صحا الفتى في غبشة الصباح كعادته على صوت والده ، وما كاد ينهض عن سريره وهو ليفرك عينيه حتى رأى ضوء الفجر الوليد ينفخر نهراً من لجين مذاب ، ثم ينساب على صدر الليل البهيم ، وتبين بين سحب الظلام مئذنة المسجد العظيم وهى تطاول السماء بقامتها الهيفاء ، واصاخ الفتى سمعه ، فعرفته قشعريرة قصيرة ، وراح في غيبوبة حالمة وزاغت منه الابصار . وتعطل منه الاحساس وفجأة هب على اقدامه مذعوراً ورفع عقيرته الصغيرة منادياً...الله أكبر... الله اكبر... وضحك الوالد ملء الصدر وصاح يقول : أما أنك مجنون فهذا مما لاشك فيه وأعقبت زوجة والده على كلامه وهي تحاول تهدئه الطفل الرضيع
- هذا الولد المجنون يفزع أطفالنا كلما أصبح الصباح وأمسى المساء الا تسمعني أيها الرجل ليست لها هذه الحالة من نهاية . . الا تدخله المارستان ؟
وأراد ان يخفف من ثورتها وان يتفادى - فى نفس الوقت - حلا للقضية حاسماً فقال :
- الله يهديه . الله يهديه . وما بيدنا نحن ان لم يهده الله ، ووقف الفتى جامداً فى مكانه لايبدى حرا كا ، وجاء الوالد وهو يقول :
- هيا . . هيا . . يا أحمد . فأمامنا اليوم عمل كبير فى قطعة الارض الخلفية . وطاوع الفتى أباه فى صمت وسكون ، وعندما انحدرا من أعلا الحوض بدآ مبحثان عن مسحاتيهما الخبيئتين تحت عرائش الكروم ، فلما وجد اغيتيهما انطلقا صامتين كانهما لا يسمعان المرأة وهي صاخبة شاتمة فى ثورة وهياج .
وراح الاب يحرث كعادته فرحاً مرحاً ، أما الابن فكان يكسر الصلصال بمسحاته فى صمت ووجوم ، كأنما يؤود كاهله أمر ويجثم على اكتافه ثقل ، وعلى حين غرة فاجا الولد أباه بسؤال : أبي...متى ماتت أمي ؟ . وشلت المفاجأة الأب فكف عن الحرث وقال متمتماً كأنما يخاطب نفسه : - لا أدرى...لا أدري
وأعاد الولد السؤال في لهجة بريئة : - ألم تكن زوجتك ؟ . . ألات تدري متى ماتت ؟ وكان الأب قد صحا من ذهول له فقال : - ماتت وأنت لم تزل طفلاً تحبو . ووقف الفتى على قدميه وعاود السؤال ! - أو كانت تحبني ؟ أجل !
قال الولد وهو يحدق فى أبيه - أكانت على شبه بأم على ؟
وكان الأب على وشك الاجابة لو لم يلمح زوجته في طريقها اليه وهي تحمل لهما طعام الافطار فهمس قائلا : - كلا ! . ثم عاد الى عمله .
وجاءت الزوجة وأراد الفتى ان يطيل اليها النظر ، ليقيس على اضداد ملامحها ملامح أمه ، الا ان الشعور الكامن بالخوف سلبه الارادة ، فغص الطرف أو لم يجرأ على النظر ، ولما دعاه والده للافطار وضع مسحاته على الارض ، وراح ملبياً إياه ، فجلس القرفصاء أمام صحفة الطعام ، وفجأة وقعت عيناه على قدميها المخشوشنتين ، فاستنتج محدثاً نفسه : إذن فقد كانت أقدام أمي رقيقة بضة وتقضى النهار وانصرم ، وعاد الاب وابنه حين المغرب الى الدار ، وأخذ أحمد المسحاتين ليضعهما فى مكانهما المعروف ، وتقدم أبوه الى البيت ، وما كادت مهمة الفتى أن تنتهى حتى واجهته امراة ابيه بمعون فى يديها تريد أن تناوله إياه وهى تقول : - ياولد . . افتح عينيك . . وخذ هذا الماعون واشتر قليلا من اللبن الرائب واياك والتأخير والأعرضت نفسك لاصرم الجزاء ، حقا إن والدك يتواني في تربيتك ولا يود ان يفتح أذنيه لنصائحى ولذلك نشات نشأة أهمال وكسل
وتناول أحمد الماعون في صمت وسكون ، ردار على عقبيه وتلمس طريق السوق فى ظلام الليل ؛ وهو يعتقدان الحياة ما هي الا غضب من زوجة الاب وسكوت
