الكتابة والكاتبون ..

Share

كنا جماعة من هواة الادب جلسنا مجلسا ادبيا (١) فوصل بنا الحديث الى طريقة الكتابة والشروط التى ينبغى ان تتوافر فى الشخص وللشخص عندما يريد الكتابة ، وجعل كل واحد منا يعرض ما يراه من تلك الشروط ويفندما لايراه الا اننا كدنا ان نلتقي عند نقطة واحدة بعد ان سلك كل منا طريقا غير التى سلكها صاحبه .. تلك النقطة هى انه لابد للكاتب اذا ما اراد ان يكتب ان يكون فى رأسه فكرة عما يكتب فيه ، وليس ذلك فحسب ، بل لابد ، ان يكون مع ذلك مستحضرا للنواحى او لبعضها التى يعالج الموضوع الذين الكتابة فيه منها . اذا فلابد - قبل الكتابة - من ان يكون الكاتب قد رسم صورة عامة فى فكرة عما يريد الكتابة فيه . هذا ماكدنا ان نتفق عليه او على الاصح ما اتفقنا عليه ولم يشذ عنا الاواحد فقط . لانه فى نظرنا لابد للكاتب لكى تجيء كتابته فى موضوع ما ، كاملة من جميع النواحي ، مستوفية للشروط - لابد له من أن يؤمن فى نفسه بالفكرة التى يريد ان يكتب فيها قبل البدء فى الكتابة لتبتدئى الحرارة والوضوح معه فى بدء كتابته .

اما صديقنا الذين خرج على اجماعنا فهو يرى غير رأينا ، هو يخالفنا فى هذه المسألة تمام المخالفة ، لانه يرى ان الكاتب القدير ، وهذا نعت لابد منه للكاتب الذي يقول - صديقنا - انه يستطيع ان يكتب وان يجيد الكتابة فى موضوع ما بدون ان يرسم فكرة واضحة محددة فى فكره لذلك الموضوع قبل البدء فى الكتابة ، هذا نعت كما يقول صاحبنا لابد لذلك الكاتب منه

قال : وحجتى على ما ذهبت اليه ان الكاتب القدير الذين يكتب يدافع من نفسه او بعبارة اخرى بدافع من قلمه - وانا اقصد بقلمه لا الباغة والحديد طبعا ولكن المعاني والخواطر التى يختلج بها فكره - الكاتب الذى ذكرت ، لابد فى صفته ايضا من ان يكون كاتبا مطلقا اى ليس كاتبا مقيدا بنعت من

الحوت ، الكاتب الاجتماعى مقط او السياسي والصحفى  فقط او غير اولئك ذلك الكاتب يستطيع ان يكتب فى موضوع ما وان يجد الكتابة بدون ضروره ان يكون فى نفسه فكرة واضحة عنه وذلك لان الحياة بالنسبة للكاتب مجموعة موضوعات وبحوث ومواد لكتابة يتصل بعضها ببعض لا يوجد منها موضوع واحد ليست له علاقة بموضوع آخر ولكن تلك العلاقة قد تكون خفية لا يهتدى الى كشفها الا ذلك الكاتب القدير الذى ذكرت . وذلك الكاتب يستطيع ان يكتب أول كلمة فى الموضوع قبل ان يكتب عنوانه وقبل ان ياخذ عنه فكرة واضحة محددة ، بل قبل ان يكون له فى نفسه وجود بعينه فى تلك اللحظ واقول بعينه فى تلك اللحظة لان الكاتب بفكره ونفسه ما هو الا مرآة تعكس ما حولها فينطبع فيها وقد يكون فى نفس الكتب بعض الموضوعات الى لا تبرز الى ذهنه الا بعد انعام نظر وطول تفكير ، ولأن الموضوعات الحيوية - كما قلت كحلقات متصلة تربط بعضها ببعض وشائج متينة او ضعيفة لا يكتشفها الا من اوتى حظا من النظر الثاقب والعقل الباحث المنقب فان من الاشياء ما قد يبتدئ الكاتب بكتابته وهو لا يصلح موضوعا لكتابة ولكنها ربما اثارت موضوعا صالحا وربما اهاجت من اعماق الذاكرة مشاعر كانت كامنة .

فالكاتب القدير يستطيع ان يبدأ الكتابة بدون ان يكون له اقل فكرة عن الموضوع الذين يكتب فيه بعد ذلك ولكنه يبدأ الكتابة بما يعن له فى تلك اللحظة التى يبدأ الكتابة بها او بما يصادفه او عن اى شئ اخر عادى فى البيت مثلا او فى السوق او فى محل النزهة ثم يسترسل فى الكتابة فيواتيه الألهام وتهطل عليه شآبيب المعاني حتى يضيق بها المقام وحتى يترك الكتابة قبل ان تتركه دواعيها ، ذلك لان الحياة - كما قلت - متشابكة وان كانت متشعبة وقريب بعضها من بعض وان كان فى بادىء الامر بعيدا يستطيع ذلك الكاتب ان يرى لعبة ابنه - ولتكن مثلا سيارة صغيرة عندما يخط أول كلمة ليكتب اسم لعبة ابنه ولفظها ووصفها ثم يتدرج من ذلك الى ما لا نهاية له من المعاني والمواد والميادين الصالحة للكتابة بدون ان يخرج عن موضوع الحديث، عن لعبة ابنه .. يستطيع مثلا ان يتحدث بلهجة الاديب عن نفسية الطفل واثر اللعب فيها ويستطيع

ان يكتب عن الفرق بين شعور الكبار، والصغار ازاء اللعب وعن نحو عقلية الطفل وعن اختراع السيارات و عن فوائد ذلك الاختراع ومضاره وان يقارن بين لعب الاطفال فى الماضى والحاضر كل ذلك على سبيل المثال والاشارة والا فالمعاني والمواد والميادين الصالحة للكتابة امامه كثيرة متنوعة ، ثم ليجعل العنوان بعد ذلك (لعب الاطفال) . هذا مثال واحد ولن يعوز احد ان يجد الألوف المؤلفة مثله ، اما اذا عجز عن ان يجد موضوعا يكتب فيه ، أو موضوعا يثير موضوعا او عبارة تثير موضوعا وذلك قريب من المستحيل فانه لن يعجز عن ان يكتب فى موضوع الكتابة وفى عجزه عن الكتابة وفي مقدرته عليها وفى الاحوال التى تواتيه المعانى فيها والظروف التى تساعده على الكتابة وذلك موضوع طويل يستطيع الكاتب ان يصول فيه ويجول ويستخرج منه لا مقالة ولا مقالتين ولكن عدة مقالات . ولكن لاتنسوا نعتى لذلك الكاتب بانه الكاتب القدير ، هذا ما قال صديقنا وهذه حجته على ما قال ولكننا لم نوافقه وهو لم يوافقنا ؛ واخيرا تراضينا على ان يكون حكمنا فى هذه المسألة هو صاحب المنهل الاغر ؛ واننا لاجابته وحكمه على صفحات " المنهل " العذب لمنتظرون وبحكمه لراضون .

بريدة - القصيم

اشترك في نشرتنا البريدية