هذا بحث علمي دقيق وممتع حافل (( المنهل ))
الايمان بكل أنواعه :
١ - ينطبع في الغريزة ٢ - ويتقد في العاطفة ٣ - ويتمحص في العقل . . . أو قل : ١ - الغريزة مطبعة الايمان . . . ٢ - والعاطفة وقوده . . . ٣ - والعقل مصفاته . . .
وحديثي عن الايمان بالله الخالق العظيم ، ووحيه المقدس . .
١ - ايمان الغريزة :
من الغريزة ينطلق الايمان المطبوع المتوارث ، الى الاقتناع والاذعان ، أيا كان الاله المعبود ، خالق الوجود الحق ، أو حيوانا أو نباتا أو جمادا .
وأيا كان الوحي المنسوب اليه : القرآن المجيد ، أو ترهات الكهان ، وأساطير الجان . . .
بقلم العلم الالهى الشامل ، في طاقة الكائن الحي . . . الا أنه مبهم لكل الحيوانات وغير مدرك لها . . .
وانما جاء ادراك أعمال الغرائز في الانسان من العقل . . .
ويمتاز الانسان بغريزة الايمان . . .
والإيمان الغريزي محكم في اعماق النفس، ويرفض صاحبه أية محالة تنقص من قدره ، ولو كانت بأدلة يقين العلم . .
ولا يقبل مساومة فيه . ولو كان مؤلفا من أساطير وترهات . .
وصاحب الايمان الغريزي لا يرى في تعدد آلهته المعبودة ، ولا ما تراكم حولها من خوارق ، شيئا غير حق وصدق وواقع . . ولو ناكر ذلك حقائق العلم اليقيني ، وتراه ينافح عن مناقضاتها ، ولا يرضى عن مناقشته لها ، بوجه من الوجوه . .
والباعث على ذلك أن المؤمن الغريزي يفقد موازين التفكير المستقل ، وأحاسيس تميزه بين السيئ والحسن والأحسن ، لأن أحاسيسه أبدا هي أحاسيس الغريزة ، وما هو مطبوع فيها .
وايمانه في نظره أحسن المحاسن ، وان كان أسوأ المساوئ . .
ألا ترى قوم لوط كيف عموا عن الاصلاح العظيم الذى جاءهم به لوط - عليه السلام - من عند الله عز وجل ، وكيف سخروا منه ومقتوه ومن معه . . . وتأمل منطق الغريزة في جواب قومه له . .
((. . . وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم ، انهم اناس يتطهرون . . .)) ٧ الاعراف ٨٢
ذلك لأن شعلة الغريزة ذات دخان كثيف اسود يحجب البصيرة والبصر عن نور
العلم ، وهداية الحق ، وخير الاصلاح ... وان واقع سلطان الغرائز المهيمن على وعي الحواس الخمس العملي . وضحه وحى الله من قبل أن يهتدي الى توضيحه علماء النفس بأجيال . .
تأمل قوله تعالى (( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا ، وهم لا يسمعون)) (٢١)
(( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)) : ٨-٢٢
وما كانوا شر الدواب الا لانهم أذعنوا لغرائزهم ، وعطلوا عقولهم . وكانوا قادرين أن يستعملوا عقولهم : فيميزوا بها ، بين العلم والجهل ، والحق والباطل ، والايمان والكفر . ولكنهم لم يفعلوا وأصروا على ذلك. (( ان شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون )) ٨-٥٥
وفي آية الاعراف ٧-١٧٩ بيان مسهب يذكر تعطيل الحواس بوثاق الغريزة . .
(( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس : لهم قلوب لا يفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان لا يسمعون بها ، أولئك كالأنعام ، بل هم أضل : أولئك هم الغافلون )) . .
أي غافلون عن استعمال مواهبهم الفكرية التى بها يستطيعون أن يسيطروا على حواسهم التي هى وسائل اكتساب يقين الايمان والعلم . . .