ورضا من جانب الاب ، ووجد في نفسه رغبة ملحة في بكاء ونشيج وأحس شوقاً عظيماً الى ذراعين حانبتين تضمانه فى لهفة الى صدر حبيب ، واستسلم الفتى للاحلام فظن انه حقاً بين ذراعين رقيقتين ، تداعب احداهما شعره الاشعث وتدهده الاخرى خصره النحيل ، وآنس في نفسه رغبة الى نوم هنئ فاعمض عينيه وعثر فى حفرة فى الطريق وسقط منه الماعون ، فصحا من غفوته وتناوله فى سرعة فلقة ، خشية ان يكون قد رآه أحد على هذه الحال ؛ واغذ السير فوصل السوق بعد قليل ! وابتاع اللبن وكر عائداً وعندما وصل باب السلام اذا انه فجأة بسمع أذان العشاء ، ومن تلك المأذنة الرفيعة انسابت الى أذنية أمواج من أنغام مسحورة ، فاختلطت بلحمه ودمه ، وتملكته نشوة روحية فانتقات به - فى طرفة لعين من دنيا الآلام إلى دنيا الاحلام ، و ورح فى ذهول حلو ناعم ، ومر به الناس فى طريقهم الى الصلاة ، وصدمه شخص سريع الخطو ، فاندلق الوعاء وانتبه من غفوته فألفى اللبن وقد اختلط بالترب ، والماعون وقد انكفأ ، وفي لمحة عابرة تصور ما ينتظره من عذاب وبلاء ، فلم يعمد إلى البكاء والنحيب ، وإنما النقط بيمينه الوعاة، وبدل أن يسلك طريقه الى داره نهج أخرى إلى اتجاه مضاد : ومضى فى سبيله على غير هدى ومشى طويلاً وهو لا يدرى فى أى بقعة من البلدة هو
ومرت به الاشياء فى ظلمات الليل كالأشباح لا يكاد يتبيها حتى انتهى الى داره شعة فتذكرانه يعرف هذا البيت فوقف تحته لحظات ، وفي الدقيقة التالية كان رجل يصيح من أعلى الدار :
- من هذا . ؟ من أنت أيها الولد ؟
وآوى أحمد الى دار مقابلة وعمد الى صمت عميق ، فصاح الرجل كرة أخرى - هذا الولد يشبه أحمد . . انتظر . . ماجاء بك ؟ ! قف حتى آتيك ! .
وتمثل أحمد زوجة ابيه وهى توثقه من قدميه الى نخلة عتيقة فى الدار وهو يستنجد بأبيه وأبوه لا يجيب ، وابصر النور منتقلا مع الرجل الهابط فأراد ان يفر قبل أن يقع فى الشرك ، واسعفته قدماه بقوة الفحول فراح
يجري من حي الى حي ومن حارة الى حارة حتى إذا احس بالخور يدب الى بدنه جلس على الارض متربعاً يفحص قدميه الجريحتين من عثرات فى الطريق وآده الالم فانخرط في بكاء طويل ، ولما شفى من ذلك وجده أرسل يديه بحث رأسه حتى اذا تهيأ للنوم لمح شخصاً مقبلاً من جانب فظنه الرجل التبيع ، ومرة أخرى هب على قدميه الكليتين وآلي أن لا يقف في مكان وأن يظل ماشياً حتى نهاية الهزيع الأخير .
وعلى حين غرة وجد نفسه عند حائط في نهايته باب كبير ، فالتفت يمنة ويسرة ، وعرف انه البقيع ، فخطرت بباله فكرة ، وسمى حثيثاً الى الباب بالفاه مغلقا موصداً ، ودار حول السور فوجد هضبة ترتفع حتى توازي الجدار ، فعمد اليها مصعداً ، ولما أشرف على المقبرة كان القمر يختفى بين السحاب حينا ويظهر حينا ، وكان السكون شاملا ، والفراغ الراعب ضاربا أطنابه فاستشعر الخوف والفزع وعرته قشعر وخوف إلا انه تجلد وتماسك ورمي بنفسه الى جوف المقبرة .
وهنالك على ضوء القمر المطل فى استحياء اهتدى الى قبر قديم كان قد زاره مع والده فى يوم من الايام ، فهرول اليه كطفل دعته أمه فى دلال ولباها فاتحاً ذراعيه ، وما إن وصله حتى غمره فرح غامض ، فرمى الماعون من يديه وصاح
- أمي ، سأسمعك أذاني : وارتفع صوته الرقيق يشق سكون الليل الرهيب فى شجو حزين : الله أكبر ، الله أكبر
وما كاد ينتصف فى أذانه حتى انفلتت من فيه صيحة عالية وسقط مرتمياً على قبر أمه ، وسمع حراس البقيع الاذن والصيحة ، فجاءوا بمصابيحهم يسمون ، وما إن اهتدوا اليه حتى راوا طفلا مغمى عليه فوق قبر مهجور ، وحملوه الى الطبيب فقرر الوفاة من لدغ حية سامة .
وبعد أيام كان هنالك قبر صغير جديد بجانب القبر القديم ، وصادف أن هطلت الامطار فاختلاط القبران ونبت فوقهما عشب قصير ، وكانت هنالك فراشة بيضاء تنتقل بين هذا القبر وذاك .

