الجواب الذي لا جواب سواه . . ان العمل الحر خير من العمل المقيد .
وصفة الخير هنا ، لا تعني كل عمل حر ، خير من كل عمل مقيد ، او ان العكس صحيح ، فالاطلاق - إذن - ليس على عمومه ، ذاك أن الاعمال المقيدة بالنسبة الى بعض الآدميين خير وألف خير من الاعمال الحرة .
وهذا كلام قد يحتاج الى شرح : وشرحه أن نفهم اولا معنى العمل الحر ثم معنى العمل المقيد ، وطبيعة كل بالنسبة الى وضعنا الاجتماعى . . واستعدادنا الفطري والثقافي .
وما أريد بهذا أن ادخل بالقارئ فى متاهات من التعاريف ، وبيداء من الهرج ، فأن هذا مالم يعد محتملا فى ذهن القارئ العصري الحديث ، ولكنى سأضع بين يديه صورة سريعة لمفهوم العمل الحر ، والعمل المقيد ، فى منطق تفكيرنا المحلى ...
الناس فى بلادنا يفهمون من العمل الحر أنه العمل التجارى ، ويحدون العمل المقيد بالاعمال الوظيفية - أو الوظفية ان اردت الصحة - وقد تسرب اليهم هذا الفهم ، من فهم صحيح لمدلول الحريات الذاتية ، والقيود الحيوية ، التى تتحقق أولاهما مع الاعمال التجارية ، وتفرض ثانيتهما مع الأعمال الوظيفية ، فى خارج بلادنا ، فنقلوهما عن تقليد لا يكاد يتفق وواقع العمل التجارى او الوظيفى فى بلادنا . ذلك ان الوضع عندنا يكاد يقصر الحرية الشخصية - التى يشعر معها الانسان بإنسانيته وانه يعيش لنفسه - فى العمل الوظيفي فحسب .
أما التاجر فأنه يعيش في دوامة أبدية ، تدور معها حياته كل يوم مع الصباح الباكر ، وتنتهي - أو لا تنتهي - الا في وقت متأخر من الليل . بعد ان يفقد مساعدوه نشاطهم وحيويتهم ، وتكل يده عن الكتابة ، ويعشى بصره عن القراءة ، بل لعلها تدخل معه كلته لتسهده وتقلقله . وقد يطبق أجفانه على أرقام حسابية تجعل من أحلامه جسرا يصل به ما انقطع حتى صباح آخر وهكذا دواليك أو دواليه ، فى كل يوم وليلة .
والموظف في بلادنا هو انسان الحياة الذي تجده فى المجتمعات العامة ، يشارك فى الوائها بنصيب طاقته الحيوية ، ويأخذ من صنوفها بمقدار احتمالاته المادية .
ولست بهذا الذي اقوله متجنيا على التجار ، وليس كلهم كذلك . . ولكنها السمة الغالبة على حياة اكثرهم ! والقاعدة التى لابد لها من شذوذ تثبت به القاعدة وتؤكد ، واستعرض - انت - من تعرف منهم ، ثم ابحث عنهم فى امسيات النهار ، فلن نجدهم الا مكبين على تصفية اعمالهم الحسابية - ليومهم المنصرم فى دورهم أو مكاتبهم التجارية .
فأين الحرية الذاتية ، والحياة الشخصية في الاعمال التجارية تسير على هذا الطراز ؟ الذي يفقد فيها الانسان حياته ، كانسان حى مفروض في حياته أن تكون تطورية ، مستغرقة فى الرفاهية والعيش الرغيد ، فى حساب نفسه - المحسنة المدركة - وفي حساب أهله و ولده ، وبلاده . . لا ان تكون مشدودة الى أرقام وصناديق ، وكل عمله بالنسبة اليها - فى حياته الفارغة - الحراسة ، ثم الاهمال المطلق لكل ما عدا هذه الحراسة فى حياة أهله وولده ونفسه
ولعل هذا بعض اسباب ظاهرة التفاهة فى احاديث اثريائنا ، وظاهرة سوء التربية وفقدان التعليم فى ابنائهم . . وهذا موضوع اخر للمنهل في أعداده القادمة ان شاء الله .
وبعد فهل يعنى ماقلته ، ان العمل الوظيفى خير من العمل الحر ؟ ارانى ارجح أن أحدهما ليس خيرا من الآخر . . بل الارجح أنها حالات خاصة ، يتباين الحكم على كل شخص فيها ، حسب تشخيص ملكاته ، ومواهبه ، واستعداداته .
فكثيرون هم الذين آثروا الوظيفة على التجارة - بعد ممارسة وطول تجارب لأن طبيعتهم الاستعدادية لم تجد دوافعها الطبيعية في التجارة ، وأخشى ان اذكر اسماء من اعرف ، فيظنون بي ظن التشهير والسوء .
وكثيرون هم الذين آثروا التجارة على الوظيفة ، رغم نجاحهم في حياتهم الوظيفية ؛ أعرف منهم الأصدقاء حسين جستنية ، وعبد العزيز جميل ، واحمد سندى ، وبكرى عبد الجبار ، ومحمد على مغربي ، واخرين يضيق عنهم الحصر .
وليست الدعاية لأحدهما بأولي من الدعاية للآخر . . فما تزال حياتنا الادارية في حاجة قصوى الى كفاءات ، واختصاصات ، وما تزال الاعمال الوظيفية تتطلب مئات الشباب الملئى .
والحاجة الى هؤلاء في حياتنا الاقتصادية ، أقرب ما يكون تمثيلا الى حاجة الجائع الى الطعام ، وحاجتنا اليهم في شتى حيواتنا . . تكاد تفتح عيني على فراغ مخيف في شتى حيواتنا .
فمن الخير لحياتنا ، أن نحمل الشباب على التعرف لميولهم واستعداداتهم ، ثم تأخذ بهم الى دراسات منظمة ، واعمال رتيبة ، تفتح امامهم السبيل الى ما يريدون . .
علينا ان نبذر في نفوسهم حب الحياة وهذا خليق بان يدفعهم الى ألوان وانماط من وسائل نيلها كما هو خليق بأن يحيى موات غرانزهم الحية المندفقة التى إن صحت فى نفوسهم فلن يستطيعوا معها الوقوف ..
إنهم اذ ذاك يصنعون لبلادهم حياة جديرة ان نحياها مع ركب الامم السائر لن نجد يومها وقتا نفاضل فيه بين العمل الحر والعمل المقيد وسيقول ايماننا ما قاله سيد البشر صلى الله عليه وسلم : " كل ميسر لما خلق له " .

