقصير قئ يمط جسمه مطاع عنيفا ليظهر بمظهر البسطة والطول فلا يظفر الا بإضحاك الناس وهزئهم وازدرائهم ثم مايزال هو القزم الذي لن يطول لان طبيعته لا يوابتها الطول مهما جهدت .

والدنيا معرض هائل عجيب ، واقبح معروضاته هؤلاء المخاليق الامساخ الذين نضبت نفوسهم من الحياء فهم يتعالمون على جهل ، ويتزعمون على غباوة : ويتطاولون على قصر ، ويتجملون على قبح ، ويتخففون على ثقل ويمنون على ضح . هؤلاء المخاليق ارباب جهل مركب لانهم يحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا . وان يظهروا بمظهر اكبر من حقائقهم . وان يظفروا من الناس بما لم يستحقوا من اطراء وتقدير ، وافضل منهم بكثير اولئك الذين عرفوا انفوسهم على حقيقتها فلم يتجاوزوا بها مكانها الذي هيأه لها الله فراحوا واستراحو ، ورحم الله امرءا عرف قدره .

اشترك في نشرتنا البريدية