هناك في طرف الحي الشمالى من المدينة ، وبجانب شجرة عظيمه والى جوار قصر أشم ربضت دار متواضعة تقطنها أسرة صغيرة . . وكان أحمد من بين من تضمهم هذه الدار ، انه أكبر فتى في الأسرة ولشعوره بهذا لم يكن بالطالب الكسول ولا المتهاون ولم يكن في يوم من الايام أداة لنفسه تسخره لرغباتها . .
بل كان ذلك الفتى الذى تعرفه نفسه قبل كل شئ آخر ، انه فيما مضى كان يفرض ارادته عليها ويجعل لها سياجا لا تتعداه .
أما نتائجه الدراسية فهي مشرفة بين زملائه ومحبيه طيلة دراسته الماضية . . ولكن في ساعة ذهول ومع مرارة ما يسمع أو يرى خرجت نتائج الامتحان ذات مرة بعد أيام عصيبة ولكنها على غير ما اعتاد هو أو تعود الناس منه في التقدم والفوز بالنجاح واحراز قصب السبق بالأولية بين زملائه أو أفراد فرقته ودهش هو من نفسه وبدأت ساعة الحساب . .
كان أحمد شابا محبا للعلم ومكبا على دراسته يحرص أن لا تفوته شاردة ولا واردة من كتاب الا وقد ناجاها مرارا وتكرارا حتى اذا ما اعرضت عنه جملة أو استعصى موضوع على فهمه تناوله بقلمه حرفا حرفا تلخيصا وتنقيبا في مذكرات صغيرة وضع لها مكانا أمينا بحيث تسمع دقات قلبه ونبضات فؤاده . وهى أحب اليه من أى شئ آخر . . لم تكن السعادة لديه أكثر من احرازه نصرا على موضوع يلخصه أو كتاب يقرؤه أو مسالة يتوصل بعد جهد لحلها . . ولهذا كان مرجعا لزملائه في كثير مما أدلهم عليهم أو أشكل على أفهامهم . وحتى أساتذته كانوا يعجبون لكشفه عن صغائر بين ثنايا أسطر الكتب لا تظهر الا لمن أوتي صبرا وجلدا على التنقيب والبحث المستفيض ويقدرون جهده وذكاءه وأخلاقه ومرحه ويرون فيه معالم النبل والفطنة . وكذلك والداه كانا يحبانه لحرصه على دراسته وكثرة اشتغاله بها فجهزا غرفة دراسته
بفراش وثير وادوات مكتب جميلة وساعة حائط كبيرة بجانب نافذة تطل على حديقة صغيرة . وكانت هذه الغرفة منسقة وبها الاضاءة الكافية والجو الدراسى المريح . فاذا ما وصل أحمد هرع لغرفته تلك وعاش بين كتبه وواجباته المدرسية ولا يخرجه منها سوى قرب موعد الغذاء أو استقبال زميل عزيز عليه . وهكذا كانت حياته الدراسية : يستذكر دروسه من بداية العام الدراسى ويعتمد على ما حصله من معلومات مركزة في مذكراته الخاصة اذا فاجأه الامتحان وبدأت القلوب تضطرب لقرب موعده . . ويدهش حينما يرى بعض زملائه وهم يتحدثون وجلين قبل الامتحان بأيام من السهر والمذاكرة وصعوبة المواد وتعقيد المدرسين . .
وتخرج نتائج الامتحانات في كل مرة ويكون أحمد هو الاول بين زملائه الناجحين ، وها هو ذا يصل الى مرحلة من مراحل دراسته الثانوية ويسير فيها كعادته في الجد والاخلاص والمثابرة . وفي يوم من أيام الامتحان ، وفي امتحان اللغة العربية بالذات وكان وقتها صبيحة يوم مطير حيث تنساب نسمة عليلة بين أزهار تلك الحديقة الوادعة يفتح أحمد نافذة غرفته ليستتمتع بهذا المنظر البديع وقد غاب عن ذهنه أن يومه هذا يوم امتحان . ويجول بناظره ويتطلع فاذا بكيانه يهتز وترتعش فرائصه ويحدق بنظره ليرى من بعد نافذة مفتوحة وعليها قطعة قماش زاهية كالتى على نافذة غرفته . . وهنا بدأت أفكاره تصول وتجول ووجدت نفسه فرصتها للحديث والانطلاق . .
يا الهى . . ما هذا ؟ ! انه شبح خلف ستارة النافذة بل فتاة . . نعم انها فتاة جميلة . . فارعة الطول صبيحة الوجه . .
انها تبتسم . . لقد أعجبتها ها هى ذى تناجينى بيديها بل بعينيها . . يا لها من لحظة سعيدة ها هى ذى الستارة يطل من جانبها وجه كالبدر في الضياء . . ابتسامة مشرقة . . وأسنان كاللؤلؤ . . ما أجمل تلك اليد التى تمسك بالستارة . . وما أنضر تلك الوردة التى أراها . . ليتني أمسك بيدى ذلك المعصم , وأتلمس بأناملى ذلك الجيد . . ليتني فتحت النافذة قبل الآن لأعيش مع النظرات الحلوة لتلك الوردة التى تخادعنى . . اننى أشعر بسعادة لا نظير لها . . ومع محاولة التعمق في أبعاد هذه السعادة تهب رياح شديدة وكأنها صيحة انذار لأحمد لتلقي بقطعة القماش التى تاه فكره فيها جانبا ويتضح ما خفى وراءها .
ويا لشد هوله وعظيم مصيبته حينما اكتشف أن بطل تلك المغامرة على تلك النافذة البعيدة قطة صغيرة . .
نعم انها قطة تلهو وتلعب في لحظة حاسمة بالنسبة لأحمد . . لم تعلم البريئة انها قد جنت عليه اعادة سنة دراسية كاملة . . وتثور ثائرته وتضطرب العواصف بقلبه ويجن جنونه . . ويسمع رنين أجراس الخطر لقلبه منذرة اياه بالضياع . وهنا يرجع بصره كرتين فينقلب اليه بالحسرة من ساعة الحائط الكبيرة . .
لقد مضى نصف ساعة على بدء الامتحان . . ويشعر بالخيبة وبمرارة حنظل الموقف وبقلب يتمزق فيسرع صاحبنا الى المدرسة فيجد الابواب قد أغلقت ويرفض مدير المدرسة ادخاله بهو الامتحان . . وينصت من بعيد ليسمع صرير أقلام الزملاء على أوراق اجاباتهم .
( المدينة )