وأية قيمة لحياة موثقة الفكر ، ووثاق الفكر ، وثاق للحياة عن الانتفاع بها في نصرة الحق والعلم والخير ، فتكون في حكم العدم . . . والمشاهد أن موت الفكر هو موت الموت ومن كان كذلك فهو يعبد أي كائن من كائنات الوجود ، ولو كان الشيطان ولا
يصغي لانذار ، ولا يكترث له ، لانه ميت ميت وهل تنذر الاموات ، والله يقول : (( لتنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين )) ٣٥-٧
وكيف لا يكونون أمواتا المكفوفين في رموس تقاليد الآلهة المتخذة من أفراد الكائنات ، ويجدون في الاصرار على عبادتها ، ويتخذون عبادة الله العظيم خالقهم هزءا وسخرة . . .
ويتحدون الدعاة الى عبادته بطلب أنزال العذاب عليهم ، ليكون أية صدقهم في كفرهم به جل وعز . .
وجل هؤلاء أنهم يعيشون في عالم حرية الارادة والفكر ، ولولا انهم كذلك لما استطاعوا أن يكفروا وأن يفكروا في غير الايمان العلمي اليقيني ، وأن يؤثروه عليه بتحد واصرار .
(( قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ، ونذر ما كان يعبد آباؤنا ، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين )) ، الاعراف ٧
ويكفي أن ننهي الحديث عنهم بهذه الآية الكريمة التى وردت في وصفهم
(( صم بكم عمي فهم لا يرجعون )) ٢-١٨
فعلمهم لا يزيدهم الا نفاقا واصرارا وكفرا ، ولا رجاء فيهم في عدولهم عنه ، هذا طبيعة الايمان الغريزي ، والايمان الغريزي اذا صادف العقيدة العلمية اليقينية كان بعيدا عن الشك .. حتى لدى انطلاق الفكر، وهو ماثل في ايمان العجائز الذى تمناه الامام الرازي لنفسه . . .
٢ - ايمان العاطفة :
العاطفة : طاقة وجدانية حساسة ذات انفعالات خاصة كالكمرة تنفعل بجانب من المرئيات دون جانب ...
وتتكون العاطفة بالتكرار ، وقد تتكون بالمرة الواحدة .
والعاطفة ذات انفتاح في شباب المجموعة النفسية ، وتقوى وتنمو بالتعهد والتربية وبالمصلحة والدعاية ... وتلذعك العاطفة المشبوبة لذع تيار الكهرباء ، اذا حاولت اخماد الذى شبها ، ولو بواقع العلم اليقيني المحض ..
والعاطفة كبيرة التأثير في توجيه اعمال الانسان ، وفي تعين موداته وعداواته ، وتضحياته ..
والعاطفة تنفعل بالغريزة ، وتنجر في تيارها ، وقد يطغى تأثير الغريزة عليها حتى تجافي واقع العلم اليقيني اذا جافته الغريزة ومشت في غير واديه ...
وتخالف العاطفة الغريزة أنها ذات ألوان، وأن الوانها لا يسر في احصائها ، وانها صالحة للازالة والتبديل . . . أنظر فهذه عاطفة الحب - وما اكثر أنواعها ، ومنها الحب القومي :
ألا تجد من ولد في المجتمع الصيني ونشيء على أحاسيسه وتقديس شعارات تأريخه ولغته وأمجاده فانه يحس بعاطفة الحب القومي الصيني ، ويتحمس لها ، ويذود عنها ما استطاع . . . واذا صدق الحب يضحى بنفسه من أجله . . .
ومن ولد في المجتمع الاندونيسي ، ونشيء على تقديس مشاعره وأمجاده ولغته وتاريخه فان عاطفة حبه القومي تكون اندونيسية . . وقد تموت عاطفة الحب القومي حتى يعود المواطن عدوا يتآمر على أمته ، أو لا يبالى بها . عاشت أو ماتت ، تمزقت أو توحدت، شقيت أو سعدت .
وهذا حال عاطفة الدين ، دون غريزته وعدد ألوان عاطفة الدين بعدد النحل
و الاديان التي يدين بها البشر .
