القصص, الرأس المقطوع

Share

لا تحسبني مجنونا أهذى ، فلو استقبلت من الحوادث ما استدبرت ، لكنت حريا أن تفعل مافعلت .

لا تشمت - أخي - ولا تهزأ ، ولاتوش الابتسام بالأدب المصطنع ، فان عندي لحاسة أعرف بها الهزء والسخر ، مهما حاولت أن تضفى عليهما من ملامح الوقار والأدب ...

أو اسخر واهزل ، وافتح فاك كالقبر ، ضاحكا منى ومن سواى ، فأنا عاذرك من هذا وذاك وتبدأ الحكاية وما أدرى أحكاية هي ، أم قصة ، ام شئ سواهما ؟ فما هذا بالذى يهمنى أو يهم من عدانا .

أجل . انها لتبدأ مذ هبطت البلدة يوم جمعة ، فقد ابتعت ثمار بستان فى " العوالى " وكان البستان لا يضم سواي واجير يعاونني ، وكناقد استبقينا الأهل بالمدينة ، فما كان بالبستان . الا كوخ أوعريش تبيت تحته الحمير وتقيل ونبيت على سطحه أنا والاجير ، فما كان على أسرتي الا أن ترضي بالمقدور ، وان تكل أمرها الى الله ! وان تتخلف بالمدينة فنحرم قربها والانس بها ...

صفحا أخي فقد استطردت بي الحوادث أو استطردت آنابها وحدنا عن صلب الحكاية ...

حسنا . . ما كنت أقول ؟ ٠٠٠ لحاها الله من ذاكرة خوانة أجل . . . . أجل . . وفجأة أبصرته يتدحرج . . . الرأس المقطوع - كما قلت - أواه . . أشبحك العذر . . إن العتب - كما يقولون . . على الذاكرة وإنها وربك الناسية . .

ثم ... وكان هذا الرأس لرجل قتل آخر ، فحكم عليه - قصاصا بالقتل . . حسنا . . . وما علاقتى بهذا الامر ؟

لقد ذهبت فى فضول الذاهبين لأرى . . كيف يجذ الرأس ؟

وما كاد السيف الصادي يلمس بلسانه دم الرجل . . . حتى أقبل على الرأس . . . متدحرجا . . . ولم تبق لى المفاجأة مجالا للفرار . . فصمدت - فى موضعى كالرجل المسلسل فى حومة القتال تضفي عليه أوصاف الشجاعة والأيد وهي ليست منه فى شئ أو هو ليس منها فى اشياء . .

ولما توقف الرأس ، كانت عيناه فى عيني ، ولحيته معفرة بالدم والطين ، ولن أصدق - ولو حملت أغلظ الايمان - أنك حقا أدركت شعوري واحساسي فلقد قفزت في موضعي في خفة الجمل ، وأرسلتها صحة مدوية ، فانتظمت الضحكات فى رتابة الموسيقى ، وذبت بين بردى - إذا كانت لي ابراد - خجلا وحياء ويممت سمت الدار ، لا التفت يمنة ولا يسرة . .

وقضيت النهار فى الدار مخفيا عن أهلى حادث الظهر ، وتناولت معهم العشاء ، وقبلت ابنتى مودعا واعتزمت العودة الى البستان وقد امسيت ولله الحمد خلي البال قرير النفس ، ساكن الصدر ، ونفذت من باب " العوالى " واحتوتني الظلمة ، وكانت - وقتئذ معتكرة . . وصدقني إنني لست بالذي ترتعد أوصاله ، ومفاصله ، إذا ما جنه الليل وهو فريد فى خلاء . . وصدقنى انني يشار الى بالبنان وبغيره اذا ما ذكر الشجعان والاشاوس الأبطال . . . فمن العيب أن يلون الانسان مفاخره . . وأن يبدئ ويعيد فيها . . إذا ما أطل الشك مثلا من عينيك . . . ولا تبعد كثيرا فقد مررت بهذا الطريق - ليلا - عشرات المرات ، ولم يطرف الى خلالها جفن ، فبم تعيل هذا ... ؟

أجل . . . لقد كان شعورى والظلمة حولى كمن نزل البحر مستحما أول مرة ، فى حياته وعلمه بالسباحة لا يجاوز علمي أو علمك .

حسنا ، لنعد الى ظلامنا الذي احتوانا ، ولا أدري لم اسرعت قدماى ، وتصلبت أطرافي شأن من يتحفز لأمر ما . . ولا أدري ولم كانت الخرائب تحتج أفواها كالسعالي والغيلان ، ولست أدري لم كانت كل قصفة من جريد

النخل ، طبولا تقرعها عتاة العفاربت ، وكل نسمة من هواء ، ضحكات وهمسات أفراحت دمائي ، تتدفق إلى دمائي ، وكنت كسائمة فى غابة أقبل عليها وحش كاسر منتضيا أنيابه فركزت دفاعها فى قرنيها لتحمى البيضة والذمار وكنت قد سمعت أن الجن يفزعها الجديد ، فسللت الخنجر من غمده - وكنت أحمله أبدا معي - وأطبقت يدى على مقبضه حتى خشيت ان يتهشم فى كفى وتهيأت للقراع والطعان ، اذا ما حزب الخطب وادلهم .

