(( اراد بعض اخواني من الادباء لهذه الاقصوصة الصغيرة ان تكون خاتمتها اليمه تنتهي باطاعة الفتاة العوامل الهوى ونزعات الشيطان . لتكون هذه النهاية القاسية متفقة مع البداية المسرفة فى العنت ، ولتكون العبرة فى القصة اتم ، والعظة فيها أوقع . ولكنى لم أر هذا الرأى ، فانا حينما كنت اكتب هذا انما اكتبه عن الفتاة الحجازية التى تفخر جميعا بما اثر عنها من عفاف وادب ، وخلق وثيق . يحول بينها وبين الانزلاق فى مهاوى الفسوق ، ولست فى حاجة لان أقرر ان الوقائع في هذه القصة خيالية . محضة وان كانت الفكرة مستمدة من صميم الحقائق الملموسة ، والغرض الاول منها التنبيه الى فكرة تشجيع الزواج وتبسيط وسائله والبعد عن التعقيدات التى وصلت الينا عن طريق التقاليد السخيفة الممجوجه ))
نشأت زهرة يانعة محاطة بحب ابيها الشيخ ووالدتها الحنون ، واخوانها الكثيرين ، فقد كانت الفتاة الوحيدة فى هذا البيت الذى يهمس كل مافيه بحبها واطاعتها .
وكانت أصغر أولاد أبيها ، فهو لم يرزقها الا بعد أن حطمت الايام عوده ، واذبلت قوته ، وذهبت بشبابه ونضرته ، فكانت له الأمل الباسم فى صحراء حياته التى انقلبت كلها ذكريات وأحلاما .
فقد وهبه الله من الذكور ثلاثة لأحسن تربيتهم وبذل فى تثقيفهم ما جهد الدهر فى جمعه لتنشئتهم ، وكان له ما أراد فها ابناؤه الثلاثة مثال الشباب الطامح والنشاط الوثاب ، والخلق القويم .
وكلهم تخطي سنى الطفولة الى الشباب ، وأخذ يهيء لنفسه مستقبلا يبشر بالخير وكان الاب الشيخ ينظر الى كل هذا نظرة قريرة راضية ، فليس أحب الى نفسه ، ولا أثلج لقلبه ، من أن يرى أبناءه زينة فى جبين الدهر ، يشرفون اسمه ويحيون ذكره ويبقون على مجد بيته العتيد .
ولكنه كان يعلم ان أبناءه الثلاثة مهما تفانوا فى محبته ؛ ومهما رغبوا فى إرضائه فلن يستطيعوا أن يصلوا الى سد هذه الثلمة الحساسة من فؤاده الجريح .
كان الشيخ يتمنى على الله ويكثر من الأمانى أن يرزقه بفتاة . يرى فى عينيها براءة الطفولة وطهرها ، وجمال الشباب وروعته ، فيتذكر - والحياة تودعه - بها ايام شبابه الاول ، وعهده النضير .
يتذكر بها حبه القديم ، ويرى فى بسمتها معنى السعادة ، وفى عينيها نور الجذل ، وفى محياها الجمال الطاهر البريئ .
وتحققت أحلام الشيخ فولدت له (( سعاد )) ناضرة زاهرة ؛ كالوردة تفتحت عن أكمامها ، شذية كالزهرة المطلولة ، باسمة مبتهجة كالغصن أرده نسيم الصباح فكانت له عزاء الشيخوخة وذكرى الشباب . وكانت لامها الحياة الجديدة ؛ والأمل الباسم ، الذى ترتجيه اذا ماعدا الدهر على شبابها فنال منه ، كانت ترتجيها حينما تكبر لتكون لها أختا تعتمد عليها ، تبثها اسرارها ، وتحدثها باحداثها ، وتقوم على شؤنها ، وتمريحها من متاعب البيت وشؤنه .
وكان فرح اخوانها شديدا بها فكلهم كان يرى فيها بهجة البيت وريحانته ، وكلهم كان يمحضها من حبه وعنايته ورعايته ما يجعل الحياة أمامها باسمة طروبة . وفى هذا الوسط الذى كله حب ورعاية نشأت سعاد أجمل نشاة ، وتربت أحسن تربية ونما عودها فضحك ماء الشباب فى خديها ، ودبت الفتنة فى الحاظها ، واكتمل عودها ، ونضجت فكانت فتاة فتانة حقا .
لم يدخر أبوها واخوانها وسعا فى غمرها بكل ما تطلب من ثياب ومتاع وزينة ؛ ولم يضن عليها أحدهم بشئ مهما كان غاليا فنشأت مدللة مترفة سعيدة لا تعرف الهم والحزن .
وازداد على مدى الأيام حب الشيخ لفتاته ، وحرصه على الجلوس اليها ، واستماع أحاديثها فكانت له السمير الوحيد وكانت منه بمنزلة الدف اللذيذ لبرد شيخوخته القارص .
وتقدم الكثيرون إلى الشيخ يطلبون يد فتاته . ويبذلون له الكثير مما يطلب فلم يكن جوابه لهم إلا الرفض الصارم الأليم .