والعاطفة في حد ذاتها انعزالية ، واعتباطية التفكير فيما تأخذ أو تدع . . وترفض الحط مما هي مطمئنة به ، ولو كان ذلك مؤيدا بألف برهان علمي يقينى صحيح . ولا تنتظر من المفكر العاطفى ، الذود عن حقائق العلم اليقيني ، أو التنكر لاساطير تعدد الآلهة ، أو الانتصار للخبر والانسانية والسلام ، إذا لم يكن ذلك من منابت تربة العاطفة ، في نفسه ، وتعهد الداعين المربين لها بذلك منذ البداية ، والتثقيف الانساني العالى : وتحرير العلم اليقيني والوحى اليقيني من مهاترات العاطفة لا يحرك ساكنا هنا . أي مع العاطفة المشبوبة الملوثة اما العاطفة النزيهة الكريمة فهي روح التقدم العلمي العالى .
عاطفة الايمان والثقافة العالية
الثقافة العالية قمة النمو الفكري الفذ ، ومثالية السلوك الانساني الكريم . وتأثيرها في تكوين العاطفة وتهذيبها بالغ . وان كانت لا تستطيع اقتلاع أحاسيس اتجاهاتها الاساسية ، الا بألف جهد وجهد ، وفي ندرة وخاصة اتجاهات عاطفة الايمان اذا كانت منحرفة مركزة على تقديس حيوان أو حجر وعبادته وتأليهه لان ظهور الثقافة العالية في العاطفة كظهور الماء الصافي في اناء البلور . يبدو صافيا جذابا أي في اللون المحبب لكل ذى عقيدة اخرى، وان كانت العاطفة بالنسبة لواقعها في نفس صاحبها هي هي ...
والعاطفة لا تكون جحيما شواظها الاصفر يلفح من دنا منها الا في نفوس المتكسبين ، وأشطار المثقفين ، غلاظ الاكباد اذا التقوا
بمن يجمل نقيضها ، ولو كان ما يحمله مؤيدا بكل دلائل يقين العلم ...
وانا نلمس دنيا العاطفة الشاعة في اعمال الغريزة أقوى مما نلمسها في أعمال الفكر . فسلطان الغريزة أعنف أشد من سلطان الفكر ، الا لدى اهتمام التبل العلمي النادر ...
وكم من حروب للعاطفة ضد واقع العلم اليقينى والوحي اليقينى ، نشاهده اذا تباين الاتجاهان . والسبب أن منطقها مستمد من أحداث بيئتها ، وتنشئتها وتقليد ما تدين به ، وأمانى عيشها .. وليس مستمدا من مطالع اكتشاف العلم ، وتلقى الوحي ، والانتصار لهما ، وما يكسب ذلك من المجد الشريف العظيم المخلد .
واذا كنت تشبه الغريزة بالجمر الشاعل في موقده ، وقد تخمد أحيانا بالكبت وفقد وسائل الاثارة فأنا أشبه العاطفة بالريح العاصفة المثيرة التى تستطير بالجمر لهيبا أصفر ذا شرر متلاحق هنا وهناك ، فتحدث جنون الحب الاعمى الفاجر والفتن العمياء ، والحروب العدوانية الجشعة السالبة والدس على حقائق التاريخ والوحي اليقينى والعلم اليقينى وتشويه كل ذلك بالريب والاوهام . .
وبعيد في اليقين العلمى قصر التبعة من كل ذلك على الغريزة وحدها ، وتنحيتها عن العاطفة . . ومن هنا نلحق تبعة الفتن الدينية الدامية،وخلافاتها المذهبية الرعناء ، والدس فى نصوص الوحي اليقينية بالزيادة والنقصان ، والتأويلات الباطلة ، والاخذ بالمتشابهات ، وطرح المحكمات في عالم الاديان السماوية،واختراع الالوهيات ووضع الاديان حولها .. نلحقها
بعاطفة الايمان ، من قبل أن نلحقها بغريزته لان العاطفة بكل تأكيد ، قداح زناد الغريزة ووقودها الجهنمى المدمر .
