لجلالة الملك المعظم حسنات عديدة فى انهاض مملكته الفتية فى شتى المرافق الحيوية والصحية والاقتصادية والأدبية . وقد سمح جلالته بعقد المؤتمر الطبي فى ثغر جدة فى الموسم المقبل وقد اذاعت الجمعية الطبية المصرية فى بيانها ان حضرات اعضاء هذا المؤتمر سيزورون المستشفيات والمنشآت الطبية الحديثة بجدة ومكة والمدينة لعرض الحالات المستعصية والأمراض المتوطنة وستكون احد موضوعات مناقشات المؤتمر كما يطرح للبحث هذه الموضوعات ( الملاريا الدوسنتاريا . الكوليرا . المسائل الصحية . الرمد . امراض النساء . الامراض السرية موضوعات منوعة ) هذا فضلا عن الموضوع السنوي الهام بتوحيد المصطلحات العربية للعلوم الطبية . وسيشترك في عضوية المؤتمر عدد كبير من اطباء الشرقين الاقصى والادنى ولا سيما سوريا ولبنان والعراق وايران والهند وافغانستان وجاوة وسومطرا والصين واليابان وتركيا واوربا الوسطى وشمال افريقيا ) اه
ولقد عنيت حكومة جلالة الملك المعظم باعداد اسباب الراحة لهم ، ولعقد المؤتمر فى جدة فوائد جمة لهذه البلاد المقدسة واهمها زيادة رغبة المسلمين فى الحج والزيارة .
تحامل وتثبيط !!!....
قرأت في مجلة الهلال الغراء " جزء يوليو ١٩٣٩ " مقالا مسهبا بعنوان " كتبنا وتآليفنا " دبجته براعة الاستاذ محمد كرد على ، وقد استعرض فيه أحوال التأليف في العالم العربي : مصره وشامه ومغربه وعراقه وحجازه ويمنه
الخ . وقد استرعت نظري في هذا المقال احكام قاسية غير موفقة جادت بها قريحة الاستاذ عن حركة التأليف والثقافة فى الحجاز ؛ فقد جعلها ميتة جامدة بالمرة لم يدخل اليها اي تحسن أو حيوية وأبرزها فى مظهر الانحطاط إلى الدرك الأسفل فى نثرها وشعرها وآدبها وصحافتها . حيث قال :
" يكاد يكون البلد الذي منه ظهر الخير للامة العربية - ونعني به الحجاز - مقفرا من كل شئ اسمه تأليف بالعربية ، ولم نر لبنيه الى الآن شيئا يذكر فى باب التأليف ، والشعر منحط ؛ ولا صحف هامة - الى ان قال : ولذلك كل ما وصلنا من كتبهم الجديدة صورة من صور القرن الثاني عشر والثالث عشر " ا ه
ونحن دفاعا عن الحقيقة واظهارا للحق نقول للأستاذ في صراحة وجهر ، ليس التأليف والأدب هنا على الوضع الذي مثلته للقراء ، فان فى الحجاز اليوم حركة ادبية رائعة بالنسبة لقصر مدى تكونها . وهذه الحركة الادبية محسوسة لمن اراد ان يحس بها ، ومحسوب حسابها عند من يزن الحقائق بميزان دقيق عادل . وقد انتجت هذه الحركة مؤلفات لا تمت الى القرن الثاني عشر بصلة الا كما يمت مقال الاستاذ الى ذلك القرن . وهذ ( وحى الصحراء ) كتاب جيد ضخم ، يحتوى عشرات القصائد وعشرات المقالات المتنوعة ، وكلها حديث جدا ، وقد لاحظ هذه الحداثة فيه وأقرها كاتب مقدمته الدكتور محمد حسين هيكل باشا اذ قال : " والحق ان الادب الحجازي الحديث متأثر بهذه النهضة تأثرا تاما . وانك لترى اثناء قراءتك هذه المجموعة اثر النهضة باديا فى كل ما اشتملت عليه وقل إن تقف عند شئ يشبه القديم من الأدب العربي فالاسلوب والصور وطرائق التفكير والتعبير تجرى كلها مجرى ماتقرؤه فى ادب مصر وسوريا والعراق وغيرها من البلاد العربية فى هذا العصر الأخير بل تجرى مجرى الصور الاخيرة لهذا الادب الحديث فى تلك البلاد ، اه