كان هذا ليس لها بأهل فهو من أصل وضيع ، وكان الثاني متوسط الحال فهو سيرهق الفتاة ، وليست تجد عنده ما تعودت فى دار أبيها من حياة مترفة وعيش ناعم ، وكان الثلث كثير الأهل وهذا شئ مزعج ، أما الرابع فلا أهل له ، وتلك وحشة لا تطاق ؛ وهكذا لم يترك الشيخ سببا تافها أو حقيرا إلا وتذرع به فى رد خاطبى فتاته الكثيرين .
ولم تكن الحقيقة هذا ولا ذاك . . ولكن الشيخ كان لا يطيق لفتاته بعدا . ولا يستطيع أن يتصور كيف يمكن أن تخلو حياته منها ساعة أو يوما . فهى النور الذى يضئ ظلام نفسه ، وهى الأمل المشرق فى دنيا أحلامه ، وهى الموئل الوحيد له إذا ما دهمته الخطوب وأقلقته الايام .
كانت النظرة اليها شفاءا لنفسه المعذبة ؛ واللمسة فى شعرها دواء لقلبه الجريح والبسمة فى ثغرها عزاء لروحه الهائمة .
كانت هى أمله ومناط وجوده فلم يكن ليتخلى عنها ولو أعطى ثقلها ذهبا . وكانت الفتاة سعيدة بادئ الرأى مطمئنة الى ان أباها لابد وان يحسن لها اختيار الشريك وان كانت هذه الافكار لاتتعدى ذهنها الى لسانها فقد كان هذا معناه العار ، والموت ، والسقوط الذريع .
أجل . ليس للفتاة أن تشير أو تتكلم ، وليس عليها الا أن تسمع وتطيع ! ! ! ولكن نوايا الشيخ لم تلبث أن ظهرت لفتاته واضحة جلية ، وما لبثت ان أسر اليها اترابها من الفتيات ما يتناقله الناس من ان أباها لن ينتوي تزويجها ، ونقلن إليها ما يمكن ان تؤثره هذه الفكرة فى أذهان الناس فتبعثهم على الانصراف عنها ، وعدم التفكير فى خطبتها ، وكانت هذه فكرة صحيحة فلم يطرق باب الشيخ خاطب بعد أن وضحت نيته وظهرت أغراضه ؛ وأعرض الناس عن سعاد وابيها الشيخ ميممين وجوههم شطرا اكثر قبولا . . .
أعمى الشيخ حبه لفتاته فلم يفكر فى انه بهذا الاصرار والعناد يعرض فتاته للخطر الاخلاقى ، وأنه بهذه الانانية المفرطة يجعل حياتها سوداء شاحبة كحياة القبور كان يرى انها سعيدة فى داره ، محاطة بحبه العميق ، موفر لها ما تريد فما حاجتها الى الزواج وليس فيه الا تحكم الزوج ، ومتاعب النسل ، وهموم الوسط الجديد . وكان يعتقد ان فتاته مهما وفقت الى زواج سعيد فلن تتوفر لها أسباب السعادة بقدر ما يوفرها له بيته وحبه ، وكان من العسير افهامه ما فى هذا الرأى من خطل . وكان أبناء الشيخ يحسون ما في تعصب أبيهم وأنانيته من خطأ غير انهم لم يستطيعوا أن يشيروا الى هذا إشارة ضعيفة ، فكلمة واحدة كانت تثير أعصاب الشيخ وتقلق هدوءه .
وكانت والدة سعاد تتمنى لابنتها زواجا سعيدا لتربى ابناءها ولتكون جدة تعتز باحفادها ، ولكن الشيخ يأبى واباؤه عظيم .
لم تلبث سعادة الفتاة ان انقلبت شقاءا ، فاختفت تلك الضحكات الطليقة التى كانت تملأ سمع البيت ، وذبلت تلك الورود التى كانت تكسو خديها ونحفت ورق عودها ، وذوت كما يذوى الغصن انقطع عنه الماء لان فيه الحياة .
كانت سعاد تتمنى ان لو كان لها من الحرية ما يمكنها معه أن تقول بفصيح العبارة ان سعادة الفتاة ليست فيما يقدمونه لها من متاع وزينة ويحيطونها به من حب وتقديس .
وان هذا وان كانت له قيمة فليس قيمته الا بعد توفير حياة القلب لها وامتاعها بمتع الشباب . كانت ترثى نفسها . فقد كانت ترى أنها كالقطة المدللة بل ان للقطة حريتها الجنسية التامة . اما هي الفتاة الجميلة المترف فقد كانت محرومة من المتع التى هيأتها له طبيعتها والتى تقضى بها دوافع الشباب والحياة .
وكانت هذه الافكار تحز فى قلبها حزا اليما فتقلق افكارها ، وتذود النوم عن عينيها ، ولم يكن لها من عزاء عن همومها وآلامها . . فلم تكن لتستطيع ان تبث اشجانها وكان من العار ان تحدث اخوانها فى امر كهذا . . . فتقاليد البيت وشرف الاسرة وعادات المجتمع ، كل هذه حرب على الفتاة الضعيفة . فهي محرومة حتى من العزاء الذي هو أرخص بضاعة لدى المحزونين .
