3 - المستشفى الحفصى
البحث على هذا المستشفى له قصة أوردها للعبرة . قرأت سنة 1944 فى عدد من " النهضة الادبية " وهي ملحق لجريدة النهضة " وكانت تصدر فى حجم صغير مرة فى الاسبوع بتونس : " ان هذا المستشفى كان بنهج النفافته بالعاصمة وكان الطبيب الصقلي يطبب به " فذهبت الى المكان وسألت شيوخه هل سبق فى علمهم ان مرستانا وجد بحيهم ؟ فوجدتهم فى جهل تام من المسألة ، فظننت ان آثاره قد اندثرت كلها على أن ما جاء فى جريدة " النهضة جدير بالاهتمام لما لصاحب المقالة من خبرة فى التاريخ وان لم يذكر موارده
فى مجلة " المباحث " التى كانت تصدر بتونس قرأت مقالة سنة 1947 عنوانها : " البيمرستانات فى الاسلام " جاء فى اخرها ما يلى : " ان المستشفى الحفصى كان بالقرب من ضريح سيدى محرز ) 1 ( بالعاصمة وكان به أربعة آلاف بين مريض وناقه وهو عدد ضخم ليس على وجه الارض اليوم مستشفى يستوعب من المرضى ما استوعب . ويرجع تأسيسه الى القرن الثامن ذكره الزركشى " ) 2 ( فوجدت فى عدد القاطنين بالمستشفى مبالغة فادحة ولم تكن غلطة مطبعية حيث ان العدد كان مكتوبا بالحروف لا بالارقام ، وأكده بقوله " ليس على وجه الارض . . . " . وراجعت كتاب الزركشي الذي استدل به صاحب المقالة فلم أجد ذكرا للمكان وللعدد المذكور
وفى السنة نفسها صدر كتاب باللغة الفرنسية عنوانه : " بلاد البربر الشرقية " جاء فيه : " أن أبا فارس أسس مرستانا مثل مرستانات الشرق لايواء المرضى والعجز من المسلمين . واضاف : " أظن ان المستشفى الذى أسس فى القرن السابع عشر ) يشير الى المستشفى الذى اقامه حمودة باشا المرادى هو تجديد مستشفى القرون الوسطى ) أى الحفصى ( .
اتسعت شقة الخلاف وجاء الظن بعد اليقين ولم اظفر بنتيجة . وفى يوم من الايام جاء الى قاعة المطالعة بالمكتبة الوطنية السيد عبد المجيد السبعي وهو رجل مولع بمطالعة التاريخ التونسي ونسخ كتبه بيده ، فسألته هل له علم بموضوع المستشفى الحفصى بالعاصمة وقصصت عليه ما وصل اليه البحث ففكر قليلا وطلب المخطوط عدد 10642 وهو الكتاب الثاني من الحلل السندسية فى الاخبار التونسية للسراج ) 3 ( ووضع اصبعه على السطر الثاني من الورقة 29 ب ومد الى الكتاب فقرأت : " ان طبال باشا جمع الاسلحة تحت يده وكان الديوان ) ديوان عسكر الترك ( ) 4 ( آنذاك بالقصبة كما قدمنا بمكان هو اليوم دار البارود واما دار الديوان بزماننا هذا فانها كانت المرستان " . . .
بظهر ان التقهقر السياسي والانحطاط الاجتماعى والعجز المالي وبصيغة أخرى الحالة السياسية التى آلت اليها الدولة الحفصية فى آخر عهدها كانت
سببا فى غلق ابواب المرستان ، وانهاء مأموريته ، واصبح شاغرا خاليا من المرضى والاطباء فاتخذه ديوان عساكر الترك مقرا لاجتماعاتهم
ودار الديوان المشار إليها هى المحل الموجود اليوم بنهج الديوان رقم 3 والذى اصبح فيما بعد المحكمة الشرعية وبقى ملتصقا بها اسم " الديوان وكان ذلك سنة 1273 ه . / 1856 م . والمشير حمودة باشا الحسينى هو الذى أقر فيه المجلس الشرعى وترأس بنفسه أول جلسة للحكم ) 5 ( فبانت الحقيقة وارتفع الالتباس . والعبرة من هذه الحادثة انه ليس لاى كاتب عذر فى استنباط التاريخ لما فى ذلك من استبلاه للقارئ واستنقاص للمتعقب الامر الذى يتيه به عمله ويضيع به وقته .
جاء ذكر المرستان الحفصى للمرة الاولى فى تاريخ الدولتين للزركشى ص 116 عند التعريف بأبى فارس عبد العزيز الذى تولى الملك من سنة 796 الى سنة 837 ه . ( 1374-1433 م . ( ما يلى :
" ان من حسناته احداث المرستان بتونس للضعفاء والغرباء وذوى العاهات من المسلمين واوقف على ذلك اوقافا تقوم به " ولم يذكر المكان الذي انشئ فيه هذا المرستان وعدد غرفه ونظمه . ونقل عن الزركشي ، الوزير السراج ومقديش ، وحسن حسنى عبد الوهاب . وجاء فى اتحاف أهل الزمان لأحمد ابن أبى الضياف ج = ص 187 : " ان من مأثر أبي عمرو عثمان بن المنصور السبالة شرقى القصبة ، ومنها سبالة قرب المارستان - ومعروف ان أبا عمرو عثمان بن أبى فارس عبد العزيز تولى أمر البلاد من سنة 839 الى سنة 893 ( 1435-1488(6 ) . وغفل عن ذكر المرستان : الشماع وابن أبى دينار
ومقديش ولا نعلم شيئا عن ادارة هذ المستشفى وانظمته الفنية وموارده وعدد المرضى التى تؤمه إلا ما جاء فى كتاب أحمد عيسى ) 7 ( معجم الاطباء . يشير هذا المصدر ص 461 : " ان محمد الشريف الحسنى الزكراوى نزيل تونس وبها توفى سنة 474 ه . قد جاوز الخمسين وكان طبيبا أديبا ولى المرستان بتونس واقرأ العقليات مع مشاركة فى اللغة " ونعلم من جهة اخرى ان القرن التاسع الهجرى ازدان بعدد من الاطباء العباقرة قد خلدت مصنفاتهم اسماءهم اخص بالذكر :
* عبد السلام الصقلي . دفين الجاز . توفى سنة 752 ه . 1351 م . * وابنه أحمد صاحب كتابين فى الطب وكتاب فى حفظ الصحة . * ومحمد الصقلى وله تأليف قيم فى الطب : المختصر الفارسي * وأحمد الخميري وله كتاب فى حفظ الصحة ليس له وزن * وأحمد بن الحشا وضع كتابا " قاموس " فى تفسير المفردات الطبية .