وقل مثل ذلك فى غريزة حب التملك ، اذا لم تثرها عاطفة حب الثراء ، فانها تظل في مسلكها العادى تهب رخاء ، فان أثارتها حولتها الى اعصار عاصف لا يهدأ ولا يستقر . . سهر دائب ، وجهد متتابع من أجل الجمع والادخار . . فان كبتت بهدى الشريعة اقتصر على الحلال البين .
وان لم تكبت : أكل جشع الغريزة الملتهب بشععلة العاطفة الاخضر واليابس والقائم والقاعد والظاهر والخفى ، وهو فاغر فاه يصرخ : هل مزيد ؟
تفكر : هذا المال الذى تضن به غريزة حب التملك ، وتحجزه عن الانفاق ، كيف تبذله عاطفة الايمان الكافر لدى اهتياجها ضد دعوة وحي الله الى الايمان الصحيح ، ولا تبالى ..
(( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون )) ( ٨-٣٦ الانفال )
وهل انتصر النماردة لآلتهم التى نحتوها من الاحجار ، ضد سيدنا ابراهيم على الرغم من البرهان اليقينى المشاهد لهم الذى هو جعلها جذاذا وأجمعوا على احراقه ، دون اكتراث ، الا بحكم اذعانهم لغرائزهم ، وثوران عواطفهم ..
قال : (( أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم - ٦٧ - أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون - ٦٨ - قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم ان كنتم فاعلين )) ( الانبياء ٢١-٦٨)
وهذا مشهد من مشاهد العاطفة الثائرة من أعمالها العنيفة حين توجهها غريزة التدين . تبصره من احتشاد زعماء مدين واجماعهم على اخراج سيدنا شعيب ، ومن آمن به ، كراهية لما جاءهم به من اصلاح مؤكد . .
(( قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا )) (٧-٨٨)
فهذا الاهتياج في غريزة تدينهم ، مأتاه من اشتغال عواطفهم الساخطة . . أنظر كيف داسوا الحقيقة الملموسة بأقدامهم ، واعتبروا الاصلاح العالى الذى جاء به نبي الله شعيب افسادا وخسرانا وأوقدوا الحملة عليه في كل مكان .
(( وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم اذا لخاسرون )) (٧-٩٠)
٣ - الايمان والعقل :
طاقة العقل فى قمة طاقات المجموعة النفسية ، وهى بأصرتها الواعية الكاشفة لوقائع الاشياء والمميزة لها ، والقادرة على ضبط العلم ، واستيعاب حقائقه على وجهها الصحيح ، بخلاف طاقتي الغريزة والعاطفة المجردتين .
ولا يرتاب مفكر في أن الايمان الذى يعتمد في اثباته ، على براهين العلم اليقينى ، هو ايمان العقل ..
ولكن ليس كل من حمل عقلا ، كان ايمانه مبنيا على دلائل العلم اليقينية . والسبب فى ذلك أن العقل عقلان :
١ - عقل موثق بوثاقى الغريزة والعاطفة
وهذا العقل أشبه بالعربة التى يقودها جوادان :
فهى تتحرك بحركتهما،وتسكن بسكونهما أو قل العربة ذات الجواد الواحد ، ان كان الوثاق هو وثاق الغريزة وحدها، أو العاطفة وحدها .
والعقل الموثق لا يدخل في امكانه تمحيص واقع العلم اليقينى فيما هو موثق بغريزته أو عاطفته من ايمان .
فان كان موثقا ايمانه بتأليه نار أو شمس أو فيل أو بقرة ، أو روح أو ملك ، أو شيطان فان حبال وثاقه تظل ظاهرة في افكاره وان تخيلها منطلقة حرة خالية من كل وثاق . .
ومن أجل ذلك تجد جمهرة الكاتبين الموثقين يؤلفون المؤلفات الضخمة ، ويلقون المحاضرات الطويلة العريضة ، تأييدا لما يؤلهون من كائنات المادة أو من كائنات الطاقة ..