وازداد على مدى الايام شحوبها ، وتفكيرها ورقت ونحف عودها ، وتبدل بياضها بصفة شاحبة حزينة ، وانطفأت اللمعة من عينيها وبدأت آثار السهد تظهر في جفونها خطوطا زرقاء ، وغار خداها ، واختفى ماء الشباب الذى كان يضحك فى محياها الجميل .
كانت تتصارع فى قلبها فكرتان . . فهى تريد ان تنتقم لشبابها الذاهب ،
وجمالها المضاع ، وهى تريد أن تنتقم من انانية ابيها وحبه الكاذب ، وهى تريد أن تثار لجنسها ، لدمها الحار ، لشبابها المتوثب ، وليس لهذا طريق غير طريق الغواية . . واطاعة الهوى . .
وكيف يكون هذا لفتاة اسم بيتها راس مال كبير ، وكيف يكون هذا لفتاة لا تعرف غير العفاف والطهر ؟
كل ما حولها طاهر بريء فكيف تجنح هي الى اسوإ السبل فتقضى على شرف بيت عتيد ؟ ؟ كلا ان هذا لن يكون اذن .
كيف تكافح التيار . كيف تقوى بمفردها على مدافعة نوازع النفس ، ومغالبة الهوى ، كيف تستطيع أن تصد هذا الجيش اللجب من الافكار السوداء كيف . . كيف السبيل ؟
حارت كثيرا فيما تفعل وكان ابوها واخوانها يلحظون ما وصلت اليه حالها من سوء ، غير ان أحدا منهم لم يكن يجرأ أن يقول ان السبب فى هذا هو الضغط على حريتها ؛ وقتل شبابها ، ودفنها حية فى هذا القبر الذهبى . .
. . . وتزوج اخوانها الثلاثة فاشرقت فى سماء البيت نجوم ثلاث ، ينضح وجههن بماء الشباب ، وتترقرق فى ابرادهن سعادة الحياة والزواج . . . والحب . واكتسى البيت حلة زاهية قشيبه ، وسعد الاخوان الثلاث بمباهج الزواج فاغدقوا على اختهم الهدايا حرائر واسورة ونقودا ، ولكنها كانت تنظر الى كل هذا نظرة سوداء
كانت تحتقر كل ما يقدم اليها لانها كانت تري فيه صك عبوديتها وثمن حريتها كانت تقول لنفسها والدموع تطفر من عينيها ؛ وهى تجز شعرها مصرة على اسنانها . منطرحة على فراشها : ان هذا الحرير ليس الا كفنى فى هذا القبر ، وهذه الاسورة المرصعة بألماس ، المصوغة من الذهب ليست الا القيد الذى
يقيدون به حريتى ويبيعون به شبابى ، وهذه النقود التى يبذرونها امامي تبذيرا ليست سوى ثمن حريتى وقيمة رقى فلست اريد شيئا من هذا .
ان هذا السوار الذي يطوق معصمي لكالحية الرقطاء تطوق الغصن الرطيب ، وهذا العقد الذى يحيط بعنقي كحبل المشنققة بريد أن يخنقني ويقضي على حياتى ؛ وهذه الحرائر السندسية ليست إلا نارا تزيد فت اللهيب الذي يندلع فى جسمى فيزلزل حياتي .
بهذا كانت ترثى نفسها ، وطال أمد سجنها فمرضت وانطرحت على فراشها حزينة شاحبة . تعصف بها الحمى .
لم يدخر أبوها وسعا فى إنقاذها ، ولكن حالها كانت تسوء يوما بعد يوم ووجدت فى مرضها راحة فانصرفت إلى التفكير الهادئ في حالتها ومآلها . والمرض من طبيعته أن يكسر من حدة العواطف ، وان يحد من نشاط الاعصاب وثورتها فارتأت أخيرا أن للقدر فى حالتها يدا غير منكورة ، فاسلمت أمرها لله واستكانت إلى قضائه ورضيت بقدره .
وتضافر الطب ودعاء الشيخ فتقدمت إلى العافية خطوات ، ولم تمض أيام حتى ودعت سرير المرض ولكن لا إلى متاع الدنيا ، ومباهج العيش ، ولا إلى ثورة الشباب ونزعات الهوى .
بل انصرفت بكليتها إلى عبادة صامتة وتفكير روحى عميق . فيه الاستسلام للقضاء والرضوخ للقدر .
الرضاء بما كان والاستسلام لما يكون . فيه أكثر من ذلك . فيه هذا الصمت الهادئ الذي يغمر حياة المحزونين فيكسب وجوههم نوعا من الجمال الصامت الحزين الذى لا يأبه لشئ لانه عرف من الالم كل شئ .
وهكذا قدر لها أن تقضي شبابها مترهبة ، بينها ديرها ، ففى ذمة الله ذلك الشباب الناضر ، وفى ذمة الشيخ ذياك الجمال البديع . ومن لبا بان يعرف الآباء ما فى نفوس الفتيات فيجتنبون دفنهن فى الحياة .