وثقل خطوى ، وصار مشيي مهلا وئدا ، وبدأت التفت حدا - يميني وشمالى ، وكأن العفاريت على تتآمر ، ويلتئم شملها ويتفرق ، وكأنهم يريدون أن يكون جومهم مع الرياح الأربع . . وداخلني هلع وفزع ، واقبلت الدماء تمد القدمين ، فقد آن آوان الهرب والفرار ، وهممت بهما ، لولا انني رأيت على بعد ذراع مني عينين تألقان فى حندس الليل الحالك ، وتشعان بريقا ازرق مرعبا ، فشلت قدماى لحظات تبنيت فيها لحية مخضبة بالدم والطين فعض الرعب قلبي . ويلاه ...

انه الرأس المقطوع . . . لا ريب فى ذلك ولاشك ؛ وهجمت عليه - من دون شعورى - بخنجرى ، وأهويته بين عينيه المشعتين . . ولكن واسفاه - ما طعنت الا الهواء ، لانه انزاح عن هجمتى كالبرق الخاطف ورحت مهويا على رأسى ، وكأن ماردا جبارا انتزع الخنجر من بدى ، ومن يمن طالعي أن لم يصب من جسمى مقتلا ، وما كدت انهض حتى ملأ الفضاء حولى ضحك كالعويل . . وجن جنوني ، وأذنت لساقي ان تسابقا الرياح سبقا . وضحكات السخر ترن فى اذني آيبة ذاهبة ووصلت البستان ، مبهور النفس لاهثا وصدرى يعلو ويهبط كالمنفاخ فى يد الحداد ، وناديت الأجير ، فلم يسمع وبحثت عنه ملهوفا فلم أجده ، واستعذت بالله من شرور المردة والشياطين ورقيت سطح الحظيرة ، وقد تطامن - قليلا - روعى وهدأ وانحدرت إلى القلة ، أ بحث عن ماء يبرد الغلة ويروى العطش وبعد لأي وجدتها ولكن من دون كأس ، فتحست بيدى هنا وهناك ، فأخفقت في العثور عليها ، ومن عطشى اوت بالقلة فى يدي ، لأشرب من فمها . . وما كدت أهوى بفمى الصادي

عليها حتى الفيت شيئا كالشعر يعلق بالحلق ، واللسان ، فقربته إلى عيني . . وإذا به الرأس المقطوع . . . ودمه اللزج يسيل منه على ذراعى ويدى . . رباه . . ورميته بأقصى ما أملك ، من قوة ، وانقلبت أنا على قفاي . . ومفاصلى ترتعد ، وأسناني تصطك ، وكأن بي الحمى ، وبحثت عن شئ اخفى تحته جسدي . . فأطبقت أصابعي على البساط المفروش ، وسحبته سحبا ، فهوت اللحف والمتكآت - في ضجة - إلى الأرض وأسبلته على ، حتى جعلته لى جنة ولممت نفسي تحته كالقنفذ ، ولا زالت أصوات المرح الساخر تنفذ إلى أعماقي وتداورت فى نفسي أمور ، ورأيت فى موضعي المكشوف بهزة مني للعفاربت فأسرعت بالانحدار إلى الحظيرة ، وغلقت بابها بيد متصلبة ثم ارتميت عليه خيفة أن يفتح . . . ولا أدري ، كم ساعة بددتها فى خندقي ، حتى قدم الأجير وهو يبحث عنى ويرفع صوته بالدعاء ، وأشعل عود الثقاب ، فلم يجد البساط ولا المساند ولا المتكآت . . فحدس أن لصا سطا على البستان ، وان صراعا بيني وبينه نشب فصاح مستنجدا :

- الحرامي . . الحرامي . . الحق الحرامي . . وسمعت الجيرة وقد نفروا من كل صوب منجدين ، وفي ايديهم العصى والقسى وهم يلغطون :

- أين اللص ؟ . . أين اللص ٠٠؟ . فتلقاهم الأجير بالنبأ ، وخف بعضهم إلي الحظيرة ليطمئبوا على وجود الحمير ، وقد تصبب العرق باردا من جبيني ، لاخوفا وانما خجلا وحياء ونهشتني الحيرة فكيف أعلل وجودى بين البهم والحمير ، ولكن ما اسرع ما ألهنت حيلة . . فتصنعت الرعشة والرعدة ، فلما اضاءوا واوجدوني ملفوفا

- كالتمر - في مجلاد فقالوا ، والدهشة فى وجوههم .

- ما بك ؟ .... - ه . . . هه .......... الحـ....... ي . . النف . . اضـ .... ة !........

المدينة المنورة

اشترك في نشرتنا البريدية