وعقولهم الموثقة بأغلال غرائزهم وعواطفهم لا تملك فك تفكيرها منها ، فأثارها أبدا تجدها ظاهرة فيه . . اذن فمالناقد من عجب اذا شاهد وفرة المحاضرات ، تصدر في بعض مدن الشرق الاقصى ، منافحة عن قداسة الابقار ، وحاثة على صيانتها ومحذرة من انتهاك حرماتها ، ولو بلمزة عابرة ، أو اشارة ساخرة .
ولما كان تفكير العقل الموثق وانتاجه خاضعا لبواعث الغريزة والعاطفة ، فانه لن ينقض تعدد الآلهة ، ولو نقضه العلم اليقينى ما دام ذلك منسجما مع بواعث ايمانه واتجاهاته .
وهذا عين موقفه حيال أية حقيقة علمية
يقينية اذا كانت مناقضة لما انطوت عليه الغريزة ، واتقدت له العاطفة ، من ايمان بعقيدة ما ..
وانه لا يفتأ يزينها بأصول العلم أحسن تزيين ، ويخفى تهافتها ، ومناقضتها لحقائقه بكل ما يملك من ذكاء وعمق فى المعرفة . شبه ما تصنعه الماشطة الماهرة في تزيين الوجه البشع المنفر ، فهى وان كانت تعجز عن ازالة بشاعته الاصيلة الا أنها تخفيها بأصباغها وأدهانها وبما تضيف وتنقص ، أى لا تعجز عن الخداع ولو بعض الوقت ..
هذا دأب صاحب العقل الموثق المثقف . فهو وان كان يسخط العلماء الاحرار الراسخين ، ويثيرهم الى نقده ، الا أنه يرضى جماهير أتباعه ، ويحمسهم الى اكباره ويجعلهم يرفعونه ، ويهتفون له ويخصون عيشه من دونهم بالاطايب .
وما دام هذا شأنه وشأن أتباعه معه فلا أمل فيه وفيهم أن يفقهوا واقع العلم اليقينى وواقع الوحى اليقينى ، وينتصروا لهما اذا فقهوهما ويعدلوا عن كفرهم واصرارهم عليه وسخريتهم بالمؤمنين الصادقين .
(( ويل لكل أفاك أثيم (٧) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب اليم (٨) واذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين )) (٤٥٩-٩ الجاثية )
وقال سبحانه وتعالى : (( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون )) ( ٢٢-٢٣ )
أي كان مقتضى علمه أن ينطلق من وثاقى الغريزة والعاطفة ، فلا يجعل لله أندادا من مصنوعاته يعبدها ، من دونه عز وجل .
٤ - عقل مطلق :
المراد من اطلاق العقل فكاكه من كل وثاق نفسى ، أو خارجى ، يمنعه عن الاخذ بالواقع اليقينى في العلم والوحي ، واعلان ما يؤخذ للناس ، والدعوة اليه بأمانة وصدق .
والعقل المطلق في اقتداره الانتقال من عقيدة الى أخرى - ومن فلسفة الى سواها.
اذا ظهر له أن الثانية هى عين يقين العلم لا الاولى ..
وفي اقتداره أيضا افراز الظنون والفروض والاساطير ، اذا جاءت متلبسة بيقين العلم، أو بيقين الوحي .
والعقل المطلق : اما أن يكون مؤمنا . واما أن يكون ملحدا .
فان كان مؤمنا وكان مثقفا ، تفكر في خلق السموات والارض ، وجد في كشف الواقع اليقينى في كل شئ .
فاذا انكشف له شئ من ذلك ، دان به وأعلنه للناس ، بالدعوة اليه ، ليصححوا عقائدهم ، وما يدينون به . .
وهو دائما في هدى الايمان وخشوعه ، وفي التفكر والذكر ، وفي ذلك يقول الله عز وجل :
(( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب )) (١٩٠)
الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ، ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك
فقنا عذاب النار )) (٣-١٩١)
وصاحب العقل المؤمن المثقف لا يؤمن
الا بالله الخالق العظيم ، ويرفض أن يؤمن بآلهة الاساطير المتخذة من أفراد الكائنات المادية والطاقية ، على وفرة أشكالها وألوانها لانه يستعمل عقله في التفكر ، وعلمه في كشف واقع العلم اليقينى فيما يدين به من وحي ، وفيما يطرح عليه من المسائل المتعلقة به ..