وفي الكتاب رسوم الادباء الذين اشتركوا في الكتابة فيه على منهج عصرى بديع ، لا يقل عن منهج كتاب شعراء العراق ولا عن كتاب " مشاهير ادباء
الشرق " وخلافها وقد عدت ادارة الهلال في تقويمها السنوى هذا الكتاب من جملة كتب الثقافة التى صدرت في ذلك العام
ثم هذا كتاب " آثار المدينة المنورة " الذي اشتهر في العالم الشرقي والغربي حتى جعله الدكتور محمد حسين هيكل باشا من أهم مصادر كتابه " فى منزل الوحي وحتى ترجم الى اللغة الفرنسية ، ونشرت ترجمته في مجلة " العلوم الاسلامية " التى تصدر بباريس ، وكتبت عنه صحافة مصر وسوريا والمغرب والهند واندونسيا عدة تقاريظ
وهذا " كتابي " للاديب عبد الغفور عطار الذي كتبت فيه مجلة " الهلال " الغراء نفسها تقريظا مسهبا :
وهذا كتاب " اصلاحات فى لغة الكتابة والأدب " وهذه حركة التأليف للكتب المدرسية نشطة فى هذا العهد السعيد .
أما ادعاء الاستاذ كرد على بأن النثر فى الحجاز منحط . فهوا ادعاء حلاب من حقه ان يستهوى قلوب كثير من القراء لامرين : شهرة كاتبه فى العالم فهو اذن لا يرمي القول على عواهنه . ولما هو معهود من قبل من خمود الأدب فى هذه البلاد ، ومن يسمع يخل . والحقيقة ان فى الحجاز اليوم نثرا فنيا رائعا ، لا يقل فى جودة التعبير ونصاعة الاسلوب عن ادب جاراته ، وقد شهد لدينا بذلك اعضاء البعثة الكشفية العراقية وشهد به الدكتور فريد رفاعي في مقال له فى " المنهل " ( * ) وليس فى نثر الحجار اليوم ذرة من آثار النثر فى القرن الثاني عشر والثالث عشر كما توهم واوهم الاستاذ . وان فى عشرات المقالات التى تصدر اسبوعيا وشهريا فى صحافة الحجاز اليوم لاكبر برهان محسوس على صحة هذه الدعوى ، فليتق الله الاستاذ فى نهضة الحجاز وليساعد على تنميتها بالعطف وللتشجيع بدل هذا التثبيط وهذا التقريع .
وشعر الحجاز كذلك ناهض وحديث ، ومن يطالع نتاج قرائح الاساتذة لحمزة شحاته واحمد قنديل والغزاوى والسيد عبيد مدني ومحمد على مغربى والشاعر المجهول والآشى والعواد وغيرهم ير شعرا طموحا ممتلئا بالاحاسيس والاخيلة الوثابة فى نصاعة وجدة وطرافة ، بما لا يقل عن شعر محمود اسماعيل والعقاد والمازني والموازنة التى نحن مستعدون لأجرائها اكبر برهان .
وصحافة الحجاز - برغم حداثتها - وبرغم كونها لم يمض عليها عشر سنوات بعد فانها متقدمة إلى الأمام ومن قبل ثمانى سنوات لم يكن في الحجاز سوى جريدة أم القرى ، أما اليوم فيفضل تشجيع الحكومة العربية السعودية . وبجهود الشباب العربى السعودي الناهض ، انشئت اربع صحف غير أم القرى ، اثنتان شهريتان ، واثنتان أسبوعيتان وهذه خطوة واسعه . واذا قيست صحف الحجاز اليوم بصحف مصر حين بدء النهضة فيها يتجلى انها لا تقل عنها ان لم تفقها فى عدد الصفحات والموضوعات . ( البقية على الصفحة ٤٠ )