وكل هذه الكتب اهديت الى سلاطين الدولة الحفصية مثل المستنصر بالله وأبى فارس عبد العزيز وهى موجودة بالمكتبة الوطنية بتونس وبكثير من المكتبات الخاصة والاجنبية وسيأتي الحديث عنها .
فلا شك ولا ريب ان هؤلاء النفر من الاطباء قد باشروا بالمرستان الحفصى واكتسبوا بفضله الخبرة فى المداواة والتأليف
الظاهر ان مرستان العزافين الذي اطنبنا القول عليه فى هذه المجلة أنفا ) 8 ( هو أيضا من منشئات الدولة الحفصية تشير بذلك عبارة الوزير السراج فى الحلل السندسية مخطوط 10642 ، ج 1 ، ص 51 - عند ذكر مآثر حمودة باشا المرادى وانشائه مرستان العزافين . جاء فى هذه الوثيقة ما يلى
" وهو اليوم بيد أميرنا هذا كأنه كيف وضع بل اجمل من حالته الاولى بحيث دام بقاؤه أمر باحيائه وإصلاحه غاية واحياء أوقافه . أحيى الله قلبه يوم تموت القلوب " وهو الامر الذي ادخل الالتباس فى ذهن المؤرخ برانشفيك اللهم الا اذا كان مرستان العزافين من مؤسسات الترك قبل ولاية حمودة باشا فيكون من حسنات يوسف داى الذى انشأ بتونس العاصمة جامعا ومدرسة للطلبة وحصونا واسواقا وجسورا واصلح الحنايا لجلب ماء زغوان
بقيت لنا مسألتان :
الاولى : هل كان لهذا المرستان عمر طويل واصل فيه الغرض الذي اسس من اجله ؟
يظهر فيما تقدم أن أبوابه فتحت لمعالجة الفقراء مجانا كما هو شأن المستشفيات في عصرنا هذا وفي كل العصور مدة تفوق مائة وأربعين سنة اى من امارة أبي فارس عبد العزيز الى السنوات الاخيرة للدولة الحفصية يوم تدهورت الاحوال وسادت الفوضى وانعدمت مداخيل الدولة
المسألة الثانية : هل كان هذا المستشفى فريدا من نوعه أم أوجد غيره فى تلك المدة أو قبلها ؟
من الممكن ان المستنصر بالله الاول الذي ترأس سنة 647 ه - اسس مرستانا . نحن نعلم ان الحضارة التونسية بلغت فى ايامه أوجا لم يسبق له له مثيل فى تاريخ تونس وانه كان مولعا بالعلوم وقد خف الى دولته ودولة أبيه أبي زكريا من قبله علماء اجلاء وأطباء عباقرة من الاندلس يذكر الغربيني فى كتابه عيون الدراية : " ان المستنصر ترأس مجلس اختبار الطبيب أبو القاسم محمد الاموي الحاذق الفاضل المعروف بابن اندراس من اهل مرسية ورد على بجاية سنة 66 ه . وبسط لقراءة الطب والعربية . . قرأت عليه أرجوزة ابن سينا قراءة اتقان وجودة وكان يحضر نبهاء الاطباء وتجرى فى ذلك الابحاث ما يعجز الكبد عنه ، يحضر فيه الطبيب أبو بكر بن القلاس . . . ورحل الى حاضرة افريقيا بطلب من أميرها المستنصر بعد ان سمع به وعرف خبره فحضر مجلسه وسئل ) ابن اندراس ( فأجاب ووافق طريق الصواب وانتظم فى سلك اطبائه وكان من جملة جلسائه الخ . . " فلا غرابة ان امير افريقيا هذا قد اسس المرستان هو بنفسه . ومما يدعم هذا الافتراض وثيقة اخرى جاءت فى قول الزركشي ص 33 وهى : " وفى هذا
السنة اى 648 بنيت الساقية شرقي جامع الزيتونة " فان كانت هذه الساقية هى التى تصل الى السبالة قرب المرستان التى اشار اليها ابن ابي الضياف وكان الغرض منها اعادة هذه المؤسسة فان مرستانا قد وجد قبل أبى فارس عبد العزيز بمائة وخمسين سنة تقريبا .
والخلاصة انه كان لامراء الدولة الحفصية من اول عهدهم الى آخره اعتناء بالصحة العمومية فأسسوا لذلك مستشفيات لمعالجة الفقراء والغرباء وايواء العجز وتعليم الطب ، وظهر فى مدتهم اطباء لم تزل مؤلفاتهم تشهد بنبوغهم وعبقريتهم .