وان كان صاحب العقل المطلق ملحدا .. عبد هواه ، وجعل علمه تابعا له ..
وحينئذ يكون من الفوادح الهدامة ليقين العلم والايمان .
ويستأجر لدى كل مناسبة للدعوة لاى من الآلهة التى مضت وأعلن عنها ، أو الآلهة التى سوف يعلن عنها ، ولا يبالى .
ومن كان من هذا الطراز ، يستخدم للتشكيك فى دقائق العلم اليقينى ، ولدس الظنون والاوهام ، وجعلها هى عين واقع العلم اليقينى ، ما دام الكسب موفورا له.
وهل كان جزارو البشرية الفتاك والخونة المتآمرون والمريبون المترصدون الا من هؤلاء الملاحدة العالميين .
واذا كان كل تقدم حضارى مجيد خير، تم للانسانية على يد ذوى العقول المطلقة ، المؤمنة . . فان كل تخلف وهدم ، وتمرد وتهتك وافساد بين الجماعات والافراد ، وافتراء فى ادعاء الالوهية والنبوة والوحى والخوارق يتم على يد ذوى العقول المطلقة الملحدة العالمة .
(( أفرأيت من إتخذ الهه هواه وأضله الله على علم ، وختم على سمعه وقلبه ، وجعل على بصره غشاوة ، فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون )) (٢٣)وقالوا ما هى الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ،
وما لهم بذلك من علم ان هم الا يظنون )) (٤٥-٥٤)
(( ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا وإياى فاتقون )) (٤٢)
(( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون )) (٢-٤٣)
أنظر! .. هؤلاء فريق من أهل الكتاب اليهود الحدوا ، وآمنوا بالجبت والطاغوت ، كيف كتموا حقيقة العلم اليقينى الذى استوعبوه بكل عقولهم ، وزعموا للمشركين من قريش ومن كان على شاكلتهم أنهم أهدى سبيلا مع ما كانوا عليه من عبادة الاصنام واستباحة المحارم ، وتمزيق الكلمة، وهوانهم على الناس مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من مثل عليا اصلاحية أورثتهم ملك الدنيا طولها والعرض .
(( ألم تر الى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )) (٤-٥١) .
وغاية ما يقال في هذا البحث :
١ - (( من طلب الله عز وجل بغريزته اتخذ الهه مما هو متخذ في بيئته تقليدا . وبين ان التأليه الغريزى فلم وراثى مركز في صميم الاعصاب تبدو صوره في أوقاتها المعينة،دون تخلف أو تذبذب أو محاق .
٢ - (( ومن طلب الله عز وجل بعاطفته استجاب لأول داع قادر على التسلط والتحكم والتأسيس والتركيز ، وقراءة الافكار .. وما هنالك من وسائل التأثير العاطفى ..
فتراه يأخذ عنه ما يدعو لعبادته ولو كان دون عبادة خالق العوالم كافة ذاتا وصفات وأفعالا ، بل لو كان يدعو الى الحاد
لاستجاب له ، ما لم يكن له حصانة من علم يقينى أو وحي يقينى .
والعواطف شعلة العقائد أيا تكن فاتقادها اتقاد لها : تأمن وتحذر ، وتصادق وتعادى: وتسالم وتحارب : راضية طيعة بسلطان تأثيرها .
٣ - ومن طلب الله بالعقل الموثق المثقف فان ثقافته تظل موثقة بوثاقى غريزة التدين وعاطفته .. ولن تتزحزح عما تدين به الغريزة ، وتشتعل له العاطفة قيد شعرة، الا باللجوء الى الاساليب اليقينية والفلسفية الناقدة والبسها ما يدين به ، وان كان ما يدين به ، غير الخالق العظيم ليلبس على أطفال الثقافة ، وأشباه العامة ، ما يلبس.
ولا يسعه لدى المواقف العلمية اليقينية الحاسمة ، سوى الهرب ، وفي الهرب النجاة من فضيحة الجهل وتقديسه والذود عنه .
٤ - ومن طلب الله بالعقل المطلق المثقف . .
فان كان مؤمنا توخى في ثقافته واقع المعرفة اليقينية في كل شئ . . بحكم اطلاقه .
واستطاع أن يقيم بالبراهين العلمية القاطعة بطلان أن نكون الكائنات مخلوقة بطاقة أحد هذه الآلهة المتخذة من أفرادها .
كما يستطيع أن يميز بين الايمان العلمى اليقينى ، وبين الايمان التقليدى التلقينى، وينقد ركام الاساطير والتقاليد . وترهات خوارق آلهتها العديدة .
ولا ريب أنه من مهازل العصر القمرى الحديث نسبة خلق الكانات اليها ، في بعض البيئات ، وفي أخرى نسبتها الى المصادفات .
وما دام يملك اطلاق العقل وسعة الثقافة فلن تخفى عليه دسائس الدساسين الذين أدخلوها في تأويل النصوص اليقينية المحكمة بالمتشابهات ، ووضع الكثرة المتناقضة المتهافتة من الاحاديث التى استغلوا بها الغرائز الامية والعواطف الساذجة، فأسدوا ما شاء لهم الافساد ، وأكثروا من الفرق والنحل وأوسعوا الخلف بينها .
ولا ريب في أن طالب الله عز وجل بالعقل المثقف المؤمن ، لن يتنكب عن طريق يقين الوحى الالهى المستقيم ، ولا ينحرف عنه .
وليس له من أدلاء سوى ذات الوحي اليقينى والعلم اليقينى والعقل المطلق المفكر العالم ..
وهذه كل أعتدته في جهاده في الاهتداء الى الله عز وجل .
(( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، وان الله لمع المحسنين ))
٥ - وان كان صاحب العقل المطلق المثقف ملحدا ..
فان طلبه لله يكون منكوسا مظلما ، يبحث غرائب تكوين الكائنات ويتعمق معارفها التى تكونت بمقتضاه بكل ما تذخر به عجائب التكوين .
ولكن لا ليؤمن بنسبتها الى الخالق العظيم بل ليجحد النسبة اليه،وينسبها الى المصادفات والاتفاقات .. وكل برهانه : هكذا أريد أنا أنا ..
أي يجحدها ولا يكترث بالادلة العلمية اليقينية المشاهدة التى تثبت جلال وجود
الخالق العظيم ، فهي في نظره أوهام وتخيلات .
وهذا نهاية ما يصل اليه العقل المطلق المثقف الملحد من الهوس والاضطراب والاصرار ..
وكل ما يتوخاه من وراء ذلك ، هو أن يشق طريقا للشهرة والتعريف بنفسه بأنه عبقرى مجدد ، وعالم محقق ، وفيلسوف مفكر .
ومن أجل ذلك يفرض على الناس أن ما يقوله : هو الواقع العلمى القطعى . ولو قال : الشمس أصغر من الارض ، والارض أصغر من القمر ، وأن الكائنات لم توجد بعلم ، وان العلم ما وجد الا حين تكامل تكوين مخ الانسان ، وأصبح قادرا على الملاحظة والوعي والاستيعاب والتذكر .
وهو يسخر بعباقرة العلماء والمؤمنين ، ويفند علومهم ، ويراهم أنصاف أميين بالنسبة اليه .
ولا عجب في ذلك فكل حضارة لا تخلو من أمثاله .
وقديما قال المتنبى فى أمثاله :
وكم من عائب قولا صحيحا
وآفته من الفهم السقيم
وقد قال محمد البوصيرى في الذين تجاهلوا معجزات آيات القرآن المجيد ، وهم أهل علم وحذق وفهم تجاهلوا بما فيهم من طبيعة الحسد :
لا تعجبن لحسود راح ينكرها
تجاهلا وهو عين الحاذق الفهم
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الماء من سقم

